داغستان.. نبضُ ذكريات حمزاتوف وأغنية ما انفك ينشدها

داغستان.. نبضُ ذكريات حمزاتوف وأغنية ما انفك ينشدها

داغستان.. نبضُ ذكريات حمزاتوف وأغنية ما انفك ينشدها تاريخ النشر: 18/07/2017 استمع الشارقة:عثمان حسن

كان المكان عند رسول حمزاتوف (1923 – 2003) الشاعر الداغستاني الشهير، يتميز بنكهة خاصة، قلما وجدت عند الشعراء الآخرين من جيله، فالمكان عنده وطن، وجغرافيا أثيرة تنبض بمائها وهوائها وجبالها وذكريات طفولته فيها، وهو أيضا مكان الألق والسحر، وهو موطن البراءة والجمال، هو الحقول التي تصغي لتراقص الأنهار، فتسمع الأوراق تصفق على الأشجار، وهو تعبير عن الأصالة والنقاء في صورة الكثير من التفاصيل.
ولد حمزاتوف في قرية «تسادا»، في مقاطعة خونزاخ في جمهورية داغستان، وهو ابن الشاعر الداغستاني المشهور حمزة تساداسا نسبة إلى تسادا قريته، التي كان لها نصيب كبير من أشعاره، كما خلدها في قصصه، لا سيما روايته الشهيرة «داغستان بلدي».
لقد ترجم حمزاتوف هذا الحب إلى قريته، بقضائه جل حياته فيها، وهو الذي كان حين يسافر إلى دول أوروبية كثيرة، يهجس بها فيتذكرها قصائد دافئة تدفق بالشجن والنور والحكمة.
لقد وردت كلمة «تسادا» في شعر حمزاتوف صريحة باسمها المعلن في كثير من قصائده، كما وردت في كثير من الملامح والقصص والصور والذكريات، ووردت كقطعة نادرة من داغستان كلها، وهي في كل تلك الصور لم تتبدل قط. ولنقرأ له قصيدة بعنوان «لن تجدي منافسة لك أبدا»:

أحب الليالي كالحة سوداء كالبارود
أحب عشي الصغير «تسادا»
أحب كل النساء اللواتي بينهن
لن تجدي قط منافسة لك
أحب أن تبقى القمم تحت نظري
بين حدود السماء وحدود الأرض
لقد قسمت نساء الأرض إلى قسمين
أنت، ومن بقي منهن.

هذه البساطة الشعرية، بما تحمل من عمق وصدق، هي صورة لوطن كبير، يتجسد في تفاصيل لحظات رائعة، وفي شريط مفعم بأجمل الأشياء المتعطشة للروائع والآمال، لنقرأ له هذه الحوارية الصغيرة بعنوان «كم مرّ عليك أيتها العيون» يقول:
كم مرّ عليك أيتها العيون/ من اللحظات الرائعة/ أخبريني.. ما أجمل الأشياء؟/ أجمل الأشياء، خطوة إلى الأمام، بكل تأكيد/ أيتها الروح/ المتعطشة للروائع والآمال/ ما أروع ما في الحياة؟/ إنه -طفل في سريره-/ أيها القلب كم عرفت في حياتك/ من حب عظيم/ما أعظم ما عرفت؟/ إنه -وطني- النور والبدء.
ويقول في قصيدة أخرى، مؤكدا تلك الروابط القوية مع أرضه، روابط المحبة والحلم:

أما أنا فكان معبودي الدائم
بلدي داغستان
ولم تتبدل قط
صورة واحدة في روحي
تتصاعد فيها الخراف، متضافرة كالغيوم.

أكثر من ذلك، كان المكان عند حمزاتوف كناية عن داغستان كلها، فهو تارة يعبر عن ملمح الوديان، واندفاعة التيار الجامح، وهو أغنية عصية على الزمن، كما هي جبال داغستان الراسخة والشامخة، وهو كذلك حب لا ينطفئ، بل الحب الذي لن يهرم أبداً، وهو تعبير عن حكمة الشيوخ من «أرض داغستانه» الحبيبة، كما هو في هذه الحوارية التي بعنوان «في قريتي يسكن»:

في قريتي يسكن/ إلى جوارنا شيخ/ جلست معه مرة قرب ضفة النهر/ سألته: قل لي كم من السنين/ سيستمر هذا الحب مجتاحاً قلوبنا/ أجاب الشيخ: إنه لا يعلم/ أما أنا وإن شخت / وغطاني الشيب / لن يهرم حبي أبدا/ وإن سألني أحد متى سيبقى/ هذا الشعاع المنعش يشتعل حباً / فإني مثل جاري الشيخ/ سأجيب الجميع: اعذروني لا أدري / اسألوا من يفوقني سناً.
وبمثل ما كانت «تسادا» حاضرة في روايته «داغستان بلدي»، بوصفها مرتعاً يهيم في حقوله، وباعتبارها مشهداً يعبق بندى الصباح البارد الذي يغسل القدمين المتعبتين، وماء عين صافية نقية، كناية عن الينابيع الكثيرة، ومكاناً يراود الذاكرة، ويهيم في خلده خلال سنوات طفولته راعياً للغنم في حقولها، يعتمر فوق رأسه قلنسوة ذات وبر وفي يديه عصاً طويلة، فيما يغطي الغبار رجليه، هي ذات المكان الذي يحضر ببهائه وشموخه في الشعر، ولنقرأ له هذا المقطع الشعري، الذي يصور فيه بلده مطرزة بالنجوم البعيدة في قبة الكون، يقول:

نجوم كثيرة.. وقمر واحد
نساء كثيرات.. وأم واحدة
بلاد كثيرة.. ووطن واحد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله