«على باب الرجاء».. الروح تبحر بشراع الحب

«على باب الرجاء».. الروح تبحر بشراع الحب

كلمات من نور «على باب الرجاء».. الروح تبحر بشراع الحب تاريخ النشر: 18/06/2017 استمع الشارقة: علاء الدين محمود
«على باب الرجاء».. قصيدة نظمها الشاعر طاهر أبو فاشا 1908 1989، الذي تخرج في دار العلوم في القاهرة وعمل سكرتيراً في وزارة الأوقاف. كما عمل رئيسا لقسم التأليف والنشر بإدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة، وقد عرف بنظم الشعر والزجل وله العديد من القصائد التي تدور في رحاب محبة الله، وله ديوان يحمل بين جنباته قصائد الحب الإلهي، ويحتوي على مجموعة من القصائد التي تغنت بها أُم كلثوم في فيلم «رابعة العدوية»، وقد وظف أبو فاشا في النص معرفته الكبيرة باللغة العربية وعلم بديعها وبيانها، لتأتي القصيدة لوحة جمالية تحمل شتى الصور الأنيقة والمعاني الرائعة، والتأدب في مخاطبة رب العزة.
تدور القصيدة في رحاب الأمل والرجاء، والخوف من انقطاعه، ليكون الدعاء الجميل المنظوم وسيلة للتواصل والمحبة، فدائما قدر المحب أن يبحث عن الوسائل التي تجعله على طرف ولو خفي بمحبوبه.
ويقول فاشا في مستهل القصيدة:
غريبٌ على بابِ الرجاءِ طريحُ
يُناديكَ موصولَ الجَوَى ويَنُوحُ.
أتى استهلال القصيدة بديعاً يفيض رقة وعذوبة، ويليق بمقام المخاطب، ويجعلنا أمام مشهد بديع يعكس صورة ذلك المتعبد، الذي يقف يسبقه الشوق والأمل، ومن شدة حبه يلجأ للنواح والبكاء، وهو مقام بديع، يجعلنا ندهشُ أمام تلك المشهدية الرفيعة المقام، مشهدية المحب الذي يذل نفسه في سبيل الرفعة والسمو، فكان هذا الاستهلال البديع للقصيدة.
يَهُونُ عَذابُ الجِسْمِ والروحُ سالم ٌ
فكيفَ ورُوحُ الْمُستهامِ جُروحُ
تستحق القصيدة التوقف عند كل بيت من أبياتها، لما تتضمنه من معان راقية في الأدب والوجد. القصيدة تشبه سفينة تعبر على موج هادئ، لما تحتشد به من عذوبة في الكلمات والمعاني، يجري الشاعر فيها هذه المقابلة الجميلة، عندما يحدثنا عن عذابات الأجساد التي تهون طالما أن الروح سالمة، ولكن هيهات فإن الآلام تتسلل لتصيب الإنسان ب«وجع الروح»، فيقول:
وليس الذي يَشكو الصبابة عاشقاً
وما كل باكٍ في الغرامِ قريحُ
يقولون لي غن وبالقلبِ لوعةً
أغني بها في خلوتي وأنوحُ
ولي في طريق الشوق والليلُ هائمٌ
معالم تخفى تارةً وتلوحُ
يفرد الشاعر في هذه الأبيات أشرعة من الحب، وهو يبحر في عوالم الوجد العظيم، حيث تخفي أبيات القصيدة ما يستبد بالروح.
وتمضي القصيدة تصور أحوال المحبين، الذين لهم أسرار تنفتح على عوالم نورانية يجد فيها المحب ضالته، فالحب مختلف هنا، ولا يشبه أحاديث العاشقين العاديين، تبذل فيه الكلمات والنجوى، وفيه إشارات لا يفهمها إلا من قدم نفسه في محراب العشق الأكبر، فلا ينام إن نام الليلُ، ولا يصحو إلا قليلا، هو ما بين بين يأخذه الحب ويقلبه السهاد، يشكو الهجران وشدة الهوى، ولكن لا يأس في مقام الرجاء، وهذا الرجاء هو الذي يجعله متسلحا بالأمل في القبول.
ولي في مقام الوجَّدِ حالٌ ولوعةٌ
ودمعٌ أداري في الهوى وَيَبوحُ
وأنتَّ وجودي في شهودي وغيبتي
وسِرُّك نور النُّور أو هو روحُ.
ينتقل الشاعر إلى وصف أحواله وتقلبه في نار العشق، ويحدث عن نار الوجد ذلك المقام الرفيع في المحبة وما ينفك يتضرع إلى المحب، وعدم انقطاع الأمل في القبول.
وما دخلت إلاَّ إليك مواجدِي
وداعي الهوى بالوالهينَ يصيحُ
بسرَّ الهوى يَغدو وفيه يَروح
غريبُ على بابِ الرجاءِ طرِيحُ.
وتمضي القصيدة ومثلما كان الاستهلال بديعا، أتت خاتمتها أكثر روعة وهي تحمل معاني التفاني في الهوى، وتعلن الفوز بالخيار الأعظم عندما نادى منادي الحب، معلنة كلماتها أن لا حب إلا حب الله.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله