تخلف مروري أبدي!

منذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا، وقانون المرور في واحدة من أهم جزيئاته لم يتغير منذ عقود!! وما أقصده هنا هو في حالة حصول حادث لسيارتين أو أكثر.. نجد أن قادة السيارات يلزمون مكانهم في وسط الطريق انتظاراً للخبير المروري الذي سيأتي ويصل بعد «اللتي واللتيا».. إلى مكان الحادث، ليكتب به تقريراً يوقّعه السادة المتصادمون (المتداعمون) أمام عينه وبصره.. خوفاً من الاحتيال على شركات التأمين التي لم تشهد في حياتها خسارة مالية في ميزانيتها السنوية.. ينجم عن ذلك إغلاق الطريق الرئيس والحيوي أمام المئات وتأخيرهم عن الوصول لعملهم أو منازلهم أو المستشفى الذي يقصدونه، أو جلسة المحكمة التي تنظر دعاويهم.. أو حاجتهم الملحة لقضاء حاجة أو لتناول دواء… إلخ.
ويرجع سبب ذلك الإجراء المتخلف إلى عدم ثقة القانون والحكومات وشركات التأمين بالمواطن أو المقيم، فهذه الجهات جميعاً تفترض أن قادة السيارات المؤمنة سيتفقون عليها لسلب مال شركات التأمين بالكذب، في كيفية وقوع الحادث، ومن هو المتسبب والجاني؟!
وهو أمر ممكن حدوثه حتى واختلاقه حتى لو كان غير صحيح، بأن يقفل الاثنان الطريق بحجة أنهما متصادمان والحادثة قديمة، أو لا يودان الكشف عن حقيقتها ليأتي الشرطي ويسردان له كيف تمت، ليدونه بمعرفته ويوقعاه ويذهبا به لشركات التأمين التي سترضخ من دون نقاش لمحتوياته.. والسلام ختام!!
***
يا أشقاءنا في التخلف لماذا لا تأخذون تجارب الدول المتقدمة في مثل هذه المواضيع؟!! وأقصد بتجارب الدول المتقدمة، وجوهرها الثقة بمواطنيها ومقيميها.. وبهذا الصدد سأسرد قصة حقيقية حدثت لي منذ سنوات..
كنت راكباً سيارة مع أصدقاء لي آتياً من إقليم بروفانس الفرنسي، متوجهاً إلى منتجع أو مدينة كان في الريفييرا الفرنسية، وكان الوقت أو الزمن في الخريف لأني لا أرتاد مثل هذه المناطق بالصيف – الله يهني ويسعد من يرتادها – وكنا ننتظر على إشارة مرور قريبة من أحد مداخل المدينة الساحرة، وإذ بشاحنة طويلة Long Vehicle تتجاوز سيارتنا بتهور وتصدم جانبها صدمة قوية وكبيرة، محطمة الباب الخلفي.. أوقفنا الشاحنة وأنا ليس في مكان الصدمة، ولكن في شارع جانبي، واجتمع عدد من المارة وقالوا لي إنهم شهدوا على خطأ صاحب الشاحنة.. فأخذت أسماءهم التي كتبوها لي مع هواتفهم على ورقة بيضاء.. صاحب الشاحنة المعتدي دعاني إلى الركوب معه في صدر شاحنته، وقال معترفاً إنه المخطئ.. وإننا سنكتب معاً ونوقع على ما يسمى هناك Constat aimble auto أي «إقرار سيارات ودي».. وأخرج من صندوق القفازات نموذجاً معداً.. كتب فيه شرحاً للحادث، ووقعنا جميعاً مع بياناتنا الشخصية، وذهب كلٌ منا إلى حال سبيله… ذهبت بعدها إلى مطار نيس مقر شركة السيارات التي أجرت منها سيارتي.. وشاهدوا الصدمة المروعة التي أحدثت دماراً لا بأس به في سيارتهم، ولدهشتي أنهم لم يواجهوها بالدهشة أو الاستياء، بل طلبوا مني بعد أن سلمتهم الإقرار، اختيار سيارة بديلة بكل بساطة!! وانتهت القصة على ذلك وهي قصة نهديها لعاشقي البهدلة وتأخير المواطنين في إدارة المرور!
ولاحول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم..
هامش:
الإقرار المذكور لا يستخدم في حال وجود جرحى أو قتلى بالحادث، بل ينتظر حضور الشرطة.

علي أحمد البغلي
Ali-albaghli@hotmail.com

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله