عدم المجازفة في تغيير حياتك المهنية هو المجازفة الأخطر

لطالما كان مارك من الأشخاص القادرين على النجاة بأنفسهم. فحتى طرده من عمله عام 2012، وتحديداً قبل ستة أشهر من عيد ميلاده الخمسين، كان كل ما فعله صحيحاً – فقد ارتقى سلّم المناصب الوظيفية ضمن قطاع نشر الكتب، بدءاً من منصب مساعد محرّر، مروراً بمنصب المحرّر ثم المحرّر الأول، حتى بات أمين التحرير في الإدارة العليا. ولكن بما أن الكتب الإلكترونية وموقع أمازون كانت قد أحدثت حالة من عدم الاستقرار في هذا القطاع، وبسبب موجة الاندماجات بين الشركات التي تسبّبت بتراجع عدد الوظائف المتاحة، فإن مارك يعترف اليوم أنه لم ينتبه بما يكفي إلى كل المؤشرات السلبية على ما كان سيحصل والتي كانت تمرّ أمام عينيه. وهو يقرّ أيضاً بأنه ظل خلال آخر 18 شهراً قبل طرده من عمله يعيش حالة إنكار في وقت كان فريقه يتعرّض خلاله لعملية إعادة هيكلة. يقول مارك: “على الرغم من كل ذلك، بقيت متشبثاً بوظيفتي، عوضاً عن التفكير في طريقة لمغادرة الشركة. ففي ذلك الوقت، لم أكن قادراً على تخيّل حياتي خارج حدود شركات النشر الكبيرة، أو تخيّل أنني خارج مركز صنع الأحداث الذي شغلته في هذا النوع مع العمل، والذي كنت نجماً فيه منذ أن كان عمري 21 عاماً.”

قصة مارك هذه يجب أن تكون بمثابة عبرة وناقوس خطر لنا جميعاً. فبحسب تجربتي، طريقة تفكير مارك نادراً ما تنجح، وهي التي كانت مستندة إلى رغباته الشخصية وليس إلى الواقع الفعلي، ولاسيما اعتقاده أن الأمور ستسير على ما يُرام من تلقاء نفسها. فعدم التصرّف هو أمر قد تترتّب عليه تكاليف باهظة جداً حاله حال التكاليف المترتّبة على عدم المجازفة. فالناس بطبيعتهم أقل ميلاً إلى حساب التبعات التي ستترتّب على عدم الإقدام على أي تصرّف، وأقل ميلاً إلى الاهتمام بما سيحصل إن هم أحجموا عن اتخاذ أي تصرّف. وفي أسواق اليوم، حيث نجد الوظائف والفئات الوظيفية تتكوّن وتختفي بوتيرة متسارعة، وجهة نظري الشخصية هي أن أخطر تحرّك يمكن أن يقدم عليه المرء هو الافتراض أن القطاع الذي يعمل فيه آمن وأن وظيفته آمنة. وكل ما عليكم فعله هو أن تطرحوا هذا السؤال على الموظفين السابقين في كل من كانتري وايد (Countrywide)، أو بريتيش بيتروليوم (British Petroleum)، أو نيوزويك (Newsweek )، إذا كانت تساوركم أي شكوك تجاه ما أقوله. تقول الرئيسة السابقة لقسم المواهب في نيتفليكس (Netflix)، باتي ماك كورد أن الشركات يجب أن تتوقف عن الكذب على الناس بخصوص أمنهم الوظيفي لأن هذا الأمر غير موجود أصلاً.

تشير الأبحاث التي أجريتها في الأعوام 2012 و2013 و2014 مع الوكالة الإعلانية العالمية جي والتر تومسون (J. Walter Thompson) في معرض الإعداد لكتابي القادم “المخاطر/ المكافآت”، إلى أن القلق حول المستقبل الوظيفي يشكّل عامل ضغط كبيراً هذه الأيام. فأكثر من نصف الأشخاص الذين شاركوا في استطلاعنا – وهم من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ويشغلون وظائف تتدرّج من عمّال التنظيف في الشركة إلى الرؤساء التنفيذيين، وبأعمار مختلفة كباراً وصغاراً – كانوا يفكّرون في تغيير المهن التي يعملون فيها، وليس فقط الوظائف التي يشغلونها. لاحظوا معي الرقم. نصف الأمريكيين يتوقون إلى فعل شيء يختلف اختلافاً هائلاً عمّا يقومون به في حياتهم المهنية.

ولكن من الصعب على المرء أن يتخلّى عن مهنة تعب على تكوينها لمدّة عقود بحثاً عن شيء جديد. فثمّة فجوة هائلة بين أن يحلم الإنسان بالعمل في مهنة جديدة مختلفة، ولاسيما إذا كان قد قضى سنوات طويلة في بناء مهاراته والارتقاء على السلّم الوظيفي، وبين أن يبادر فعلياً إلى ترجمة هذا الحلم إلى واقع. فمن المرعب لأي شخص أن يفكّر في التخلّي عن شهاداته في مجال الحقوق والتي تعب كثيراً للحصول عليها، وعن السنوات التي استثمرها كشريك في مكتب للمحاماة لكي ينتقل إلى كتابة التقارير التلفزيونية كما فعل أحد أقربائي. فمعظم الناس يحلمون، لكنهم يخفقون في الإقدام على أي تصرّف واتخاذ أي إجراء في هذا الصدد.

فما الذي يمنعنا من ذلك؟ هناك جميع أنواع العوائق المالية والسلوكية المعقدة التي تحول دون المجازفة – مثل تحاشي الخسارة والمخاطر، وسوء التخطيط – لكن القضية بصورة أساسية تعود في جوهرها إلى أننا كبشر مفطورون على مقاومة التخلي عن المعلوم للذهاب نحو المجهول. فلا أحد منّا يجيد التعامل مع الغموض ومع المجهول – ولاسيما عندما تكون الخسائر والمكاسب هي الأساس الذي تقوم عليه معيشتنا أو السعادة المتوقعة لعائلاتنا على المدى البعيد. فمن الناحية النفسية، وتحديداً خلال الأوقات الاقتصادية العصيبة، يشعر الناس بأنهم مدفوعون إلى التمسّك بوظيفة غير مرضية عوضاً عن المقامرة والمراهنة على شيء ينطوي على احتمالات غير مؤكدة قد تكون أفضل على المدى البعيد. ونحن جميعاً نتمتع بمستويات مختلفة من القدرة الفطرية على تحمّل المخاطر وهي ما يؤثر على طريقة حسابنا وتقويمنا للمكاسب والخسائر المحتملة. وبالتالي كيف يمكننا تحويل هذا الإحجام عن التصرّف واتخاذ الإجراءات، والذي يقود إلى هزيمتنا الذاتية، إلى نوع من التصرّفات والإجراءات المعقولة والمقبولة؟

تكمن البداية في بناء شبكات حيوية من العلاقات مع الآخرين. ففي كتاب “هوية العمل: استراتيجيات غير تقليدية لإعادة ابتكار مسار مهني جديد”، تقول المؤلفة هيرمينيا إبارا، وهي أستاذة السلوك الوظيفي في المؤسسات في معهد إنسياد (INSEAD): “ليس المعارف الحاليون للناس هم من يساعدهم في إعادة ابتكار أنفسهم… فالشبكات التي نعتمد عليها في وظيفة مستقرّة نادراً ما تكون هي الشبكات التي تقودنا إلى شيء جديد ومختلف.” وثمّة سبب يفسّر لماذا نشعر بأن الوظائف التي يطرحها علينا الاختصاصيون في مكاتب التوظيف نادراً ما تلبّي طموحنا عندما نحاول إجراء تحوّل محدود في مسارنا المهني كأن ننتقل إلى وظيفة مشابهة أو إلى وظيفة أعلى في مؤسسة أخرى. فغالبية الناس الذين نعرفهم في مجال عمل معيّن لا يمكنهم أن يتخيّلوا أن نواصل عملنا إلا في المجال ذاته. وبالتالي، عندما نقابل المزيد من الأشخاص العاملين في مجموعة واسعة من المهن الاحترافية، فإن قدرتنا على تخيّل أنفسنا نعمل في مجال مختلف تصبح أكبر وأقوى بكثير.

لقد اكتشف عالم الاجتماع في جامعة ستانفورد مارك غرانوفيتير أن أكثر المعارف الذين يساعدون الناس في البحث عن وظائف جديدة هم ليسوا أصدقاءهم المقرّبين أو معارفهم الجدد، وإنما الأشخاص الذين تجمعهم بهم روابط ضعيفة نسبياً تكوّنت واستمرّت على مدار عدد من السنوات. إضافة إلى ذلك، كلّما كانت المهن التي يعمل فيها هؤلاء المعارف تختلف اختلافاً أكبر عن المهن التي يعملون فيها هم، كلّما ازداد احتمال نجاح هؤلاء الأشخاص في تحقيق قفزة نوعية أكبر في تغييرهم لمهنهم.

لعل أكبر عائق يقف في وجه التغيير في حياتنا العملية هو الإحساس بأن أي تغيير كبير يجب أن يكون إما تغييراً كاملاً تماماً وإلا فلا داعي للتغيير. هناك من يقول: إمّا أن أهجر وظيفتي البائسة أو أتجرّع آلامها وأواصل المعاناة فيها. وهناك من يقول: يتعيّن علي وضع خطة تجارية شاملة قبل أن أجرّب لأرى إذا ما كانت شاحنتي التي أبيع فيها المعجنات الانكليزية المخبوزة والكرواسان ستؤمّن لي دخلاً كافياً لأعيش منه. وأخيراً هناك من يقول: أنا بارع في المناقشات المنطقية، لذلك يجب أن أترك مهنتي في مجال المبيعات لأنتقل وأصبح محامياً. عوضاً عن ذلك، نحن بحاجة إلى تقسيم المشاكل إلى إجراءات صغيرة. فعلى سبيل المثال، الشخص الأكثر ميلاً إلى النقاش المنطقي يقوم باختبار العمل المهني في المجال القانوني من خلال العمل كمساعد قانوني في أحد المكاتب قبل الشروع في الرحلة الباهظة التكلفة والتي تحتاج إلى التزام لمدّة ثلاث سنوات للحصول على شهادة في القانون. أمّا الطبّاخ الهاوي الذي يمتلك وصفة رهيبة فيمكنه الاتصال بمخبز محلي ليرى إن كان هذا المخبز مستعدّاً لبيع منتجه الجديد، بحيث يطّلع على آراء الناس في السوق قبل قضاء الوقت في وضع خطة تجارية لمشروعه الجديد. أمّا الشخص الذي يعمل في الوظيفة البائسة، فيمكنه التطوّع خلال عطلة نهاية الأسبوع في منظمة معيّنة يعتقد أنها يمكن أن تشعره بقدر أكبر من السعادة – ليتعرّف على شكل العمل الحقيقي من الداخل قبل أن يتخلّى عن عمله بالكامل نتيجة حلم قد لا يعدو كونه مجرّد وهم. بعدئذ، يمكن لكل واحد من هؤلاء الأشخاص المفترضين الراغبين في تغيير المهن التي يعملون فيها، وبعد أن يسلّحوا أنفسهم ببيانات ومعلومات من العالم الحقيقي، أن يمتلك صورة أوضح وأن يقرّر ما هي الخطوات التالية الصحيحة. لكن السر يكمن في البدء بتنفيذ الشيء القابل للتنفيذ فوراً وبسهولة.

نحن بحاجة إلى مواصلة البحث عن تحدّيات جديدة، واكتساب المهارات المطلوبة للتصدّي لهذه التحدّيات. علاوة على ذلك، وبحسب سونيا ليوبوميرسكي، وهي عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، فإن فعل الالتزام بالأهداف يعطي أيضاً مغزىً ومعنىً لحياتنا ويجعلها منظمة، وهذا الأمر الذي يقود إلى المزيد من السعادة الشاملة. وهي تقتبس مقولة من الكاتب والفيلسوف والشاعر جي. كي. تشيسترتون في هذا الصدد: “ثمّة شيء واحد يشع على كل شيء. ألا وهو الفكرة بأن هناك شيئاً ينتظرنا عند المنعطف”.

تتّسم الحياة الحقيقية، وبحكم الضرورة، بالارتجال والتفاعل، ونحن نصوغ هذه الحياة تفصيلاً بعد آخر من خلال تجاوبنا مع الظروف القائمة في هذه اللحظة من الزمن، ثم اللحظة التي تليها، ثم اللحظة التي تليها. وكما قال المؤلف توم بيترز: “لقد قلت شيئاً أعنيه من كل قلبي وهو أنني لم أتعلّم سوى شيئاً واحداً “أكيداً” خلال 48 عاماً: كل من يحاول أكثر الأمور هو الذي يكسب”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله