الأدب في عالم متغير

الأدب في عالم متغير تاريخ النشر: 21/04/2017 استمع علاء الدين محمود

عند كل منعطف تاريخي ظل الأدب في جميع أجناسه يمثل لحظة مقاومة، تعلن نفسها عبر النقد والانحياز الواضح للإنسانية على العموم، رغم محاولات إرضاخ الأدب، على نحو ما شاهدنا في الحروب الإيديولوجية، خاصة في أيام الحرب الباردة بين قطبي العالم حينها، الولايات المتحدة وأقطاب النظام الرأسمالي من جهة، والاتحاد السوفييتي ودعاة الاشتراكية في العالم، وقد جرت محاولات كبيرة لإخضاع الأدب، لمصلحة الإيديولوجية في كل معسكر، ونجحت هذه المحاولات في كل من المعسكرين، خاصة في المعسكر الرأسمالي، حيث استخدمت المخابرات في هذه المهمة، وصارت تغري الكثير من الكتاب، وبرزت كثير من الأسماء الكبيرة في عالم الأدب التي أخذت توجه نقدها اللاذع للمعسكر الآخر عبر الكتابات الأدبية خاصة في مجال الرواية، وأصبح هؤلاء الكتاب جزءاً من الدعاية العالمية الرأسمالية، في ما أطلق عليه البعض الحرب الثقافية.
غير أن كثيراً من الأدباء والمثقفين استطاعوا أن ينجحوا في الانحياز للإنسان، مجردين أنفسهم من أعباء الإيديولوجية، فتناولت أعمالهم الإنسان في توقه نحو الحرية، والانعتاق من ثقل الإيديولوجيا، بعد أن أظهرت أن الإنسان مجرد شيء وسلعة في العالم الرأسمالي، ورقم يخدم الإرادة المنفلتة عن الوعي، وما يقابله في العالم الاشتراكي، من تمثل غير خلاق للأفكار والفلسفات الاشتراكية، وتحول أحلام التحرر الإنساني إلى كوابيس مفزعة، وشموليات تقهر الإنسان، ومنظومة عانى داخلها كثير من الكتاب والأدباء الاشتراكيين ويلات القهر والاعتقال، فقط لكونهم تمردوا على إيديولوجية تحرف الأفكار وتعتقلها في شخص الأمين العام للحزب.
في أعقاب نهاية الحرب الباردة، التي أعلنت انتصار الأفكار الرأسمالية وإيديولوجيتها، حتى وصلت مرحلة العولمة، وساد بالتالي قطب واحد، وأصبح العالم أمام نظرة أحادية للأشياء والقيم والفنون والآداب، صار الاشتغال الإيديولوجي على الفنون والآداب أكثر نشاطاً من ذي قبل.
ولكن وكما في السابق، فإن الكتّاب والأدباء، المنتمين لإنسانيتهم بعيداً عن عمى الألوان الإيديولوجي، استطاعوا أن يقدموا إسهاماً كبيراً يضيء الطريق، ويهزم الوعي الزائف، عبر تناول أزمات «النظام»، واختلالاته الكونية، وكوارثه التي يريد أن يجلبها على العالم، في كافة الصعد، على مستويات البيئة والصناعة والتسابق النووي والحروب وبيع الأسلحة وظهور أشكال جديدة من العبودية (على نحو الاتجار بالبشر وتهريبهم وحشرهم في مراكب صغيرة لتشق عباب المحيطات).
إن هذه الجماعات الأدبية التي لا تخضع للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية القائمة ستلعب دوراً كبيراً في هزيمة الأفكار السائدة والوعي الزائف. هي ستفعل ذلك بقوة عزيمة مستمدة من الأدب المشتغلين عليه، ومن الإنسانية التي أنتجت هذا الأدب.

alaamhd33@gmail.com

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله