الرؤوس الصغيرة تتدحرج

راح الشارع العراقي مؤخرا يتعالى ضحكا من البكاء، إذا صحت التسمية، من جراء المسرحية الجديدة في مضمار الفساد المتفشي في أوساط الأحزاب المشاركة في العملية السياسية، وانفجار موجة الضحك هذه، متأتية من عملية هروب مدير عام سابق لشركة التجهيزات الزراعية، بعدما حكم عليه بالسجن «المشدد» لعامين لا غيرهما، مع أنه ألحق ضررا بوزارة الزراعة، مقداره 31 مليار دينار عراقي، عندما عقد صفقات وهمية مع شركات أجنبية، وكذلك لارتكابه جرائم تتعلق بغسل وتهريب الأموال إلى الخارج، وبالتالي فإن مثل هذا الحكم يُعد مخففا جدا، وليس مشددا كما ورد في حيثيات الحكم!
وعملية هروبه من محل سجنه كانت مثيرة، وتشبه عمليات الهروب التي تحدث في الأفلام السينمائية، حيث زاره في سجنه نائب سابق وقيادي في حزب الصدر (موقوف حاليا على ذمة هذه القضية)، وبتواطؤ من مدير وضباط المركز المذكور، بعدما قام النائب السابق بتهريب المدان بسيارة خاصة ومظللة الزجاج من هذا السجن، بل وإخراجه بنفس السيارة ونقله إلى مدينة البصرة، قبل أن يتم القبض عليه مرة أخرى في منفذ الشلامجة الحدودي، وهو يحاول الهرب إلى إيران!
هذه القضية وبما تحمل من عناصر دراماتيكية في مراحلها القصيرة والآنية، فإنه من الطبيعي أن تقوم الجهة المتورطة في أعمال الفساد، في التضحية بالأسماك الصغيرة، كي تبقى حيتان الفساد الكبيرة بمنأى عن المحاسبة والتشهير بسمعتها في هذا الجانب، والدليل، لم نسمع أن حوتا كبيرا في الفساد اقتص منه القضاء أو تمت محاسبته، وإذا ما عدنا إلى موضوعنا هذا تحديدا، فإن المدان ليس بمقدوره عقد مثل هذه الصفقات الكبيرة مع شركات وهمية، وكذلك القيام بعمليات كبيرة في غسل وتهريب الأموال إلى الخارج، لو لم تكن وراءه حيتان كبيرة، وحتى عملية تسليم النائب السابق جرت من خلال زيارة وفد من حزب الصدر إلى وزير الداخلية قاسم الأعرجي، وهو مشهد يعكس بدلالته محاولة الحفاظ على ماء الوجه من قبل الحزب المذكور، بخلاف إذا ما جرت عملية إلقاء القبض على المدير العام السابق في السياقات والإجراءات المعتادة في التنفيذ والتعامل مع المتهمين.
مع التنويه في هذا الجانب، أن وزير الزراعة العراقي فلاح حسن زيدان، لم يخاطب الحكومة بشأن إقالة أو عزل المدان من وظيفته بعدما ورده تقرير المفتش العام، والمتعلق بارتكابات فاسدة قام بها المدير العام السابق، على اعتبار أن أمر عزل المديرين العامين هو من اختصاص الحكومة.
المهم تدحرجت الرؤوس الصغيرة في منحدر الفساد، بيد أن الحيتان الكبيرة ظلت بمنأى عن ذلك، وهذا هو الأهم!

عبدالزهرة الركابي
ml.him@hotmail.com

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله