اغتيال الفضيلة

قُلْتُ:
فاضلٌ يرومُ فضيلة منشــــــودة
ومدعٍّ لفضيلةٍ عزَّ عليـه طِلابــها
ونفسٌ هَتَفَتْ أن لا حق بــلا عــدل
ولا ينقص كفة ميزان إلا أعطابـها

كلمة جامعة لكل خير، تلكم «الفضيلة»، يرومها كل أحد، ويعتقد جازماً أنها تتحقق فيه، وصفاً ومعنى، يلتزمها كالتزام السوار في المعصم، وإذا ما سُلبت منه، وتعرض لظلم، صارت له مطلباً ومقصداً، فلم يزل يناكف ويُغالب من سلبها حتى تتحقق له.
ولا مراء أن الفضيلة ينعم صاحبها براحة الضمير، وعدالة النفس التي تلهج بالخير، وتدعو له دعوة مُجِدٍّ نذر نفسه، وأطاع ربه، وسأله التوفيق والسداد في كل أمره، بل يتمناها لمن اتصل به قرابة ونسباً، وصداقة وألفة ومحبة.
وللفضيلة ثمنها الذي يماثلها قيمةً وثراءً، فقد تتأذى بالقرابات إن وضعوا مع غيرهم في ميزان العدالة، فعلى من يتخلق بالفضيلة أن يضع جانباً كل أمر يحول دون تحقيق العدالة، مهما قَرُبَ الشخص منه أو بُعد، فميزان العدل لا يعرف غير الصحة ورجحان الكفة، وسلامة المسلك.
تُغْتَال الفضيلة إذا ما رجحت كفة المصالح الآنية، وتحكَّمت قواها في صرف العدالة إلى ضدها لصارف دفعت إليه. فلا يكون وقتئذ خيار الفضيلة سوى الإنصاف غير مشروط بشرط، ولا مؤطر بإطار يجعل المحتوى فارغاً خاوياً من كل معنى، لذا يتوافق وأصول الفضيلة وتوابعها ولواحقها.
وتُغْتَال الفضيلة، عندما تتحكم العصبيات في شؤون الناس، بدءاً من القبلية بنزعتها الإقصائية، التي لا يرى أبناؤها إلا ما يَصُبُ في مصلحة قبائلهم دون غيرها، ولو تكلف الأمر ظلم الآخرين وتجاوز استحقاقاتهم، وكذا الطائفية البغيضة، فلا يرى من ينتمي إليها غير طائفته في ظلال الفضيلة، لذا يستبيح ظلمهم وقهرهم غير آبه بتعاليم الدين السمحة، التي تحتوي الجميع برباط وثيق يتمثل في حرمة الظلم وعدالة الفضيلة. وكذلك الحزبية بين أفرادها، الذين يخطون لأنفسهم منهاجاً، يزعمون أنه رباطهم المستقيم، وعروتهم الوثقى، فيخطئون كل من يخالفهم ويُجَهِلون رؤاه وأفكاره.
وتُغْتَال الفضيلة عند مجاملة الناس بعضهم لبعض في أمور تتطلبها العدالة، ‏فتكون المجاملة كريهة إذا ما ظهرت واضحة في وجه المجامل، وعكست خلاف ما يبطن، ثم أظهر عمله نواياه وخفاياه. عندها يكون السقوط مدوياً لا أطواق نجاة تنتشله، وتهتف الفضيلة عندئذ أن لا حق من دون عدل.

د . سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله