«بورسعيد».. مدن المقاومة لا تموت

«بورسعيد».. مدن المقاومة لا تموت

«بورسعيد».. مدن المقاومة لا تموت تاريخ النشر: 08/08/2017 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: عثمان حسن

حضرت المدن في قصائد الشعراء على نحو خلد هذه المدن، ووثق لتاريخها وامتدادها الحضاري، غير أن الأحداث المعاصرة، وما مرت به بعض هذه الحواضر العربية من أحداث جسام، كالحروب، كان لها دورها في تحفيز قريحة الشعر عند عدد من المبدعين، المدينة هنا، هي بورسعيد المصرية والشاعر هو بدر شاكر السياب، أما الزمان، فهو إبان العدوان الثلاثي على مصر 1956، حيث الغارات الوحشية ««الإسرائيلية»» وما رافقها من خطة إنزال جوي وبرمائي إنجلوفرنسي، فلحقها من الدمار والتخريب الشيء الكثير، فاستبسلت المدينة وقدمت الشهداء، فكانت قصيدة «بورسعيد» واحدة من القصائد المجلجلة التي نسجتها عبقرية شعرية تميزت بجمال اللغة.
كانت القصيدة بحق قصيدة مفعمة بالمضامين التي تنتصر للدم العربي، وتدافع عن الحقوق وتخلد شجاعة الشهداء المصريين، وتصور نزوعهم للمقاومة في صور شتى من صور الاستبسال والفداء والمقاومة.
يا حاصد النار من أشلاء قتلانا
منك الضحايا، وإن كانوا ضحايانا
كم من ردًى في حياةٍ، وانخدالِ ردًى
في ميتةٍ، وانتصار جاء خذلانا
إنّ العيون التي طفَّأْتَ أنجُمَها
عجَّلْن بالشمس أن تختار دنيانا
وامتدَّ، كالنور، في أعماق تُربتنا
عرسٌ لنا من دمٍ، واخضلَّ موتانا
فازَّلزلي يا بقايا كاد أوّلُنا
يُبقي عليها، من الأصنامِ، لولانا
نحن الذين اقتلْعنا من أسافلها
لاة وعُزّى، وأعليناهُ إنسانا
حُيِّيت بورت سعيدٍ، من مسيل دمٍ
لولا افتداءٌ لما يُغْليه، ما هانا.
تبرز القصيدة إلى جانب تصويرها للأحداث التي مرت بها هذه المدينة، قدرة استثنائية تجلت فيها عبقرية الشعر عند صاحب «غريب على الخليج» ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فاعلية اللغة ومتانة النص الأدبي بكل مكوناته اللغوية والصوتية والدلالية، وقد حرص السياب على تمتين نصه الشعري ذاك في هذه القصيدة باستدعاء ما قابلها من حوادث في التاريخ العربي، كما مال كعادته إلى استخدام الأسطورة التي برع فيها في كل أشعاره، وهو الشاعر المتمكن الذي زين قصيدته بكل ما أوتي من ملكات وجماليات، وهو الذي يبرز في قسم القصيدة الأول الذي استدعى فيه قدرة القصيدة الكلاسيكية على التصوير، فسكب السياب روحه في هذه القصيدة، حيث كتبها مستخدماً في بدايتها بنية القصيدة الكلاسيكية وما تزخر به من قوة بلاغية وتراثية، وأيضا التفعيلة بما عرف عنه من إبداع، وتمكن، وريادة في هذا النوع، الذي كان أحد رواده في خمسينيات القرن الماضي.
ولنتأمل أيضا هذه الأبيات:
يا مرفأ النور ما أرجعتِ وادعةً
من غير زادِ، ولا آويْتِ قُرصانا
ولا تلفَّظْتِ من مَرساك مُعتديًا
إلا مُدمًّى ذليل الهامِ خَزْيانا
جمَّعْتِ من شطِّ صورٍ لَمْحَ أحرفها
واخترْت من بابلٍ، واحتزْتِ مرْوانا
والنيل ساق العذارى من عرائسهِ
للخِصْب في موكب الفادين، قُربانا
فالويل، لو كان للعادين ما قدرُوا
لانهدَّ من حاضرٍ ماضٍ فأَخْزانا
فلا ابتنى هرمًا بانٍ، ولا لبِست
تيجانها، في انتظار الروح، موتانا
وصف الراحل فاروق شوشة هذه القصيدة بالباذخة، وهو وصف يليق بها، حيث تعرف شوشة على السياب في الكويت وربطتهما علاقة صداقة وهم ثقافي مشترك، وكان ذلك في العام 1964 وهو العام الذي شهد وفاة السياب رحمه الله.
ومما قاله شوشة في القصيدة «لغة شديدة الأسْر والإحكام، وتدفق شعري وإيقاعي عارم، وقافية تنصبُّ انصبابًا في ختام الأبيات، واحتشاد روحي يجيش في ثناياها ويفجّر كيمياءها».
هذه الشعرية المتدفقة، تظل عند السياب، خالدة في كل ما كتب من أشعار، وإذا قرأنا قصائده المتوجة بالجمال والخالدة، ك «حفار القبور» و «المومس العمياء»، و «أنشودة» المطر، وغيرها، نجدها متجسدة في قصيدة «بورسعيد» وكأنها مثال صارخ للجمال، حيث الشموخ عنوان، وسر، وعبقرية، ورصانة في اللغة والتراكيب والصور والدلالات، وكل ذلك إنما يأتي بعد دفق شعري هائل يوازي صدق التجربة وصدق الانفعال، فالسياب في كل ما كتب، إنما كان يصدر عن شاعر شفيف، مسكون بالقلق وبالتجربة حتى النخاع، وقصائده هي مرآة حقيقية لداخله، هذا الذي يعكس شفافيته، ويترك أثراً لا يزول بزوال السنين.
يقول السياب بلغة آسرة في مقطع آخر من القصيدة التي يتجول فيها بين أكثر من شكل للشعر:يا مرفأ النار/ ألهبت أغواري/ بالثار/ مزّقت عنها سود أستار/ فانهلت الشمس على داري/ كم من دفين كل ماء القنال/ في مده العاتي وفي جزره/ يلقى على صدره/ عبئا من الظلماء كان القتال/ من أجل أن يرتاح في قبره/ ما كان إلاّ من دموع الرجال/ والنسوة الباكين في قعره/ هذا الذي بين العبابين سال/ كالليل هذا الماء فوق القبور/ كالنار كالإعصار كالداء/ تختضّ في ليل الخليج الصدور/ والشمس تحسو كل ماء الصدور/ في عالم لم تمش فيه العصور.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله