دفء فيسبوكي

أفق دفء فيسبوكي تاريخ النشر: 18/06/2017 استمع محمدو لحبيب كتب لي الفيسبوك الجملة التالية: «شكرًا على مشاركة بعض المشاعر باستخدام زر «أحببته» اليوم، في كل مرة تعبّر فيها عن حبك لمنشور، تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع أكثر دفئًا قليلاً».
إنها جملة تطرح على الوعي أسئلة مهمة في عصرنا الذي تتسيده مواقع التواصل الاجتماعي: ما مدى حدود علاقة البذل والعطاء التي تتشكل بين الشخص والعالم الافتراضي؟ أيهما يلبس على الآخر قدراً من الدفء المحيل إلى مزيد من الشعور بالأنسنة وجمالها؟.
يكمن الموضوع في الدراسة الثقافية لعملية الاتصال التي تحدث عند استخدام منصات التواصل الاجتماعي، والدوافع التي تجعل أي شخص يبذل مشاعره عبر تلك المواقع، ويستخدم أيقوناتها التعبيرية ليتفاعل مع ما ينشره غيره من مشاعر وأفكار.
لقد أدى التطور الهائل في استخدام تلك المواقع، إلى تقليص المسافة بين المنطلقات الفلسفية لما هو تقني وما هو اجتماعي خالص، ذلك أنهما يتفاعلان بشكل مستمر فيختفي الفارق بين الإحساس بالمشاعر ضمن مجتمع حقيقي، وبين الإحساس بنفس المشاعر في مجتمع «إنترنيتي» يسمى بالافتراضي – والتي تحيل في المصطلح العام إلى أنه غير حقيقي.
يميل أغلب الباحثين في هذا الموضوع إلى تأطيره ضمن ما يسمى الاتصال السيكولوجي، الذي يفترض وجود جمهور نشط له دوافع نفسية واجتماعية، تؤدي به لاستخدام الانترنت وسيلة تتنافس مع غيرها من الوسائل لإشباع احتياجاته، لكنه أثناء التعبير عن احتياجاته تلك يكرس مأزقاً إنسانياً بات يسم عصرنا الحالي بميسمه البارد.
فرغم «الدفء» الذي يرى الفيسبوك كما هو مشار إليه آنفاً أنه يتحقق في مجتمعه الخاص، إلا أنه في المقابل تنتشر البرودة والانعزالية الاجتماعية لمستخدم مواقع التواصل الاجتماعي عن محيطه الخارجي المباشر، وتتجسد أكثر هواجس مجتمعات الفردانية القصوى التي اهتمت بدراستها وقرع أجراس الخطر حول ظهورها مدرسة فرانكفورت الفكرية، ذلك أن الإنسان الحالي بفعل العوامل السابقة سيفقد اجتماعيته الحقيقية الدافئة حقاً، ولن يجد وقتاً ولا اهتماماً للحديث أو التفاعل حتى مع الموجودين معه في نفس الغرفة، إلا عن طريق الفيسبوك أو التويتر أو الواتس آب أو غيرها.
يمكن القول إجمالاً إنه بقدر ما تريحنا التكنولوجيا الاتصالية المسماة «اجتماعية» من بذل الوقت والجهد للخروج والاجتماع بالأصدقاء والأهل والزملاء في قهوة أو مكان عام، وتبادل الأفكار والمشاعر، فإنها بنفس المقدار تحملنا وزر العيش كذرات منفردة باردة حتى برغم مشاعرها المسفوحة عبر أدوات مواقع التواصل، وهو ما يعيد من جديد طرح إشكالية قديمة متجددة عند كل اكتشاف تقني أو علمي: كيف نحافظ على إنسانيتنا بعيداً عن تغول التكنولوجيا عليها؟ pechike@gmail.com

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله