تبصير المريض

أقام أحد أساتذة الجامعة دعوى قضائية على طبيب قام بإجراء عملية جراحية أفقدته البصر في إحدى عينيه، مما أعجزه عن القيام بمهام وظيفته، واضطراره إلى التقاعد؛ كوّن العين الأخرى ضعيفة من الأساس.
لقد كتبت منذ بضع سنوات عن هذا الموضوع وضرورة تبصير المريض بحالته قبل إجراء العملية الجراحية، وطالبت بتشريع يضمن حق المريض وإنصاف الطبيب، ولكن مع الأسف لم ينتبه المشرّعون لهذه المطالب، لذلك لا مانع من إعادة طرح هذا الموضوع مرة أخرى.
تتميز مهنة الطب عن باقي المهن بأن لها قواعد وقسماً ودستوراً، وهي تدور في فلك الأخلاقيات المهنية. ويكفي أنها كانت معجزة نبي الله عيسى عليه السلام. ومن نافلة القول أن المريض الآن أصبح كتاباً مقروءاً، بعد ثورة المعلومات وتعدد وسائل الفحص والتشخيص، سواء كان هذا الفحص إكلينيكياً أو بواسطة الأشعة أو عن طريق المناظير وغيرها من الفحوصات المخبرية. لذلك يقع الطبيب في معادلة صعبة أثناء الممارسة من حيث تبصير المريض بخطورة وضعه الصحي وكمية المعلومات التي من المفروض أن يزوده بها. ونتائجها عليه وما الحدود التي يقف عندها الطبيب في الحديث عن المرض؟ وماذا إذا تأكد من خطورة هذا المرض كالأمراض الخبيثة مثلاً وعلم أن إبلاغه قد ينعكس عليه بتفاقم حالته الصحية، فهل يتولى علاجه من دون التصريح بالمرض؟ هل يجب على الجراح أن يذكر للمريض قبل العملية بأن هناك اثنين في الألف يصابون بتعقيدات وتشوهات بعد العملية؟ هل يخبر طبيب البنج كل مريض مقدم على الجراحة بأن هناك نسبة ضئيلة لا تصحو من البنج أو أنها ستدخل في غيبوبة الموت؟ هل من المعقول إبلاغ امرأة مقبلة على الولادة بأن معدل وفيات الأمهات أثناء الولادة هو ٢٧ حالة في كل مئة ألف في الدول المتقدمة وعشرة أضعاف هذا العدد في الدول النامية كما تذكر إحصاءات منظمة الصحة العالمية؟ هل يخبر الطبيب زوجة رجل مصاب بمرض جنسي خطير وضرورة الابتعاد ولو خلال فترة العلاج؟
هذه بعض الأسئلة وهناك المزيد منها التي تدخل في منطقة رمادية يحتار الكثير من الأطباء في الإجابة عليها. بعض الدول وضعت بعض التشريعات بضرورة تبصير المريض بما هو مقدم عليه، لكنها اختلفت حول كمية المعلومات التي تُعطى له، حيث ذكر البعض أن أهلية المريض لتفهم معطيات الموقف هي التي تحدد نطاق ما يُعطى له من معلومات فهذا حقه الطبيعي، لكن هل يعتبر الطبيب كاذباً إذا صرح للمريض بغير الحقيقة؟ وهل يحاسب قانوناً؟ في كندا يعتبر موقف الطبيب مبرراً إذا أخفى عن المريض بعض الحقائق التي تؤدي إلى إيذائه نفسياً وتفاقم حالته.
باعتقادي أن من حق المريض أن يُعطى فكرة معقولة عن حالته وما هو مقدم عليه والخيارات متاحة التي تسمح له باتخاذ قرار رشيد. كما اعتقد بضرورة وجود تشريعات تساعد الطبيب وتحميه، خصوصاً بعد أن كثرت الادعاءات والمطالبة بتعويضات، ولا يكفي التوقيع على ورقة بالموافقة على العملية كما هو حاصل الآن.

د. صلاح العتيقي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله