أيام لا تُنسى

ربما ذهب البعض في خياله إلى أبعد نقطة بتحليلاته حول ما حدث يوم الثاني من أغسطس 1990، لكنني أروي مشاهداتي.. في تلك الأيام العصيبة بعيدًا عن التحليل، وإن كنت أميل للقول إن لعبة الأيام، وعلى غرار «لعبة الأمم»، كانت هي المفاجأة بالنسبة لي.. وظهرت بعد التحرير، وهذا له حديث آخر وصفحة أخرى، حيث بدت لنا الأمور بصورة لم نكن ندركها عند وقوع الزلزال، أي أن المخطط كبير.
وأنا أعود إلى تلك الساعات، حيث لم يكن يدور في خلد أي منا أنه سيدخل علينا ذات يوم بجحافله وجيوشه ووحشيته جارٌ لنا وقفنا معه.. وشددنا من أزره إلى أن وقعت الكارثة التي كانت في حينها أكبر من الوصف والتوقع والتنبؤ، صحونا مبكرًا وكنا نحسب اللحظات ليلة ما قبل الْيَوْمَ المشؤوم.. ليبدأ السؤال: ما العمل؟!
لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير، بل وجدنا أنفسنا وبلا مقدمات أننا في مقدمة الصفوف، فالوطن يدعو أبناءه، فقد حانت ساعة النفير، وعلينا أن نتوحد ونعمل ونواجه ونكون في مستوى الحدث العظيم، وهذا أمر ليس لك فيه خيار، إما أن تصمد وتواجه، وأما أن ترحل.. وعندها لن تكون لديك فرصة للحياة بكرامة أو عزة.
ومع ساعات الفجر الأولى، وعندما دقت ساعة الوطن.. في منتصف الليل كانت إدارة الطوارئ الطبية قد أرسلت إشارة إلى المستشفيات بإعلان حالة الطوارئ، وفي الساعات الأولى من الصباح ذهبت نحو مجمع السالمية.. والتقيت هناك مصابًا كان ضمن كتيبة الحرس الأميري، أصيب برصاص قناص كان متمركزًا على سطح فندق هيلتون (السفير حاليًا)، وأعطيت التعليمات بنقله إلى مستشفى مبارك فوراً، وصلت إلى مستشفى مبارك في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، لتقع عيناي على مشهد في غاية الروعة والحماس، فقد كان العاملون والهيئة الطبية والهيئة التمريضية والإدارية، برغم الصدمة، شعلة من النشاط أشبه بخلية نحل.
وتلقى مستشفى مبارك أول حالة لمصاب من الحرس الوطني، الذي نُقل من شارع السور، وتحديدًا من دروازة الشامية، وهو يتبع مجموعة حماية مبنى وزارة الإعلام وهذا الجندي الشهيد كان دمه من النوع النادر بشهادة د. يوسف النصف مدير المستشفى آنذاك ونائب رئيس اللجنة الصحية السرية.. وتُوفي في الخامسة والنصف صباحاً، وإصابته كانت في الثانية والنصف صباحاً.. لقد أعطى الجندي البطل حياته من أجل الوطن، وكانت مقاومته للمحتل هي العنوان الأكبر للذين تَرَكُوا بصمتهم وآخرين ممن سطروا بإرادتهم وبالأسلحة التي يمتلكونها واقعًا مريرًا لم يخضعوا له، بل أعلنوا رفضهم بالكامل له وبكل الوسائل المتاحة.
تدور عجلة الأحداث وتطل علينا الأعمال البطولية التي نشهد بعظمتها وعلوها رغم مرارة النكبة والحدث، فها هي سيارات الإسعاف والسيارات العسكرية والمدنية تقوم بنقل الجرحى من معسكر الجيوان في فترة الضحى (حوالي 10:30 صباحاً).. لينتهي ذلك الْيَوْمُ بوصول مجموعات من حرس قصر الشيخ سعد العبدالله -طيب الله ثراه- ليسجل ذلك الْيَوْم بكل فخر انطلاقة المقاومة الوطنية الكويتية وتعمل على مقارعة المحتل أملاً بالخلاص منه.
ومع سيطرة المحتل على المستشفى العسكري كان يجري نقل المصاب بمجرد إسعافه، إذا كانت حالته الصحية تسمح بذلك، فقد كان وجود أي مصاب من الطرف المحتل خصوصاً القوات المسلحة، يخلق جواً من الرعب والخوف من طرفهم.

د. إبراهيم بهبهاني
ebraheem26.com
babhani26@

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله