بحث/الحملات الصليبيةعلى الأندلس حتى نهاية دولة المرابطين

الموضوع في 'الدراسات والابحاث الادبية' بواسطة حسين العلياوي, بتاريخ ‏26 سبتمبر 2008.

  1. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    قائمة المصادر والمراجع
    المصـادر الأوليـة
    1- القرآن الكريم
    2- إنجيل لوقا، بيروت، 1969م
    - ابن الأبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (ت 658هـ/1259م).
    3- التكملة لكتاب الصلة، عني بنشره وصححه ووقف على طبعه السيد عزت العطار، القاهرة، 1956م.
    4-الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، ط1، القاهرة، 1963م.
    5- المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي، القاهرة، 1967م.
    - ابن أبي زرع، أبو الحسن علي بن عبد الله (كان حياً قبل سنة 726هـ/1325م).
    6- الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972م.
    - ابن الأثير، علي بن أبي الكرم بن عبد الكريم الجزري (ت 630هـ/1232م)
    7- الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1966م.
    - ابن أبي صاحب الصلاة، عبد الملك (ت نهاية القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي)
    8- تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين، تحقيق عبد الهادي التازي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1979م.
    - الأنطاكي، يحيى بن سعيد (ت 458هـ/1065م).
    9- تاريخ الأنطاكي، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، لبنان، 1990م.
    - الأربلي، عبد الرحمن سنبط قنيتو (ت 717هـ/1317م).
    10- خلاصة الذهب المسبوك مختصر من الملوك، تحقيق مكي السيد جاسم، مكتبة المثنى، بغداد، د. ت.
    - ابن بسام، أبي الحسن علي بن بسام الشنتريني (ت 542هـ/1147م)
    11- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، ط2، دار الثقافة، بيروت، 1979م.
    - ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك الأنصاري (ت 578هـ/1182م).
    12- الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم، عني بنشره وصححه وراجع أصله السيد عزت العطار الحسيني، القاهرة، 1955م.
    - ابن بلقين، عبد الله (آخر ملوك بني زيري بغرناطة ت 488هـ/1095م)
    13- مذكرات الأمير عبد الله المسمى بكتاب التبيان، تحقيق إ- ليفي بروفنسال، القاهرة، 1955م.
    - ابن الجوزي، أبي الفرج عبد الحمن بن علي بن محمد بن علي (ت 597هـ/1200م).
    14- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، الدار الوطنية، بغداد، 1990م.
    - ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد سعيد (ت 456هـ/1063م).
    15- جمهرة أنساب العرب، تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون، ط3، دار المعارف، مصر، 1071م.
    - ابن حمديس، أبو محمد عبد الجبار (ت 527هـ/1132م).
    16- ديوان ابن حمديس، صححه وقدم له إحسان عباس، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1960م.
    - ابن حيان، أبو مروان حيان بن خلف (ت 469هـ/1076م).
    17- المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمن علي الحجي، دار الثقافة، بيروت، 1965م.
    - ابن خاقان، أبو نصر الفتح بن محمد (ت 529هـ/1134م أو 535هـ/1140م).
    18- قلائد العقيان في محاسن الأعيان، طبعة بولاق، 1866م.
    - ابن الخطيب، لسان الدين أبو عبد الله محمد التلمساني (ت 776هـ/1374م).
    19- الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان، ط2، الشركة المصرية للطباعة والنشر، القاهرة، م1، 1973م، م2، 1974م.
    20- اعمال الإعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام المسمى بتاريخ أسبانيا الإسلامية، القسم الثاني، تحقيق وتعليق إ- ليفي بروفنسال، دار المكشوف، بيروت، 1956م.
    القسم الثالث، تحقيق أحمد مختار العبادي ومحمد إبراهيم الكتاني، نشر بعنوان (تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط) ، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1964م.
    - ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت 808هـ/1405م).
    21- العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت، 1971م.
    - ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد (ت 681هـ/1282م).
    22- وفيات الأعيان وانباء ابناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1969م.
    - ابن خير، أبو بكر محمد بن عمر بن خليفة الأموي الأشبيلي (ت 575هـ/ 1179م).
    23- فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف، ط2، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1979م.
    - ابن السباط، حمزة بن أحمد بن عمر (ت 926هـ/1519م).
    24- صدق الأخبار تاريخ ابن السباط، عني به وحققه عمر عبد السلام تدمري، ط1، طرابلس، لبنان، 1993م.
    - ابن سعيد، علي بن موسى (ت 673هـ/1274م أو 685هـ/1286م).
    25- المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1953م.
    - ابن عبد الحكم، أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله (ت 257هـ/870م)
    26- فتوح مصر وأخبارها، ليدن، 1930م.
    - ابن العبري، أبو الفرج بن هرون (ت 685هـ/1286م).
    27 – مختصر تاريخ الدول، المطبعة الكاتوليكية، بيروت، 1958م.
    - ابن عذاري المراكشي، أبو العباس أحمد بن محمد (ت 712هـ/1312م).
    28- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة جـ. س كولان وإ-ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، 1951م، جـ2.
    جـ3، تحقيق إ-ليفي بروفنسال، بيروت، د. ت.
    جـ4، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1967م.
    - أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن محمد بن عمر (ت 732هـ/1331م).
    29- تقويم البلدان، دار الطباعة السلطانية، باريس، 1840م.
    30- المختصر في أخبار البشر، ط1، المطبعة الحسينية، مصر، 1907م.
    - ابن الفرات، ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم (ت 807هـ/1404م).
    31- تاريخ ابن الفرات، تحقيق حسن محمد الشماع، دار الطباعة الحديثة، البصرة، 1969م.
    - ابن فرحون، برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد (ت 799هـ/1396م).
    32- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ط1، مصر، 1932م.
    - ابن القطان، أبو الحسن علي محمد الكتاني الفاسي (ت 638هـ/1240م).
    33- نظم الجمان في أخبار الزمان، تحقيق محمود علي مكي، المطبعة المهدية، تطوان (المغرب)، 1965م.
    - ابن القوطية، أبو بكر محمد بن عمر (ت 367هـ/977م)
    34- تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، بيروت، 1957م.
    - ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت 774هـ/1372م).
    35- البداية والنهاية، ط1، مطبعة السعادة، القاهرة، 1932م.
    - ابن الكردبوس، أبو مروان عبد الملك التوزري (من علماء القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي).
    36- تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ووصفه لابن الشباط نصان جديدان، تحقيق أحمد مختار العبادي، مطبعة الدراسات الإسلامية، مدريد، 1971م.
    - ابن الوردي، زين الدين عمر (ت 750هـ/1349م).
    37- تاريخ ابن الوردي، المطبعة الحيدرية، النجف، 1969م.
    - أبو المحاسن، جمال الدين بن تغري بردي الاتابكي (ت 874هـ/1469م).
    38- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية للطباعة والنشر، د. ت.
    - البكري، أبو عبد الله بن عبد العزيز (ت 487هـ/1094م).
    39- جغرافية الأندلس وأوربا من كاتب المسالك والممالك، تحقيق عبد الرحمن علي الحجي، ط1، دار الإرشاد للطباعة والنشر، بيروت، 1968م.
    - البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279هـ/892م).
    40- فتوح البلدان، نشره ووضع ملاحقه وفهارسه د. صلاح الدين المنجد، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة، 1956م.
    - الحسيني، أبو الحسن علي بن أبي الفوارس (ت 622هـ/1225م).
    41- أخبار الدولة السلجوقية، تحقيق محمد إقبال، منشورات كلية فنجان، لاهور، 1933م.
    - الحميري، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم (ت: حوالي 710هـ/1310م).
    42- صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، نشرها وصححها وعلق حواشيها إ-ليفي بروفنسال، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1937م.
    - الذهبي، شمس الدين محمد بن عثمان (ت 748هـ/1347م).
    43- دول الإسلام، اعتنى بتصحيحه محمد طه البدوي وآخرون، ط2، الهند، جـ1، 1944م، جـ2، 1945م.
    - الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (ت 666هـ/1267م).
    44- مختار الصحاح، مطبعة بابل، بغداد، 1983م.
    - سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف قرأ وغلي بن عبد الله البغدادي
    (ت 654هـ/1256م).
    45- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان (للحقبة من 345-347هـ/956-1055م)، تحقيق جنان جليل محمد الهموندي، الدار الوطنية، بغداد، 1990م.
    - السبكي، تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت 771هـ/1369م).
    46- طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، ط1، مطبعة البابي الحلبي وشركاه، مص، 1965م.
    - السلاوي، أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (ت 1315هـ/1897م).
    47- الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري، مطبعة دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954م.
    - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911هـ/1505م).
    48- طبقات الحفاظ، تحقيق علي محمد عمر، ط1، مطبعة الاستقلال الكبرى. القاهرة، 1973م.
    - الصفدي، صلاح الدين ابن أيبك (ت 764هـ/1362م).
    49- الوافي بالوفيات، اعتناء س. ديدرنغ، دار النشر، فرانز شتايز بفيسبادن، 1974م.
    - الضبي، أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة (ت 599هـ/1202م).
    50- بغية الملتمس في تاريخ أهل الأندلس، مجريط، 1884م.
    - الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ/922م).
    51- تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1964م.
    - العماد الأصفهاني، محمد بن محمد بن حامد الكاتب (ت 597هـ/1200م).
    52- تاريخ دولة آل سلجوق، اختصار قوام الدين الفتح بن علي البغدادي (ت 643هـ/1245م)، مطبعة الموسوعات، مصر، 1900م.
    53- خريدة القصر وجريدة العصر، تحقيق أذرتاش أذرنوش، الدار التونسية للنشر، 1971م.
    -الفارقي، أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق (ت 590هـ/1193م).
    54- تاريخ الفارقي أو تاريخ الدولة المروانية، تحقيق د. بدوي عبد اللطيف عوض، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1959م.
    - الفيروز أبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817هـ/1414م).
    55- القاموس المحيط، ط2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1952م.
    - القزويني، زكريا بن محمد بن محمود (ت 682هـ/1283م).
    56- آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت، 1969م.
    - القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي (ت 821هـ/1418م).
    57- صبح الأعشى في صناعة الإنشا، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1963م.
    58- قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، حققه وقدم له ووضع فهارسه إبراهيم الأيباري، ط1، مطبعة السعادة، القاهرة، 1963م.
    - مؤلف مجهول.
    59- أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها رحمهم الله والحروب الواقعة بها بينهم، مجريط، 1867م.
    - مؤلف مجهول.
    60- اعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس، ترجمه وعلق عليه د. حسن حبشي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1958م.
    - مؤلف مجهول (من أهل القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي)
    61- الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيق سهيل زكار وعبد القادر زمامة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1978م.
    - المراكشي، محي الدين عبد الواحد بن علي (ت 647هـ/1249م).
    62- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة، 1963م.
    - مسكويه، أبو علي أحمد بن عمر (ت 421هـ/1030م).
    63- تجارب الأمم، تحقيق هـ. ف. امدروز، مصر 1913م.
    - المقري، شهاب الدين أحمد بن محمد التلمساني (ت 1041هـ/1631م).
    64- أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1942م.
    65- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968م.
    - النباهي، أبو الحسن عبد الله بن الحسن (713هـ/1313م).
    66- تاريخ قضاة الأندلس المسمى بالمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، بيروت، د. ت.
    - ياقوت، شهاب الدين بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت 626هـ/1228م).
    67- معجم البلدان، ط1، بيروت، 1995م.
    المراجع الحديثة
    - أبو دياك، صالح محمد فياض.
    68- الوجيز في تاريخ المغرب والأندلس من الفتح إلى بداية عصر المرابطين وملوك الطوائف (دراسة سياسية وحضارية)، ط1، الأردن، 1988م.
    - أبو رميلة، هشام.
    69- علاقات الموحدين بالممالك النصرانية والدول الإسلامية في الأندلس، ط1، عمان، الأردن، 1984م.
    - الأحمد، سامي سعيد.
    70- تاريخ الرومان، مطبعة التعليم العالي، بغداد، 1988م.
    - أدهم، علي،
    71- المعتمد بن عباد، بيروت، د. ت.
    - ارسلان، شكيب.
    72- تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه، مصر، 1933م.
    73- الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1936م.
    - اشباخ، يوسف.
    74- تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين، ترجمة محمد عبد الله عنان، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1940م.
    - أرشيبالد، ر. لويس.
    75- القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط 500-1100م، ترجمة أحمد محمد عيسى، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960م.
    - باركر، أرنست.
    76- الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، دار النهضة العربية، بيروت، د. ت.
    - بروفنسال، ليفي.
    77- الإسلام في المغرب والأندلس، ترجمة عبد العزيز سالم ومحمد صلاح الدين حلمي، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، د. ت.
    - بروكلمان، كارل.
    78- تاريخ الشعوب الإسلامية، نقلها إلى العربية أمين فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1977م.
    - بك، أحمد رضا.
    79- وثائق عن الحروب الصليبية، ترجمة محمد بورقيبة ومحمد صادق الزمرلي، ط3، دار بوسلامة، تونس، 1977م.
    - بول، لين.
    80- قصة العرب في أسبانيا، ترجمة علي الجارم، دار المعارف، مصر، 1947م.
    - بيضون، إبراهيم.
    81- الدولة العربية في أسبانيا حتى سقوط الخلافة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1978م.
    - التواتي، عبد الكريم.
    82- مأساة انهيار الوجود العربي بالأندلس، ط1، الدار البيضاء، 1967م.
    - توفيق، عمر كمال.
    83- تاريخ الدولة البيزنطية، الكويت، 1977م.
    - الجنزوري، علية عبد السميع.
    84- الثغور البرية الإسلامية على حدود الدولة البيزنطية في العصور الوسطى، القاهرة، 1979م.
    - الحجي، عبد الرحمن علي.
    85- أندلسيات، ط1، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1969م.
    86- التاريخ الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة 92-897هـ/710-1491م، ط1، بغداد، 1976م.
    - حمادة، محمد ماهر.
    87- الوثائق السياسية والإدارية في الأندلس وشمال أفريقيا، ط1، بيروت، 1980م.
    - حومد، أسعد.
    88- محنة العرب في الأندلس، دمشق، 1979م.
    - دحلان، أحمد بن زيني.
    89- الفتوحات الإسلامية بعد مضي الفتوحات النبوية، ط2، دار صادر، بيروت، 1977م.
    - دوزي، رينهارت.
    90- ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام، ترجمة كامل كيلاني، ط1، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، القاهرة، 1933م.
    - ديفر، هـ. و.
    91- أوربا في العصور الوسطى، ترجمة عبد الحميد حمدي محمود، ط1، المعارف، الإسكندرية، 1958م.
    - الزركلي، خير الدين.
    92- الإعلام، ط2، مطبعة كونستاتسوماس وشركاه، 1957م.
    - سالم، عبد العزيز والعبادي، أحمد مختار.
    93- تاريخ البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، 1969م.
    - سالم، عبد العزيز.
    94- تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس، ط1، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1969م.
    95- قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس (دراسة تاريخية عمرانية أثرية في العصر الإسلامي)، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1971م.
    96- المغرب الكبير (العصر الإسلامي) دراسة تاريخية وعمرانية وأثرية، دار النهضة العربية، بيروت، 1981م.
    - سرور، محمد جمال الدين.
    97- مصر في عصر الدولة الفاطمية، القاهرة، 1965م.
    - السامرائي، خليل إبراهيم.
    98- علاقات المرابطين بالممالك الأسبانية بالأندلس وبالدول الإسلامية، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1986م.
    99- الثغر الأعلى الأندلسي دراسة في أحواله السياسية 95-316هـ/713-928م، مطبعة أسعد، بغداد، 1976م.
    - السامرائي، خليل إبراهيم وآخرون.
    100- تاريخ الدولة العربية الإسلامية في العصر العباسي، ط2، دار الكتب والوثائق، جامعة الموصل، 2001م.
    101- تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1986م.
    - الصوفي، خالد.
    102- تاريخ العرب في الأندلس (الفتح وعصر الولاة 92-138هـ/710-755م)، دار النجاح، بيروت، 1971م.
    - طرخان، إبراهيم علي.
    103- المسلمون في أوربا في العصور الوسطى، القاهرة، 1966م.
    - طه، عبد الواحد ذنون.
    104- دراسات أندلسية، ط1، الموصل، 1986م.
    105- الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، 1982م.
    - عاشور، سعيد عبد الفتاح.
    106- أوربا في العصور الوسطى، التاريخ السياسي، ط9، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1983م.
    107- تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م.
    108- الحركة الصليبية صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد العربي في العصور الوسطى، ط1، مطبعة البيان العربي، مصر، 1963م.
    - العبادي، أحمد مختار.
    109- في التاريخ العباسي والأندلسي، بيروت، 1972م.
    110- في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1978م.
    - عباس، إحسان.
    111- العرب في صقلية، ط2، دار الثقافة، بيروت، 1975م.
    112- تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)، ط1، بيروت، 1962م.
    - عبد البديع، لطفي.
    113- الإسلام في أسبانيا، ط2، القاهرة، 1969م.
    - العريني، السيد الباز.
    114- تاريخ أوربا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1968م.
    115- الدولة البيزنطية، دار النهضة العربية، بيروت، 1982م.
    - العسلي، بسام.
    116- الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية، ط1، دار النفائس، بيروت، 1978م.
    - علام، عبد الله علي.
    117- الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي، دار المعارف، مصر، القاهرة، 1968م.
    - عمران، محمود سعيد.
    118- معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، دار النهضة العربية، بيروت، 1981م.
    - عنان، محمد عبد الله.
    119- دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ط2، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1969م.
    120- دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر، ط3، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1960م.
    121- عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس، ط1، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1964م.
    122- مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام، ط4، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1962م.
    123- نهاية الأندلس وتاريخ العرب المنتصرين، القاهرة، 1966م.
    - غربال، محمد شفيق (أشراف).
    124- الموسوعة العربية الميسرة، ط2، دار الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، القاهرة، 1972م.
    - الغناي، مراجع عقلية.
    125- سقوط دولة الموحدين، ط1، مطابع الشروق، بيروت، 1975م.
    - الغنيمي، عبد الفتاح مقلد.
    126- كيف ضاع الإسلام من الأندلس بعد ثمانية قرون (مأساة الفردوس المفقود)، 92-897هـ/710-1491م، د.م، 1993م.
    - فشر، هـ. ا.ل
    127- تاريخ أوربا في العصور الوسطى، نقله إلى العربية محمد مصطفى زيادة وآخرون، ط2، دار المعارف، مصر.
    - الفندي، محمد ثابت وآخرون (المترجم).
    128- دائرة المعارف الإسلامية، طهران، 1933م.
    - قاسم، قاسم عبده.
    129- الحروب الصليبية نصوص ووثائق، بدون مكان وسنة طبع.
    130- ماهية الحروب الصليبية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1990م.
    - القمي، عباس.
    131- الكنى والألقاب، المطبعة الحيدرية، النجف، 1970م.
    - كاهن، كلود.
    132- الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية، ترجمة أحمد الشيخ، ط1، القاهرة، 1995م.
    - لوبون، غوستاف.
    133- حضارة العرب، نقلها إلى العربية عادل زعيتر، ط3، طبع بدار إحياء الكتب العربية عيسى الحلبي وشركاه، القاهرة، 1956م.
    - لورد، دروثي.
    134- أسبانيا شعبها وأرضها، ترجمة طارق فوده، القاهرة، 1965م.
    - محمود، حسن أحمد.
    135- قيام دولة المرابطين، القاهرة، 1957م.
    - مسرة، المطران جراسيموس.
    136- تاريخ الانشقاق، ط2، المطبعة الأدبية، بيروت، 1931م.
    - المعاضيدي، خاشع وآخرون.
    137- تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي، مطابع مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1981م.
    - المعاضيدي، خاشع والجميلي، رشيد عبد الله.
    138- تاريخ الدويلات العربية الإسلامية في المشرق والمغرب، ط1، بغداد، 1979م.
    - مكي، الطاهر أحمد.
    139- دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة، ط1، مصر، 1980م.
    - مؤنس، حسين.
    140- فجر الأندلس (دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية 92-138هـ/710-755م)، ط1، القاهرة، 1959م.
    - نوري، دريد عبد القادر.
    141- سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد مصر والشام والجزيرة، بغداد، 1976م.
    - هارتمان، ل.م وباراكلاف، ج.
    142- الدولة والإمبراطورية في العصور الوسطى، ترجمة وتعليق د. جوزيف نسيم يوسف، دار النهضة العربية، بيروت، 1981م.
    - ويست، أنتوني.
    143- الحروب الصليبية، ترجمة شكري محمود نديم، بغداد، 1967م.
    - ويلز، هـ.جـ.
    144- موجز تاريخ العالم، القاهرة، 1958م.
    - اليوسف، عبد القادر أحمد.
    145- الإمبراطورية البيزنطية، بيروت، 1966م.
    146- العصور الوسطى الأوربية، بيروت، 1967م.
    147- علاقات بين الشرق والغرب بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر، بيروت، 1969م.

    الدوريـــات
    - أبودياك، صالح محمد فياض.
    148- فنون القتال عند المرابطين والموحدين والحفصيين، مجلة المؤرخ العربي، العدد (34)، السنة الثالثة عشرة، 1988م.
    - الأنصاري، محمد جابر.
    149- الحملات الأسبانية على الشرق الأندلسي، مجلة الأبحاث، السنة (31)، بيروت، 1991م.
    - بهجت، منجد مصطفى.
    150- واقعة الزلاقة كما صورها الشعر الأندلسي، مجلة آداب المستنصرية، العدد التاسع، 1984م.
    - تدمري، عمر عبد السلام.
    151- الأندلسيون والمغاربة في طرابلس الشام، مجلة المؤرخ العربي، العدد (59)، السنة 200م.
    - جبران، نعمان محمود وحماد، منى جمعة.
    152- الحملة الصليبية الأولى، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد (50)، السنة 2000م.
    - الطيبي، أمين توفيق.
    153- واقعة الزلاقة المجيدة 479هـ/1086م، مقدمتها ونتائجها، مجلة كلية التربية، جامعة الفتح، ليبيا، العدد السادس، 1976-1977م.
    - الغانم، فائق حاكم عيسى.
    154- دور البندقية البحري في الحروب الصليبية 493-601هـ/1099-1204م، بحث غير منشور، كلية التربية، جامعة البصرة.
    155- معركة بواتية وأثرها على حركة التحرر العربية في الغرب، مجلة أبحاث البصرة، عدد (11)، جـ2، السنة 1995م.
    - القابسي، نجاح.
    156- اتجاهات البحث في تاريخ الغزو الصليبي، مجلة المؤرخ العربي، العدد (34)، السنة الثالثة عشرة، 1988م.
    - محمد، جاسم ياسين.
    157- موقف بغداد من اعتداءات الروم على الحدود في منتصف القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، مجلة أبحاث البصرة، العدد (19)، السنة 1999م.
    - المشهداني، محمد جاسم.
    158- تاريخ طرابلس في العصر الوسيط من خلال مرويات ابن الأثير، مجلة المؤرخ العربي، العدد (59)، السنة 2000م.
    - مكي، محمود علي.
    159- وثائق تاريخية جديدة عن المرابطين، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية في مدريد، م7، 8، 1959-1960م.
    - مؤنس، حسين.
    160- بلاي وميلاد أشتريس وقيام حركة المقاومة النصرانية في شمال أسبانيا، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول، م11، جـ1، القاهرة، 1949م.
    161- الثغر الأعلى الأندلسي وسقوط سرقسطة في يد النصارى سنة 512هـ/1118م مع أربع وثائق جديدة، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول، م11، جـ2، القاهرة، 1949م.
    - يوسف، جوزيف نسيم.
    162- الدافع الشخصي في قيام الحركة الصليبية، مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، م16، 1962م.

    الرسائل الجامعية
    - جبرة الله، عبد الحسن حنون.
    163- دور أهالي حلب في مقاومة الغزو الصليبي 490-569هـ/1096-1173م، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة البصرة، 2004م.
    - الجواري، رياض حميد مجيد.
    164- تنظيمات الجيش في عهد المرابطين 430-541هـ/1038-1146م، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1990م.
    - الدليمي، حسين حبيب.
    165- إمارة بني غانية في الجزائر الشرقية (دراسة في أحوالها السياسية)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1982م.
    -عبد علي، علي عبد الحسين.
    166- إمارة إنطاكية الصليبية (دراسة في أحوالها السياسية للحقبة من 492-584هـ/1098-1188م)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة البصرة، 2003م.
    - العمايرة، محمد نايف جريوان.
    167- مراحل سقوط الثغور الأندلسية بيد الأسبان، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، الجامعة الأردنية، 1989م.
    - المياحي، عبد حمزة.
    168- الدولة العربية في الأندلس (دراسة في نظام الحكم والإدارة 400-630هـ/1009-1232م)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة البصرة، 1989م.
    - يوسف، كارم محمود إسماعيل.
    169- دور اليمنيين السياسي في الأندلس من 92-172هـ/710-788م، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، 1991م.


    المصــادر الإنكليزية
    - Altamira, Rafael.
    170. The history of Spain, New York. 1958.
    - Atkinson, William. C.
    171. Spain a Brief history, first published, London, 1934.
    - Barton, Simon
    172. Leon-Castile and the struggle against Islam, Cited In: WWW.deremilitari. Org.
    173. Battle of Zula (Zallaka) Spain, Cited in: WWW.davids consultants. Com.
    - Bertrand, Louis
    174. The history of Spain, London, 1945.
    - Bishko, Charles Julian
    175. Studies in Medieval Spanish frontier history, cited in:http://libro.USCO.edu.
    - Chejne, Anwer (y)
    176. Muslim Spain its history and cuiture, 1973.
    - Dozy, Reinhart
    177. Spanish Islam A history of the Moslems in Spain Book IV, translated with a Biographical in troduction and additional Notes by Francis Griffin Stokes, New impression, London, 1972.
    - Gabrieli, Francesco.
    178. The Arabic historiography of the crusade, University of Rome, 1957.
    - Glick, Thomas. F.
    179. Islamic and Christian Spain in the early middle ages, cited in: http://libroUco-edu
    - Linehan, Peter
    180. The Spanish Church and the Papacy in the thirteenth, Century, Cited init http://Libro.uca.edu.
    - Painter, Sidney
    181. A history of the Middle ages 284-1500, Great Britain, 1979.
    - Sedg Wick, Henry Dwight.
    182. Spain a history of its politics Literature and Art from Earliest times to the present, First published, London, 1926.
    - Stanis lawski, Dan.
    183. The individuality of Portugal a Study in historical-political Geography, university of taxas press. Austin, USA, 1959.
    - Stephen Sone. (c).
    184. Medieval history, New York, 1943.
    185. The New Encyelopeadia Britannica, Vol.x, 15th Edition, William Benton, 1974.
     
  2. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الحملات الصليبية
    على الأندلس حتى نهاية دولة
    المرابطين


    رسالة مقدمة
    إلأى مجلس كلية التربية في جامعة البصرة
    وهي جزء من متطلبات نيل درجة ماجستير
    إداب في التاريخ الإسلامي

    من قبل الطالب
    حسين جبار مچيتل العلياوي


    بإشراف
    الأستاذ الدكتور
    جاسم ياسين محمد الدرويش


    1426 هـ 2005 م
     
  3. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الأول

    الفصل الأول
    الأسباب الكامنة وراء ظهور الحركة الصليبية ودور البابوية فيها
    المبحث الأول : الحركة الصليبية مفهوماً واصطلاحاً
    المبحث الثاني : إسهام البابوات في بلورة الحروب الصليبية

    المبحث الأول
    الحركة الصليبية مفهوماً واصطلاحاً

    لا ريب في أن موضوع الحركة الصليبية، عد واحداً من أهم المواضيع التي شغلت
    حيزاً مهماً، لأنه أسهم في صياغة جملة من المواضيع التي خصت التاريخ العربي الإسلامي، سواء في الشرق، أم الغرب لما افرز من تطورات في العلاقات الدولية، وأثارها ونتائجها على البلاد التي خضعت إلى السيادة الإسلامية إذ شهدت العصور الوسطى حملات عدة للحقبة من 490-691هـ / 1096 – 1291 م. واصطبغت بالمفهوم الصليبي، وشكلت سمة بارزة
    ميزت تلك المدة التاريخية، وأثرت في طبيعة العلاقات الدولية بين المسلمين والنصارى( ).
    وحتى يتم فهم طبيعة هذه الغزوات الحربية ودوافعها على البلاد الإسلامية، لابد من معرفة معنى الحركة الصليبية، فكلمة الصليب مشتقة من الفعل صلب ( ). وجاء في القرآن الكريم ما نصه قوله تعالى ((وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل))( )، ويشير الصليب إلى معنى ديني لدى النصارى، مرتبط بالنبي عيسى بن مريم ( عليه السلام )، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم قال تعالى : ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
    وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا
    قَتَلُوهُ يَقِيناً))( ). ومن معاني الصليب لدى المسلمين أيضاً إشارة إلى قبلة النصارى( ).
    أما اصطلاحاً، فهي تعني مراحل عدة من التنافس والصراع بين المسلمين والنصارى، أو صراع بين حضارتين مختلفتين في أصولها وأعرافها وشعوبها، أي بين الشرق والغرب( ).
    وقد تعددت الآراء بشأن تحديد مفهوم محدد ودقيق، ويبدو أن ذلك كان راجعاً إلى طبيعة المعالجات البحثية لهذا الحدث التاريخي، فأصحاب الرأي القائل بأنها صراع حضاري بين الشرق والغرب، استندوا على التنافس بين الفرس والروم، ولكن البعد الزمني بين الحقبة التاريخية والحقبة التي قامت بها الحروب الصليبية، ولاختلاف المبادئ والأهداف التي
    قامت من اجلها، أضف إلى ذلك أن الديانة الوثنية كانت تسود العالم القديم، الذي سبق ظهور الديانة المسيحية، يضعف هذا الرأي( ).
    في حين فسر بعضهم الحروب الصليبية، على أنها واحدة من الهجرات البشرية الكبيرة، التي نجمت عن سقوط الإمبراطورية الرومانية، في عام 476م. وكان من نتائج هذا الحدث، فقدان السلطة المركزية القوية القادرة على كبح جماح الصراعات القبلية والعشائرية، والصمود أمام الغزوات الخارجية من القبائل الجرمانية، الأمر الذي أدى إلى فوضى كبيرة، وبخاصة لمواطني الإمبراطورية، الذين اصبحوا تحت تسلط القبائل الغازية، فأسهم ذلك في قيام مجتمع بديل امتزجت فيه العناصر الجرمانية بالرومانية، وكانت السلطة قد تحولت إلى أيدي الجرمان بدلاً من الرومان( ). والذي يتمعن في تاريخ هذه الفترة يجد بروز قوى جديدة أمثال الوندال الذين استحوذوا على شمال أفريقيا، وصاروا قوى بحرية كبيرة، حتى انهم كانوا قد استباحوا روما نفسها عام 455م، ودلل ذلك على فقدان النفوذ السياسي والحربي لهذه الإمبراطورية، وأصبحت إيطاليا ذات دور ملموس بفعل القوى العسكرية الجرمانية، التي تحكمت بمصير
    الأباطرة، ومن هنا يمكن القول أن الإيطاليين وجدوا في البابوية الزعامة الوحيدة لقيادتهم، وصار الإمبراطور الغربي مجرداً من السلطة وذلك بفعل تنامي دور البابوية وسيطرت القوى الجرمانية، في شمال أفريقيا وصقلية وجنوب إيطاليا وأسبانيا، ونجح الوندال والغوط الغربيين من إقامة دولة قوية استحوذت على أسبانيا وشمال أفريقيا، ومن ثم دولة الفرنجة ( ). كل ذلك أدى إلى قيام قوى حاكمة أدت دوراً في التصدي لعملية التوسع الإسلامي فيما بعد، بخاصة بعد أن اعتنق الجرمان المسيحية وصاروا من الأدوات المهمة التي اعتمدت عليها البابوية في مجابهة المسلمين.
    أما الرأي الثالث، فقد ربط بين عملية الإصلاح الديني " حركة الإصلاح الكلونية "( )، ومحاولة الكنيسة العودة إلى هيمنتها على كل الكنائس الغربية، ووضع السلطة الدنيوية السياسية، التي كانت بيد الملوك تحت تصرفها، وهذا كان لا يتم الا بتوحيد كلمة النصارى في مشروع كبير تقوده الكنيسة، وتبنت الأخيرة على هذا الأساس الدعوة إلى الحروب الصليبية( ). وعمد النصارى المتعصبون إلى الربط بين فكرة الحج الجماعي والسيطرة على الأماكن المقدسة، بذريعة القهر الذي مارسه السلاجقة ( ) (من وجهة نظرهم) ضد الحجاج النصارى، بعد سيطرتهم على بيت المقدس، في عام 464هـ/ 1071م، ومن بعدها على إنطاكية، سنة 478هـ/1085م، وطردهم البيزنطيين منها، مما حفزهم على استعمال القوة لتحجيم القوة السلجوقية الإسلامية التي هددتهم( ).
    وأخيراً رأى قسم آخر في الحروب الصليبية، محاولة من لدن الغربيين في أوربا،
    للتخلص من قيود الكنيسة، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، ووجدوا في حرب تعدها البابوية، وسيلة مناسبة ووحيدة، كانت تحقق لهم غاياتهم( ).
    لكن الحروب الصليبية في حقيقتها ابعد من مجرد الآراء التي ذكرت سابقاً، إذ هي
    مشاريع استعمارية واسعة ضد العالم الإسلامي، جمعت النصارى فيها دوافع عدة، ودخلت البابوية بتأثيرها الكبير على الحكام الأوربيين عاملاً مهماً في إعطائها تأثيراً اكبر، وقوة اندفاع اشد.
    إذ بدأت الحروب في الغرب الإسلامي – الأندلس وصقلية وشمال أفريقيا – بشكل مبكر، قبل تحولها إلى الشرق الإسلامي في الشام ومصر. واستطاعت إحراز تقدم مهم على حساب المسلمين، وهدفت إلى طردهم من الأماكن التي فتحوها هناك( ).
    إذ أدى التوسع الإسلامي دوراً مهماً في الدعوة إلى وحدة النصارى، من اجل التصدي للمسلمين، وأسهمت العلاقات الدولية، وبخاصة أبان حركة الفتوح الإسلامية في تبلور الدعوة
    إلى ما عرف فيما بعد بـ " الحروب الصليبية ".
     
  4. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الاول /المبحث الثاني

    المبحث الثاني
    إسهام البابوات في بلورة الحروب الصليبية

    لقد سيطر المسلمون المتواجدون في المغرب والأندلس على الملاحة في البحر المتوسط، وبخاصة بعد دخولهم صقلية، في عام 212هـ / 827م (( من قبل حكام أفريقيا الاغالبة، في حين بسط مسلمو الأندلس سيادتهم على كريت( )Crete، في السنة نفسها، وهو ما ساعدهم على مزيد من التوسع في الشاطئ الإيطالي، وحققوا فيه موطن قدم. وبعد ان اصبح ميناء بالرمو( ) في صقلية، سنة 216 هـ 831م، قاعدة بحرية للأسطول الإسلامي، مضوا في توسعهم في إيطاليا، مستفيدين من الخلافات بين الأمراء الحاكمين فيها، فضموا طارنت( )وباري( )، عام 226هـ /840م، وأقاموا فيها أمارة إسلامية، ومنها اجتاحوا البحر الادرياتي (الادرياتيكي)والبحر التيراني، وهاجموا روما نفسها، عام 232هـ/846م، ووصلوا إلى كنيسة القديس بطرس( ) ( ).
    وعلى اثر ذلك تحركت البابوية لمجابهة هذا التحرك الإسلامي التوسعي على حساب النصارى، وهو ما دعا إلى طرح مشروع هيمنة البابوية على المؤسسة العسكرية، وذلك لإسباغ صفة الشرعية على حرب مقدسة، تكون القيادة العليا لها، وهو ما حققته البابوية من خلال محاولة البابا نيقولا الأول 244 – 253 هـ / 858 – 867م، في استغلال الجهد الحربي لصالح الكنيسة عن طريق المصلحة الدينية، واعتبر هذا البابا من اجل تحقيق غاياته ان الحرب الدفاعية ضد أعداء النصارى وديانتهم النصرانية أمراً مشروعاً، ما دامت تحقق غاية سامية( ).
    حفز هذا التوجه من لدن البابوية الإمبراطور الروماني لويس الثاني 236-262هـ/
    850-875 م، على قتال المسلمين، وضيق على باري، سنة 238 هـ / 852م، الا انها صمدت، وظلت هجمات المسلمين فعالة ومؤثرة، مما دفعه إلى توسيع العمل العسكري ضدهم، بتحالفه مع الإمبراطور البيزنطي باسيل الأول 253-273 هـ / 867-886م، من اجل فرض حصار بري وبحري على باري، لكن التحالف المشترك لم يتم، لعدم تلبية الإمبراطور البيزنطي باسيل دعوات حليفه، مع ذلك استطاع عام 258هـ/871م، الاستيلاء على باري. لكن وفاته، عام 262هـ/ 875م، تركت تأثيراً بالغاً على البابا وحكام إيطاليا، كونه الوحيد الذي نهضللدفاع عنهم وصد الهجمات الإسلامية التي استهدفت مناطقهم ( ). وأمام الفوضى التي سادت إيطاليا من جراء الضغط الإسلامي، والنزاع بين الحكام الإيطاليين، انفسح المجال أمام الإمبراطور الالماني اوتو الثاني 363-373هـ/973-983، لتثبيت أقدامه في إيطاليا، لإعادة مجد الإمبراطورية الرومانية وإضفاء صبغة عالمية عليها، ولذا استعان بالأساقفة ورجال الدين، ويبدو ان هدفه من ذلك إضفاء صفة شرعية على عملياته العسكرية لتوظيف التأثير الروحي لرجال الدين النصارى لدعم حروبه، ولهذا عمد إلى تقويت صلاته بالبابوية، وبخاصة بعد دعمه إلى البابا بندكت السابع 364-373هـ/ 974-983م، ضد الحاكم الإيطالي كرسكنتيوس، عام
    370 هـ/980م، وأجلسه على الكرسي البابوي في روما، ويبدو ان هذه الصلات الجديدة التي ربطته بالبابوية، ساعدته على محاولة بسط سيادته على الأجزاء الجنوبية من إيطاليا، من اجل صد الخطر الإسلامي القادم من صقلية باتجاه جنوب إيطاليا وفعلاً لاقى نجاحاً بين عامي
    371 – 372هـ /981-982 م، بضم سالرنو( )وباري وتارنتو( )، وانتصر على المسلمين مكبداً إياهم خسائر كبيرة، ولكن المسلمين سرعان ما أعادوا الكرة ضد خصومهم في عام
    372 هـ/982م، وحققوا نصراً ساحقاً وبهذا ثأروا لهزيمتهم السابقة( ).
    وكان من نتائج هذا الانكسار ضياع نفوذ الإمبراطورية الغربية على وسط إيطاليا وجنوبها، وتمرد قبائل السلاف ضدها. مما دعا الإمبراطور الالماني اوتو الثاني إلى حشد الجهود العسكرية لإعادة هيبة دولته، ورد الخطر الإسلامي، إلى عقد مؤتمر في فيرونا(( ، عام 373هـ / 983م، وفي المؤتمر اجتمع ممثلي ألمانيا وإيطاليا، وأعلنوا عزمهم على القتال تحت قيادة اوتو الثاني، وبدى على المؤتمر انه تبنى الحرب الدينية المقدسة ضد أعداء البابوية – السلاف – الذين ارتدوا إلى الوثنية وقتلوا رجال الدين والمسلمين الذين مثلوا العدو الكبير الذي هددهم، لذا نجد ان الروح الصليبية ضد المسلمين برزت في توجهات هذا المؤتمر، وبخاصة ان اوتو الثاني استند على رجال الدين والأساقفة وحسن علاقته بالبابوية، ودلل دفنه في كنيسة القديس بطرس، بعد وفاته عام 373 هـ / 983م، عن مدى تقدير الكنيسة لخدماته، ولكن الأمر المهم هو ان الحلف العسكري ذو المبادئ الصليبية، لم تحقق أهدافه لوفاة هذا الإمبراطور( ).
    ان تسارع الأحداث بشكل سريع وحاسم، أثرت في نظرة النصارى إلى حربهم، وأخذت تتبلور فكرة الحرب الدينية، الرامية إلى إثارة الحماسة الدينية لديهم لدرء الخطر الإسلامي، وتبنى البابا سلفستر الثاني 390 – 394 هـ/999 – 1003 م، الدعوة إلى حرب مقدسة، في عام 390 هـ /999 م، وشرح فكرته إلى رجال الدين في كنيسته، ثم عرضها على الحكام المعاصرين له، والأمراء في الغرب الأوربي، فكانت أول دعوة لمقاومة المسلمين بدعم واضح من البابوية (( . ويبدو ان محاولة توحيد الكنائس الغربية والشرقية تحت سلطة واحدة، هي
    البابا، كانت من ضمن أهداف هذا المشروع العسكري، وبخاصة ان رجال الدين النصارى في روما كانوا يؤيدون الحل العسكري، لانتزاع السلطة من المسلمين، في آسيا الصغرى والانتهاء عند بيت المقدس(( .
    ومما لاشك فيه ان التفوق العسكري الذي أحرز من المسلمين، على حساب النصارى كان سبباً في تلك الدعوة البابوية إلى حرب دينية مقدسة، إذ كان الفاطميون منذ استيلائهم على مصر، عام 359 هـ /969 م، شرعوا بقتال البيزنطيين، وهاجم أسطولهم الثغور الإيطالية، وأصابها دمار كبير، حتى اضطروا إلى دفع الجزية لهم لإيقاف نشاطهم الحربي(( . في حين نجح الخليفة عبد الرحمن الثالث300-350هـ /912 – 961م، ومن بعده الحاجب ابن أبي عامر المنصور366-392هـ / 976 – 1001 م، من فرض هيبة الدولة في الأندلس والتصدي لهجمات النصارى، بل نجد ان الأخير انتقل غزوهم في عقر دارهم، باجتياحه سمورة(( جنوب ليون( )، وبرشلونة( )عام 375 هـ / 985 م، ثم ليون، في عام 386 هـ /996 م، وفي العام التالي اغار على شنت ياقب( ) (( .
    وكان لهذا التوسع الإسلامي، والهزائم المتتالية التي احاطت بالنصارى، أثرها في إنهاض الهمم، بواسطة التشجيع البابوي على مجابهة خصومهم المسلمين، وهو ما حفز المدن الإيطالية التجارية على القتال، وصدوا في سنة 393 هـ / 1002 م، القوات الإسلاميةالمتجهة إلى باري، واستطاع اسطول البندقية الايطالية تارة اخرى من انقاذ المدينة من محاولة جديدة، كما حقق البيازنة – نسبة إلى مدينة بيزا الايطالية-، في عام396 هـ / 1005 م، مكسباً جديداً على حساب المسلمين عند مضيق مسينا تجاه ريو – مضيق يقع جنوب إيطاليا-.
    وعندما بسط حاكم دانية( ) مجاهد العامري ( ) نفوذه على ساحل سردينيا (( .عام 406 هـ/ 1015م، وقفت قوات مدينتي جنوا و بيزا الإيطاليتين ضده، وبارك البابا بندكت الثامن
    403 – 415 هـ / 1012 – 1024 م عملهما، وحثهما على اقصائه عنها في عام
    407 هـ / 1016 م ( ).
    ويبدو أن البابا شعر بمدى أهمية الدعم المعنوي، إلى المقاتلين النصارى، لإثارة حماسهم، وتحفيزهم على القتال. ثم اخذ البابوات يبثون الروح المعنوية لدى النصارى
    ويمهدون لحرب صليبية، وكان أول تحرك فعلي من اجل زعامة العالم الغربي برئاسة البابوية جاء من قبل البابا سلفستر الثاني( ). في مطلع تعينه على الكرسي البابوي في مجمع كنسي
    عقد في لوبوي – احدى المناطق الواقعة في فرنسا – عام390 هـ/999 م، كما اكد على نفس القرارات السابقة في مجمع بواتية( ). بعد سنة واحدة من عقد المؤتمر الأول أي عام
    391 هـ / 1000م، على حرمة التجاوز على ممتلكات الكنيسة ورجالها أي بمعنى اخر يمنعالامراء والملوك الأوربيين من الاعتداء على المناطق الخاضعة لسيادة البابا ولا يجوز التوسع على حسابها فصار لها قدسية خاصة وحضي ايضاً رجال الدين النصارى بحصانة وحماية من قبل البابا فلا يمكن التعرض لهم بأي سوء( ).
    ويبدو أن هذا الجانب الديني اعطى الحرب صفة مقدسة، وبخاصة أنها حولت إلى
    وسيلة لنيل الغفران والتوبة، وكان الهدف من ذلك، توظيف القدرات القتالية لطبقة الإقطاعية،
    في خدمة المصالح البابوية، وذلك بصرف هؤلاء الامراء عن الصراعات الداخلية،
    واستخدامهم في حرب خصوم الكنيسة والبابا، والعمل على التضحية في سبيل ذلك ( ).
    ودللت مواقف البابا ليو التاسع 440-446 هـ / 1048 – 1054 م، على تبدل
    واضح في نظرة الكنيسة والبابوية إلى الحرب، وتنامت الروح الحربية في مواجهة المسلمين، ففي عام 442هـ / 1050م، عمد البابا بالتحالف مع نصارى سردينيا على طرد المسلمين
    منها، وبصورة نهائية( ). وقد جاء هذا الموقف البابوي رداً على محاولة حاكم الجزائر الشرقية سليمان بن مشكيان 437-442 هـ /1045 –1050 م، حين عزا جزيرة سردينيا، في السنة نفسها، وفتحها( ). ويبدو ان حاجة البابوية إلى قوة عسكرية نشطة وقوية دفعها للبحث عن حلفاء جدد توظفهم في سبيل تحقيق اهدافها سواء في مواجهة السلطة الزمنية – الامراء والحكام – أو اعدائها التقليدين المسلمين، وانطلاقاً من هذا الهدف فقد سعت إلى إقامة تحالف مع النورمان( ). لكسب ودهم والشيء نفسه مع الالمان 0ولذلك اقر البابا نيقولا الثاني 449 – 453 هـ / 1057 – 1061 م، إلى ريتشارد امير كابوا - احدى المدن الايطالية الكبيرة -، وروبرت جويسكارد( ) تابعين له، مقابل دعمهم عسكرياً إلى البابا متى اراد ذلك( ).
    ثم اقر لهم شرعية المناطق التي فتحوها، بل سمح لهم بالاستحواذ على مناطق جديدة باسم الشرعية البابوية، بوصفهم اتباعاً لها وفتحوها باسم البابا، واسفر ذلك عن بسط سيادتهم على جميع اجزاء إيطاليا السفلى( )، وهكذا استغلت قدرتهم الحربية في حماية المناطق البابوية في إيطاليا، ثم زج بهم في قتال المسلمين، تحت غطاء حرب مقدسة، وعمد روبرت جويسكارد عام 451هـ / 1059م، إلى مهاجمة شمال صقلية 453-465 هـ/ 1061 –1072م، بدعم من البابوية، ومباركتها( ). وتكريما له في قتاله ضد المسلمين في صقلية، منح لقب دوق – أي حاكماً لها -، وعين شقيقه روجية الاول، في منصب ديني، إذ صار مندوباً على الكرسي البابوي في هذه الجزيرة ( ).
    وما أن اعتلى الاسكندر الثاني 453 – 466 هـ / 1061 – 1073 م، منصب البابا، حتى واصل جهود اسلافه السابقين في الدعوة إلى حرب مقدسة، وجعل الغفران جائزة من قاتل في سبيل الكنيسة، في الأندلس، عام 457 هـ / 1064 م، مما دفع العديد من الناس العاديين من عامة الشعب، إلى الانخراط في العمل العسكري ضد مسلمي الأندلس( )، وشجع النورمندين والفرنسيين على السيطرة على مناطق فيها( ).
    أن هذه التطورات في صياغة مفهوم الحرب واعطائها صفة مقدسة لاقت رواجاً عند العامة، ومنحت البابوات الفرصة إلى تبرير حرب شاملة ضد أعداء النصارى، وبخاصة المسلمين في الشرق، إذ كان السلاجقة احرزوا انتصارات عدة واكتسحوا العديد من المناطق الخاضعة إلى سيادة البيزنطيين، وختموا ذلك بانتصارهم الكبير في معركة مانزكرت(( . – وعرفت بـ ( ملاذ كرد ) ايضاً – عام 463 هـ /1070م( )، ازاء هذا التفوق العسكري الإسلامي، وجهه الأباطرة البيزنطيين نداءات الاستغاثة، إلى الغرب النصراني من اجل نجدتهم، الأمر الذي شجع على عملية التوجه الصليبي، في قتال مسلمي الشرق، وسعى الإمبراطور البيزنطي ميخائيل السابع 464 – 472 هـ / 1071 – 1079 م، إلى حث البابا جريجوري السابع 466 – 478 هـ / 1073 – 1085 م، على اعانته في قتال السلاجقة، وكان إلى البابا هدف اخر ثمن ما كان ينوي تقديمه له، وهو توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، تحت سلطته( )،ولعل البابا هدف من وراء ذلك إلى توحيد السلطة الروحية وجمعها بيده، بهدف حشد طاقات النصارى ضد المسلمين.
    وعلى هذا الاساس ارسل جريجوري السابع عدة رسائل إلى الحكام الأوربيين، ومنهم وليم الاول حاكم بورجوني – مدينة فرنسية -، طلب منه مساعدة الكنيسة ودعمها ضد المسلمين الذين هددوا القسطنطينية(( ، كما دعا الامبراطور الالماني هنري الرابع ( )448-499 هـ / 1056 – 1105 م، إلى نبذ الخلافات وتوجيه جهودهم نحو عدوهم المشترك، واوضح في رسالته تحفيزاً إلى المشاعر الدينية ما نصه " دمر المسلمون المسيحية، وساموا المسيحيين انواع الخسف والهوان والعذاب – ففي كل يوم يقتلون اعداد كبيرة منهم بقصد الابادة " ( ). ثم اعقبتها برسالة اخرى حث فيها النصارى في الغرب إلى نجدة اقرانهم في الشرق، وعبر ايضاً عن امتنانه العميق إلى حاكم بواتية وليم السادس لما قدمه من خدمات لدعم الجهود العسكرية، ومن ثم بعث عام 467 هـ /1074 م. إلى هنري الرابع يخبره عن عزمه في التوجه على راس جيش كبير لنجدة الإمبراطورية البيزنطية( ).
    وبالامكان عد البابا جريجوري السابع المؤسس الحقيقي لمفهوم الحرب الصليبية، لانه بلور وبشكل كبير مفهوم النصرانية من الحرب، واستعمل الفاظاً عسكرية ذات دلالة دينية، من أمثال " جيش المسيح " وطور معنى الحرب إلى حرب مقدسة هجومية بدلاً من دورها الدفاعي، أي استخدام القوة لحماية النصارى وضرب اعدائهم( ). وحمل السلاح والتضحية من قبل الغرب النصراني بالأنفس والأموال، من اجل تحرير أقرانهم في الشرق، ودل ذلك على أن دعوته تجاوزت حدود نجدة البيزنطيين إلى مفهوم حرب شاملة، اعتبرها تحريراً لا تنتهي الا بالسيطرة على بيت المقدس حيث قبر المسيح( ).
    ومع أن مشروع الحرب المقدسة الشاملة، قد بقي نظرياً ولم ينقل إلى واقع التطبيق، بسبب خلافات البابوية مع السلطة الزمنية في اوربا الا أنها منحت قاعدة متينة من اجل
    النهوض بهذا الهدف( ).
    عادت المباحثات مرة ثانية لاحياء المشروع الصليبي، إذ ارسل الإمبراطور البيزنطي الكسيوس الاول 474 –512 / 1081 – 1118 م، إلى البابا اوربان الثاني urbain11
    481-493هـ / 1088 – 1099 م، في سنة 482هـ/1089 م من اجل دعمه عسكرياً،
    وزاد من التقارب بين الجانبين، موافقة الجانب البيزنطي على حسم قضية الخلاف القائم بين كنيستي روما والقسطينية( ).
    ان احياء الدعوة إلى الحرب الصليبية، وبخاصة في عهد البابا اوربان الثاني، جاء
    بسبب عوامل عدة، منها الاثار العسكرية التي احدثتها انتصارات السلاجقة في ملاذكرد سنة 463 هـ/ 1070 م، ونجاح المرابطون في الأندلس، عام 479 هـ /1086م، من هزيمة النصارى هزيمة ساحقة في الزلاقة، ونشاطهم بعدها بحمل لواء الجهاد الإسلامي، لتحرير
    معاقل المسلمين التي سقطت بيد اعدائهم( ). في الوقت نفسه كان الإمبراطور البيزنطي ميخائيل السابع طلب المساعدة من الغرب الأوربي ضد السلاجقة، وكرر خليفته الكسيوس الاول
    كومنين هذه الدعوة، وقابل في سنة 480 هـ / 1087م، الكونت روبرت الاول ده فلاندرز 464 – 486 هـ / 1071 – 1093 م، حاكم الأراضي الواطئة – أو بلاد الفلمنك احدى مقاطعات فرنسا – وعرض عليه مساعدته، فاتفق معه على إمداده بخمسمائة مقاتل، ولكن النجدة كانت قد تأخرت في الوصول، فبعث إليه الإمبراطور البيزنطي، عام 481 هـ / 1088 م، يذكره بالاتفاق الحاصل بينهما، ويبدو أن الكسيوس الاول في طلبه مساعدة الغرب الأوربي،
    كان يريد إثارة انتباهم إلى مدى أهمية الدفاع عن القسطنطينية السد المنيع الذي وقف إمام السلاجقة، ولعب دوراً مهماً في حماية الغربيين منهم ( ).
    أضف إلى ذلك أن اوربان الثاني، كان من اتباع دير كلوني، أي من
    المؤمنين بفكرة الحرب المقدسة ضد المسلمين( ). ولهذا ركز في الفترة ما بين 481-488هـ/ 1088 – 1095 م، على العمل من اجل المشروع الصليبي، ولكن الأحوال السياسية، وبخاصة الخلافات بين البابوية وهنري الرابع امبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، أدى إلى تأخر جهوده حتى عام 488 هـ /1095 م، عندما تحسنت العلاقات بين البابوية وهنري الرابع ودخول اوربان روما( ).
    ثم عقد في مدينة بياتشنزا – مدينة تقع في شمال إيطاليا -، سنة 488 هـ/ 1095م، مؤتمراً دينياً، وكان الإمبراطور البيزنطي الكسيوس بعث إلى هذا المجمع الديني ممثلين عنه، وقابلوا البابا اوربان، وسمح لهؤلاء الممثلين بشرح قضيتهم التي حضروا من اجلها إلى المجتمعين. ولاقت دعوة الإمبراطور صدى عند البابوية، وكان قد تمثل ذلك في حث البابا اوربان، بعض الامراء الإقطاعيين إلى مساعدة اخوانهم في الشرق، ومع أن مؤتمر بياتشنزا الديني، لم يعلن الحرب الصليبية الرسمية، لكنه كان خطوة مهمة في سبيل تحقيق ذلك، بعدما طرحت قضية المساعدة العسكرية فيه( ).
    وعليه يمكن القول أن ما ساعد اوربان الثاني على الدعوة إلى الحرب الصليبية هو ما حققه في المؤتمر السابق، اضف إلى ذلك ايمانه بالمبادئ الكلونية، التي دعت الغربيين إلى
    القتال في الأندلس ضد المسلمين، عامل شجعه على المضي في ما عزم عليه. كما انه كان من الرجال المقربين من البابا جريجوري السابع صاحب فكرة الحرب الدينية المقدسة، وعمل على توسيعها سواء في الأندلس، أو فكر في مدها إلى الشرق( ). إذ كان البابا جريجوري السابع صاحب الفكرة، وطبقها إلى حيز الواقع البابا أو ربان الثاني، وعقب مجمع بياتشنزا استقر البابا في إيطاليا بضعة اشهر، ثم قصد فرنسا، ثم توجه إلى مدينة لوبوي وقابل اسقفها ادهيمارده مونتي – الذي صار فيما بعد مندوباً إلى اوربان في الحملة الصليبية الأولى ورئيساً روحياً
    لها – ويبدو أن ادهيمار حاور البابا عند الخطر السلجوقي، حين زار الاراضي المقدسة، في حدود عام 480 هـ / 1087م، ولا يستبعد أن الاثنين تناقشا بشأن الاعداد لاعلان الحرب الصليبية، لا سيما أن تعين ادهيمار مندوباً اشاره إلى وجود اتفاق مسبق بينهما. ومن مدينة لوبوي اعلن البابا اوربان الثاني، في 11 شعبان 488 هـ / 15 اغسطس 1095 م، عن عزمه
    على عقد مجمع ديني جديد، في كليرمونت –clermont-إحدى المناطق الواقعة في جنوب فرنسا -، وحدد يوم 18 نوفمبر من السنة نفسها موعداً له. وفي المدة ما بين16-24شوال 488/ 18-26 نوفمبر1095 م، ناقش المجتمعون أموراً عدة تمخضت في يوم 27 من الشهر نفسه عن خطاب البابا( ). ليعلن قيام الحرب الصليبية ضد المسلمين ( ). ووجه البابا رسائل عدة
    إلى الامراء والحكام الأوربيين النصارى في المدة ما بين محرم 490 ورمضان 493هـ/يناير 1096م ويوليو 1099م، جاء فيها " اننا نتوسل إلى سيادتكم بحرص شديد لصالح المدينة أو لصالح كنيسة تراجونا، ونأمركم أن تبذلوا جهداً حماسياً لاستعادتها بكل وسيلة ممكنة لمحو خطاياكم. لأنكم تعلمون كم ستكون دفاعاً عظيماً لشعب الرب وكيف ستكون ضربة مرعبة للمسلمين، اذا ما شاءت رحمة الرب، اذا ما تمت استعادت موقع هذه المدينة الشهيرة – يقصد اورشليم القدس )… "( ) وشرح اوربان انه اختار ادهيمار نائباً وان هدف الحرب الصليبية تحرير اورشليم (القدس)، وان من قتل في الحرب فان ذلك غفران لذنوبه وخطاياه " … انهم
    استولوا – أي المسلمين – على مدينة الرب المقدسة التي ازدانت بعذابة وقيماته ….، وفي مجمع عقد في اوفرني( )،... فرضنا عليهم التزامات بان ينجزوا مثل هذا المشروع العسكري– تحرير اورشليم – لمحو كافة خطاياهم 0وعينا نائباً عنا قائداً لهذه الحملة، وهو ابننا العزيز ادميار، اسقف لي بوي 0 ويترتب على هذا الأساس أن كل من يقرر أن يذهب في هذه الرحلة يجب ان يطيع اوامره كما لو كانت صادرة منا، ويجب أن يخضع لسلطانه تماماً في الحل والعقد في اية قرارات به ومتصلة بعمله"( ).
    دعا اوربان إلى حرب صليبية رسمية، هدفها فلسطين، وابان أن هذه الحملة العسكرية مباركة لانه اعلنها باسم الرب كونه نائباً عنه في الأرض " لست انا، ولكن الرب هو الذي
    يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات "( )، بعبارة اخرى هدف
    إلى إثارة الحماسة الدينية، وبخاصة أن رجال الدين النصارى لعبوا دوراً مهماً في دعوة الامراء والحكام إلى الحضور، ومنهم ريمون الرابع( ). حاكم تولوز( )، الذي كان من مؤيدي البابوية والمناصرين لها في اعلان الحرب الصليبية( ). وعلى الرغم من حرص البابا على أن تكون الحملة الصليبية الأولى، مقتصرة على الحكام القادرين على تجهيز انصارهم بعدة الحرب، اراد دعاة الحملة، أمثال بطرس الناسك( )، أن تكون حملة واسعة، يتم حشد كل القادرين على حمل السلاح، ومن كان راغباً في القتال( ). ولهذا ضمت الحملة فئات عدة، كل منها له هدف
    خاص – كالحكام الذين اندفع بعضهم بدافع سياسي – وكذلك اشترك الفلاحين والعبيد والفرسان المغامرين، وحتى اللصوص والمجرمين، طمعاً وراء الدافع الاقتصادي( ). ومع ذلك ضمت الحملة الاساقفة والرهبان بعد حصولهم على موافقة اسقف مدنهم واديرتهم الذي يتبعون لها( )، ولما كانت الحملة ذات طابع ديني، نجد أن كل مقاتل عمد إلى وضع علامة الصليب احمر من القماش على ملابسه العسكرية. ومن هنا عرفوا باسم الصليبيين( ).
    أذن الحرب الصليبية مشروع غربي اعدته ونفذته البابوية والكنيسة، وانها لم تظهر فجأة، انما جاءت بعد دراسة وتحقيق واطلاع على احوال الغرب الأوربي بين شهري ربيع الثاني وشوال 488هـ / ابريل ونوفمبر 1095م، بواسطة الرحلات التي قام بها البابا اوربان في غرب اوربا وختمت بالدعوة الصليبية الرسمية، كما كان تعين ادهيمار اسقف مدينة لوبوي مرجعاً روحياً إلى الحملة، ونائباً إلى البابا يمثله في القيادة العليا، دليل اخر على مدى هيمنةالبابوية وسطوتها في عهد اوربان، بامتلاكها وسائل عدة ضد الذي لا ينصاع إلى قيادتها واوامرها، كالحرمان ولعنه وتكفيره( ).
    ومن جانب اخر كانت الحركة الصليبية، فكرة غربية بحته، ظهرت في الغرب
    الأوربي، ومنذ فترة مبكرة، لكنها لم تعلن بصورة رسمية، بل ركزت على توحيد العالم النصراني بقواه الدينية – البابوية – والزمنية – الحكام – في مواجهة المسلمين، ويبدو أن البابوية الراغبة في اعادة مجدها وسطوتها، جعلها تستخدم الدين شعار لغاياتها في كسب الحلفاء وجمع القوات لضرب المناوئين لها، كما حدث مع النورمان الذين مالوا إلى صفها، ودللت أهداف البابا اوربان في السيطرة على بيت المقدس والقضاء على الحكم الإسلامي، دليل على ذلك النهج الاستعماري الذي لعب فيه الدين ستاراً في تحقيق الاهداف، لان دعوته تجاوزت في حقيقتها إنقاذ القسطنطينية ومساعدة البيزنطيين، تحت غطاء انقاذ نصارى الشرق، والى استئصال الوجود الإسلامي في الشرق والغرب، والسيطرة على فلسطين والأندلس.
     
  5. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الثاني : التطور التاريخي للحركة الصليبية في الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي

    المبحث الأول
    تطور الحركة الصليبية في الشرق الإسلامي
    قبل الدخول إلى الموضوع نرى ان نسلط الضوء سريعاً على الجذور الأولى للحركة الصليبية في الشرق بسبب تداخل وترابط الاسباب التي ادت الى نموها وظهورها في الشرق والغرب الاسلامي . إذ ان الدعوة الى الحروب الصليبية ، كانت قد بدأت في الغرب الاسلامي منذ فترة مبكرة ، قبل انتقالها الى الشرق الاسلامي ، ورجعت الدعوة الى الحروب الصليبية في جذورها ، الى ما قبل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ، وحددت الفترة الزمنية ما بين490-690هـ/1096–1291م، باسم الحروب الصليبية، بعد ان اعلن عنها رسمياً( ).
    ولابد للباحث في تاريخ هذه الحقبة ، من ان يرجع الى عرض العلاقات السياسية والعسكرية ودورها في تنامي الروح الصليبية ، اذ كان التبدل الذي طرأ في الشرق والغرب ، بظهور الاسلام دوراً في ايجاد علاقات سياسية وعسكرية جديدة . فبعد ان ارسى المسلمون اركان دولتهم القوية ، انطلقوا في حروب التحرير والفتح ، وتمكنوا من تأكيد سيادتهم براً وبحراً على حساب البيزنطيين ، وبخاصة بعد انتصارهم في معركة ذات الصواري( ) ، واكمل الامويون في عهدهم ، سيادة المسلمين بحراً ، بعد سيطرتهم على قواعد بحرية مهمة مثل قبرص ورودس في بحر ايجة ، واتخاذها قاعدة لمهاجمة اعدائهم ، وبلغ النفوذ الاسلامي ، ذروته في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك 97 – 99 هـ / 715-717 م ، عندما طوقت القوات الإسلامية القسطنطينية ، وشكل ذلك بداية انحطاط الامبراطورية البيزنطية وتراجعها امام التفوق العسكري الإسلامي ، وواصل العباسيون في عهدهم ايضاً النشاط العسكري( ).
    لكن هذا التقدم العسكري الاسلامي في مواجهة البيزنطيين ، بدأ يخف ، ولم يستمر طويلاً ، على اثر الضعف الذي مرت به الخلافة العباسية في بغداد . مما ترك نتائج سلبية على مناطق الثغور الحدودية ، الخط الدفاعي اللازم لقتال اعدائهم ، وصد هجماتهم ، وبخاصة بعد ان استحوذت القوى الاجنبية على مقدرات البلاد وحكمها ، كالاتراك والبويهيين( ) ، ثم السلاجقة( ).
    إذ منعت هذه الحالة من تقديم العون العسكري والمادي ، الى المقاتلين المرابطين في منطقة الثغور ، التي تردت الحالة فيها واشتد الضغط العسكري عليها ، مقابل نقص واضح في مقومات الدفاع الضرورية لادامة القتال، من جانب اخر كان ظهور الخلافة الفاطمية واتخاذها مصر مقراً للدولة الجديدة ، سبباً في انفراط الوحدة بين المسلمين لقيام خلافتين في العالم الاسلامي ، العباسية في بغداد، والفاطمية في مصر( ).
    في ظل هذا الوضع الذي كان يمر به المسلمون ، بدأت الامبراطورية البيزنطية
    تسترجع عافيتها ، بعد ان سلم الحكم فيها الى الاسرة المقدونية ، واستغل الاباطرة البيزنطيين، حالة الضعف والانقسام لدى المسلمين ، ونشطوا عسكرياً في اسيا الصغرى وبلاد الشام ، وضموا ميافارقين( ) عام 330-331 هـ / 941-942م ، ومرعش( )عام 337 – 338 هـ / 948-949 م ، ثم طرسوس( ) وديار بكر( )وسميساط( ) في عام 347 هـ / 958م ، وما ان دخلت عام 348 هـ / 959 م حتى كانوا قد مدوا سيطرتهم الى ما وراء نهر دجلة( ). واشار ذلك الى حركة واسعة ضد المسلمين هدفوا منها استعادة املاكهم التي فقدوها وبخاصة في الشام، كما ارادوا بتركيزهم على المنطقة الاخيرة ، القضاء على الامارة الحمدانية فيها ، والتي وقفت ضد اعمالهم التوسعية( ).
    لقد اتسمت الحروب البيزنطية في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، في عهدي قسطنطين السابع 301 – 348 هـ /913 – 959 م ، ونقفور فوكاس 352 – 359 هـ / 963-969 م ، بالطابع الديني ، واثارة المشاعر الدينية ، الهادفة لقتال المسلمين ، حتى أشاعوا انهم قاتلوا بحماية المسيح وعناية العذراء – مريم - ، كما حملت الرايات الخاصة بالجيش ، صور القديسين كرمز ديني( ).
    ولهذا نجد ان الامبراطور قسطنطين السابع كان ممن شجعوا القتال ضد المسلمين ، وأكد اهمية الحماسة الدينية في الحروب ، وقارن بين البيزنطيين والمسلمين ، من حيث حماستهم القتالية ، مشيراً الى ان عامل الجهاد الذي تمتع به الاخرون سبب بارز في انتصاراتهم ، وصار المقاتل البيزنطي مقاتلاً مدفوعاً بالدافع الديني تحت شعار " هؤلاء المسلمين( ) ، اعداء سيدنا المسيح " ، ولذا نشط البيزنطيون في الفترة ما بين 323 – 347 هـ / 934 – 958 م ، في استرجاع املاكهم المفقودة ، بل تعدى الامر حدود ذلك إلى قيام تحالف عام 330 هـ /941م، بينهم وبين ملك ايطاليا هيج Hugues البروفانسي ، لاقصاء المسلمين عن منطقة فراكسنتوم Fraxinet بجبال الالب في بروفانس وفعلاً نجحوا في طردهم منها . وسعى الامبراطور قسطنطين السابع في الحملة على جزيرة كريت ، سنة 345 هـ / 956 م، على اعداد جيش ضم فئات عدة ،وكان يضم مقاتلي من المدن الاوربية فشاركت بلاد اليونان بمقاتليها من
    مدينتي تراقيا( ) ومقدونيا( )، ودعى البيزنطيين نجدات عدة من مناطق خاضعة لسيادتهم، كما عقدوا تحالفاً مع الروس بان يزودوا البيزنطيين باعداد من مقاتليهم ، كما حشد نقفور قائد الحملة العسكرية عدداً من المرتزقة من القاطنين على شواطئ انهار مقدونيا وبثينيا( )، وكذلك اربعة آلاف من مقاتلي البنادقة والامالفين – نسبة إلى مدينة أما لفي الإيطالية – .
    ويبدو ان هذه الحملة جمعت من جهات عدة يونانية واسيوية وايطالية وهي عبارة عن تحالف كبير ضم قوات برية ضخمة تساندها الاساطيل البحرية التي أعدت للحرب ، وحملت هذه الحملة العسكرية في طياتها روح التعصب الديني ضد المسلمين، لا سيما انها أعدت زمن الامبراطور قسطنطين السابع صاحب فكرة اثارة الروح الدينية للقتال ، ولعل اصرارهم في
    قتال المسلمين في كريت ، ومن ثم احتلالها والتنكيل بالمسلمين دليل يدعم صحة ما ورد
    عن هذا الإمبراطور( ) .
    وفي المدة ما بين 352- 359 هـ / 963-969 م ، اعتلى عرش الإمبراطورية البيزنطية ، نقفور فوكاس ، وكان من الشخصيات العسكرية البارزة ، وممن اثبتوا جدارة كبيرة في عهد الامبراطور قسطنطين السابع ، وبخاصة في قتال المسلمين في اسيا الصغرى، أضف الى ذلك انه كان من المتمسكين بالدين ، ولأنه على ما يبدو قد تأثر بالحماسة الدينية التي احياها الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع ، شكل نقطة تحول مهمة في حروبه ضد المسلمين عندما اصبح امبراطوراً ، اذ كان من اشد الاباطرة البيزنطيين كرهاً الى الاسلام والمسلمين، ولعل تنكيله بالمسلمين في حملته على كريت ، عام 345 هـ / 956 م ، وحرق المساجد جسد صحة هذا الرأي( ).
    ولهذا فقد تحدى المسلمين في رسالة بعثها الى الخليفة المطيع لله ، في عام
    355 هـ/965م جاء فيها:
    الى قائم بالملك من ال هاشم بلى فعداك العجز عن فعل حازم فأني عما همني غير نائم وضعفكم الا رسول المعالم
    من الملك الطهر المسيحي رسالة أما سمعت اذناك ما انا صانع فأن تك عما قد تقلدت نائماً ثغوركم لم يبق فيها لوهنكم

    والقصيدة تألفت من ثلاثة وخمسين بيتاً ، اشار فيها الى انتصاراته العسكرية على المسلمين في شمال الشام والجزيرة، ولم يكتفِ بذلك بل حرض النصارى على انتزاع بيت المقدس من المسلمين بقوله :
    واسرى الى القدس التي شرفت لنا
    ذ عزيزاً مكيناً ثابتاً للدعائم
    ج
    وتفاخر بالنبي عيسى (عليه الصلاة والسلام)، على حساب النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بقوله:
    يفوز الذي والاه يوم التخاصم فصار رفاتاً بين تلك الرمائم
    ج فعيسى علا فوق السماوات عرشه وصاحبكم بالترب اودى به الثرى
    ويبدو ان الذي شجعه على ذلك ضعف المسلمين ، وتردي مركز الخلافة في بغداد ، كما وضح في القصيدة التي بعث بها بقوله:

    فملككم مستضعف غير دائم فصرتم عبيداً للعبيد الديالم( )
    ج الا شمروا يا أهل بغداد ويلكم رضيتم بان الديلمي خليفة

    وعبر الإمبراطور نقفور في حربه الجديدة ضد المسلمين ، عن بوادر جديدة ميزت الحروب البيزنطية السابقة ، لأنها استندت إلى أهداف جديدة ، يمكن ان نلاحظ فيها الملامح الاولى للروح الصليبية – اذا صح التعبير – وهي :
    1- التنكيل بالمسلمين بالقتل والسبي وهدم المساجد.
    2- الاعتزاز بالارث الديني ، وتمجيد النصارى.
    3- السيطرة على بيت المقدس وتهديد المسلمين بهدم الكعبة المشرفة ، كل هذه الامور ، وبخاصة محاولته المساس بقبلة المسلمين ، حركت المشاعر الدينية في التكاتف لايقاف الخطر البيزنطي( ).
    فبادر علماء المسلمين والفقهاء الى الرد عليه ، ومنهم ابن حزم الاندلسي في قصيدة طويلة ضمت مئة وتسع وثلاثون بيتاً ، وقصيدة الفقيه ابي الاصبع عيسى بن موسى الغرناطي، وتألفت من مئة واثنتان وسبعون بيتاً( ). واحشد عامة المسلمين ، وبجموع كبيرة، في يوم سمي عند المؤرخين بعام النفير ، وطالبوا بالجهاد وحشد الطاقات ، لقتال البيزنطيين، وخرج الأدباء والشعراء والفقهاء وعلى رأسهم الفقيه ابي بكر القفال( )، الذي كتب قصيدة من أربعة وسبعين بيتاً رداً على نقفور( ). وبذلك يمكن القول ان القصيدة التي ارسلها نقفور جاءت بنتائج سلبية عليه ،

    لانها استنفرت مشاعر المسلمين ، وحركت بهم الحمية الدينية للدفاع عن الإسلام والكعبة، وهو الامر الذي لم يحسب البيزنطيين حسابه.
    في عام 359هـ / 969م ، قتل الامبراطور نقفور، واعتلى الحكم حنازيمسكيس
    359 – 366 هـ / 969 – 976 م ، الذي واصل نهج سابقيه – قسطنطين السابع ونقفور فوكاس – في قتال المسلمين ، واعتمد ايضاً على تأثير الدين لدى النصارى ، بأقناع رجال
    الدين البنادقة ، بدعوة انصارهم الى الامتناع عن التعامل مع المسلمين تجارياً ، من اجل اضعافهم اقتصادياً( ). ثم حاول هذا الامبراطور القضاء على الخلافة العباسية الرمز الديني المهم لدى المسلمين ، ولذلك حشد قوات عسكرية كبيرة شارك فيها رجال الدين النصارى ، وشن حملة عسكرية واسعة ، كانت نتيجتها هزيمة واسر عدد كبير من قواته بسبب شراسة المقاومة الإسلامية( ).
    وفي القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، حدثت تبدلات مهمة على صعيد الوضع الداخلي للمسلمين ، وانعكست على علاقاتهم الخارجية مع البيزنطيين ، اذ ان ظهور السلاجقة على مسرح الاحداث التاريخية ، وانشائهم دولة قوية ، استطاعت ملء الفراغ السياسي والعسكري ، الذي عانى منه المسلمون ، نتيجة ضعف القيادات السياسية الحاكمة ، جعل المسلمون بقيادة السلاجقة ينشطون عسكرياً ضد اعدائهم( ). في الوقت ذاته عانت الامبراطورية البيزنطية من الضعف وتردي اوضاعها ، خلال المدة 416-474 هـ / 1025 – 1081م( ).
    كان السلاجقة ومنذ عام 440-455 هـ / 1048 – 1063 م ، بدءوا غاراتهم على المناطق البيزنطية( ) ، ولكن الحالة تبدلت ، في عام 455 هـ / 1063 م ، عندما اسند الحكم الى الب ارسلان 455 – 465 هـ / 1063 – 1072 م ، بعد وفاة عمه طغرل بك( ).الذي حقق من خلال عملياته العسكرية توسعاً مهماً على حساب البيزنطيين حتى استطاع المسلمون ، في عام 461هـ /1068 م من إخضاع أرمينية بأكملها الى حكمهم ، والحقوا بها قونية( ) القريبة من ساحل بحر ايجة( ) .
    على أي حال تحسنت أوضاع البيزنطيين ، بعد ان تولى الحكم رومانوس الرابع
    (ديوجين) 460-464 هـ/1067 –1071 م، وكان قائدا عسكرياً قديراً ، أدرك ان السبيل الوحيد لاعادة هيبة دولته ، اصلاح المؤسسة العسكرية ، ولهذا شكل جيشاً جديداً من قوات متعددة الجنسيات ، تألفت من الفرسان المرابطين عند الحدود الشامية – بلاد الشام – الذين
    كانت مهمتهم حماية حدود الامبراطورية ، والحرس الامبراطوري ، والاتراك الذين اسندت قيادتهم الى يوسف خانيوتس ، كما وضع الفرنجة والنورمان تحت امرة روسل النورماني ، اما القوات البيزنطية كانوا برئاسة ابن اخ الامبراطور المتوفي اندرونيكوس دوكاس( ) .
    ما ان اكمل الامبراطور استعداداته العسكرية ، حتى شعر بأنه اصبح قادراً على مجابهة السلاجقة ، وسار بقواته قاصداً ملاذكرد ، ، في عام 463هـ / 1070م ، وعند وصوله فرق جيشه الى قسمين ، الاول وضم الإمبراطور نفسه مع قواته البيزنطية ، وعملها الاستيلاء على ملاذكرد ، والثاني وفيه الفرنجة والروس والكومان ، قصدوا حصن خلاط ، الواقع على شاطئ بحيرة وان( ) ، ويمكن ان نعد هذه الخطة سلبية في بعض جوانبها ، لانها فرقت جيشه الى قسمين ، مما اضعف من قدراتهم القتالية ، ولعل رومانوس ، اعتمد على تفوقه العددي( ) في محاولة منه لفتح جبهتين ضد السلاجقة لاضعافهم ، ولكن النتيجة كانت هزيمة مقدمة جيشه واسر قائدهم ، وقبل اندلاع المعركة حاول الب ارسلان عقد هدنة مع رومانوس ، ولكنه رفض، فدارت معركة دامية وشرسة ، استطاع السلاجقة فيها انزال هزيمة كبيرة بالبيزنطيين ، الذين قتل الكثير منهم ، ووقع امبراطورهم في الاسر ، ولم يتم فك اسره ، الا بعد وعد منه على دفع جزية سنوية الى السلاجقة ، والتوقيع على معاهدة صلح ، ذكر ان مدتها خمسين سنة ، كما دفع فدية عن نفسه مقدارها بالف الف دينار( ). وقد وصف لنا الاصفهاني ما حل بالجيش البيزنطي بقوله : " وشملهم بأسرهم القتل والاسر ، وبقيت اموالهم منبوذة بالعراء لا ترام ومعروضة لاتسام "( ).
    عدت معركة ملاذكرد من الحوادث الجسام في تاريخ الامبراطورية البيزنطية ، واسهمت بشكل كبير في اعادة رسم العلاقات الدولية بين الشرق والغرب ، اذ انحطت بعدها قدرات البيزنطيين في المجالين العسكري والاقتصادي ، بعد ان سيطر السلاجقة على حكم اغلب اجزاء اسيا الصغرى ، وكانت هذه البلاد المساعد الرئيس لها بالرجال والمال والمؤن ، من جانب اخر بانت ايضاً ، مدى الضعف الذي وصلت اليه الامبراطورية ، وعجزها عن الصمود في وجه السلاجقة ، ولهذا فقدت الدور الذي استأثرت به طويلاً ، كونها حامية النصرانية من المسلمين ، وانعكس ذلك على الصراع القائم ما بين المسلمين والنصارى ، واتجهت الامبراطورية البيزنطية الى طلب مساعدة الغرب الاوربي ، وبخاصة بعد ان تعرضت الى اجتياح قبائل البشناق والكومان النازحة من الدانوب( ) . ومن النتائج المترتبة على معركة ملاذكرد ، هو قيام دولة روم السلجوقية في اسيا الصغرى ، متخذة من قونية عاصمة لها ، وقاعدة عسكرية لفتوحات جديدة ، شمالاً في جهات البحر الاسود ، وجنوباً في جهات البحر المتوسط ، كما استغل السلاجقة الصراع بين البيزنطيين على الحكم ، فتدخلوا ، عام
    471 هـ /1078 م ، الى جانب نقفور الثالث 471 – 474هـ / 1078 – 1081 م ، مما جعل مناطق عدة خاضعة لحكمهم المباشر ، كونهم من ساعدوه في الوصول الى الحكم( ). بل ان القسطنطينية نفسها تعرضت ، في عام 483-484 هـ / 1090 – 1091 م إلى هجوم مشترك من البشناق والسلاجقة حتى كادت تقع تلك العاصمة بيدهم( ).
    هذه باختصار صورة موجزة عن اوضاع الشرق الاسلامي ، وعلاقات المسلمين فيه بالنصارى الذين مثلهم البيزنطيين ، فرسم صورة عن الوضع السياسي والعسكري ، الذي كانت عليه المنطقة قبل اعلان الحرب الصليبية ، في عام 488 هـ / 1095م .
     
  6. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الثاني /المبحث الثاني تطور الحركة الصليبية في الغرب الإسلامي

    المبحث الثاني
    تطور الحركة الصليبية في الغرب الإسلامي

    كانت الأندلس في البداية تحت السيطرة الغوطية إذ نجح الغوط الغربيين من إقامة دولة لهم فيها بدلاً عن الوندال( ). في حين كان المسلمون قد سيطروا على المغرب – ولاية أفريقيا، وخلال عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك 86-96هـ/705-714م، وبدأت عملية الفتح
    الإسلامي إلى الأندلس، عندما أرسل والي المغرب موسى بن نصير( )، القائد طارق بن زياد( ) إليها، وحقاً استطاع الأخير، عام 92هـ/710م، من هزيمة الغوط الذين كانوا برئاسة ملكهم لذريق( )، وفي عام 93هـ/711م، توجه موسى بن نصير إلى الأندلس، بجيش قوامه ثمانية عشر ألف مقاتل، ويبدو أن هدفه كان مساعدة طارق بن زياد في الفتح، لأنه قصد المناطق والأماكن التي لم يتوجه إليها سابقه، في الشمال الغربي من البلاد ( ). ولذلك استطاع المسلمون من بسط حكمهم على معظم أسبانيا، إذ وصلت قواتهم إلى مدينة خيخون الواقعة على
    خليج بسكاية – بسقاية في أقصى شبه جزيرة أيبيريا، أما من ناحية الشمال الشرقي فقد أمتد حكمهم إلى جبال البرت تاركين الشريط الحدودي في أقصى الشمال الغربي، دون فتح، ويبدو
    أن المسلمين في بداية الفتح اقتنعوا بمصالحة سكانه، على شرط أداء الجزية لهم. ولهذا توقفت القوات في عهد موسى بن نصير عند جليقية( )، بعد مصالحة سكانها، وبخاصة أن الخليفة
    الوليد بن عبد الملك، كان قد طلب منه عدم مواصلة عملياته العسكرية، والقدوم إليه( ). وهو خطأ وقع فيه المسلمون لأن عدم بسط سيادتهم عليها، جعلها تكون ملاذاً لأعدائهم، والهاربين من مطاردتهم، فأصبحت النواة الأولى للمقاومة النصرانية ( ).
    كانت المقاومة الأسبانية قد تجمعت في ناحيتين من البلاد، الأولى في هضاب كانتبريه - نافار( ) وبسكونية في الشرق -، والثانية في هضاب أشتوريس( ) في الغرب( ). وكانت الجماعة الأولى، برئاسة بطره أوبتروس (Pedro)، من قادة الغوط العسكريين، ولكن إمارته التي شكلها، كانت في موضع لا يمكنها مواجهة المسلمين، لأنها وبحكم موقعها الجغرافي، في الجانب الغربي من جبال البرت، في سهول نافار وبسكونيه معرضة لهجمات الجيوش الإسلامية، المتجهة إلى جنوب فرنسا والقادمة منها. أما الثانية فمثلت أهمية كبيرة، لأنها ذات موقع جغرافي مناسب، وهو المنطقة الجبلية ذات التضاريس الصعبة، وإلى هذه المنطقة تحصن فلول الغوط الغربيين الهاربين من المسلمين، وبخاصة بعد أن بسط المسلمون نفوذهم، في عام 95هـ/713م على شمال الأندلس( )، وتحصن هؤلاء في مغارة تسمى كوفادونجا (Covadonga)، الواقعة في سلسلة جبال كانتبريه، وأطلق المسلمون على مكانهم أسم صخرة بلاي، وجعلوها في جليقية( )، وتولى رئاسة هذه الجماعة شخص يدعى بلاي، اختلفت الآراء في شأنه، فمنهم من جعله ابن دوق فافيلا حاكم كانتبريه، أو من أصل قوطي نبيل( )، ومنهم من جعله من سكان جليقية، وذكر أنه وقع في قبضة المسلمين، وأحتجز في قرطبة، لكنه تمكن من الهرب منها عام 98هـ/716م، وقصد منطقة أشتوريس. وقطن منطقة كانجادي اونيس (Cangas)، إذ جمع دولة بقايا الغوط، وقسم من الأيبيريين والرومان الساكنين في هذه المنطقة. ومن مقره هناك بدأ بالتحريض ضد المسلمين، فتعقبه منوسه ( )القائد البربري المسلم، ولكن بلاي وأتباعه لاذوا في منطقة الصخرة( ).
    ويبدو أن المسلمين شعروا بعدم أهمية هؤلاء، لأنهم كانوا لا يشكلون خطراً عليهم، وبخاصة بعد أن ضيقوا عليهم كثيراً، إذ هلك معظم أنصار بلاي بسبب حصار المسلمين لهم،
    ونقص عددهم من ثلثمائة رجل إلى ثلاثين رجلاً وعشر نساء فقط، وهو ما جعل الولاة يستهينون بهم لقلة عددهم بقولهم (ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم)( ).
    المهم أن بلاي وضع النواة الأولى، لأول دويلة نصرانية في الشمال الغربي وأنحاز إليه قسم من القساوسة ورجال الدين النصارى، الذين فضلوا البقاء على ديانتهم، وعدم الاختلاط بالحكم الجديد، وهنا عمدوا إلى التبشير بديانتهم، مما أعطاهم طابعاً جديداً، وهو الملامح النصرانية ( ).
    بعد إكمال الفتح في الأندلس، حاول المسلمون في عهد موسى بن نصير استكشاف المنطقة الواقعة في شمال الأندلس، وعبرت قسم من الحملات لمعرفة طبيعة المنطقة فيما وراء جبال البرت – هي مجموعة جبال فاصلة بين الأندلس وفرنسا وفيها خمس ممرات ضيقة للعبور بين البلدين – وتوقفوا عند قرقشونه( )، ثم واصل الوالي عبد العزيز بن موسى بقواته إلى أربونة( )، وفيما يبدو أن المسلمين خلال المدة ما بين 95-100هـ/713-718م، قادوا قواتهم باتجاه جنوب فرنسا – التي كانت تسمى بلاد غاله -، وفعلاً نجحوا في الوصول إلى أربونة ( ).
    ولكن العمل العسكري الحقيقي، لم يبدأ إلا بعد ولاية السمح بن مالك الخولاني على الأندلس
    100-102هـ/718-720م، وعرف عن الوالي الجديد بقوة أيمانه، ولهذا باشر نشاطه العسكري، كونه جهاداً في سبيل نشر الإسلام، وحقاً نجح في فتح أربونة عاصمة سبتمانية ( )، ثم واصل تقدمه في غاله حتى وصل إلى طولوشة( ) Toulouse ( )، والتي كادت تسقط بيده، لولا تدخل حاكم أكيتانية (اقطانيه) الدوق أودو، وحدثت بالقرب من المدينة، معركة شديدة أسفرت عن هزيمة المسلمين، واستشهاد قائدهم في عام 102هـ/720م، فانسحبوا برئاسة عبد الرحمن الغافقي إلى أربونة( ). وحين اختير عنبسه بن سحيم الكلبي والياً على البلاد 103-107هـ/721-725م، عمد إلى إقرار حكمه في داخل الأندلس، ثم واصل سياسة الفتح في غاله الفرنسية، وبسط السيادة الإسلامية على نيمس( ) Nimes، واوتون( ) Autun، ثم قصد سانس Sens- تقع إلى جنوب فرنسا، على مسافة ثلاثين كيلومتر إلى جنوب باريس – حيث توقفت قواته. إذ واجهت القوات الإسلامية، مقاومة عنيدة وقوية، من أسقف مدينة سانس المدعو أبيون Ebbon، الذي أثار الحماسة الدينية لدى الناس وأتباعه من الرهبان في إيقاف زحف المسلمين، وذكرهم بأنه لن يترك الدير الذي يقطنه، وأن من قتل في مواجهة الأعداء، فأنه ينال الشهادة ( ). ويبدو أن هذا التقدم السريع لدى عنبسه، أفزع النصارى، مما دفع هذا الأسقف إلى اعتماد تأثيره الديني، والتأكيد
    على إثارة الهمم في القتال. ثم أنسحب عنبسه الكلبي، إذ لقي حتفه في طريق عودته إلى الأندلس، في معركة مع جموع من الإفرنج، عام 107هـ/725م( ). ثم توقفت العمليات العسكرية،
    بين عامي 107-112هـ/725-730م، بسبب قصر فترة حكم الولاة، مما خلق
    اضطراباً في الوضع الإداري، وعلى الرغم من ذلك حملت القوات الموجودة في قاعدة أربونة مسؤولية حماية المكاسب الإسلامية التي حققت في غاله، وواصلت الجهاد أيضاً( ).
    إن اضطراب الوضع العام في الأندلس وعدم وجود والي حازم ساعد بلاي، في الدفاع عن منطقة حكمه من المسلمين، ولكن تنامي دور هذه الفئة أشعر والي الأندلس الهيثم بن عبيد الكناني( )، في عام 111هـ/729م، إلى مواجهتهم والقضاء عليهم ولكن محاولته لم تستطع القضاء عليهم بشكل نهائي، كما حاربهم منوسه حاكم أشتوريس( ).
    ثم نهض المسلمون مرة أخرى بقيادة الوالي عبد الرحمن الغافقي 112-114هـ/
    730-732م، وكان الوالي الجديد من المتحمسين دينياً للجهاد في سبيل الله . وباشر بعملياته العسكرية باتجاه فرنسا، ودانت له مدينة (أرل( ))( ). ثم سار إلى مدينة (تور( ))( ).
    إزاء ذلك أرسل أودو إلى شارل مارتل( ) 69-124هـ/688-741م، طالباً المساعدة، ولم يتردد الأخير عن نجدته، وبخاصة أن إقليم برغنديا الذي يقع شرق فرنسا سبق أن هاجمه المسلمون في ولاية عنبسة الكلبي( ).
    كان شارل مارتل راغباً في السيطرة على إقليم أكيتانية، إضافةً إلى أَنّ الخطر الإسلامي في عهد العافقي، صار عاملاً هدد حتى مصير الدولة الميروفنجية في فرنسا ولهذا سارع في مد يد المساعدة إلى أودو، وكوّن جيشاً كبيراً، بعد أن أستدعى المقاتلين من بلدان أوربية عدة، من فرنسا ومن حدود الراين( ). وأنظم إليه المقاتلون من الألمان والسلاف والسكسون، والفرنج ومن مختلف العشائر الجرمانية بل حتى المرتزقة الذين قدموا من وراء الراين والغوط( )، ويبدو أن أهمية هذه المعركة الفاصلة، هي التي دعت إلى تحالف أوربي واسع، جاءت قواته من مختلف أنحاء أوربا، وانضمت تحت قيادة شارل مارتل القائد الأعلى في مواجهة المسلمين. وسار شارل مارتل قاصداً المسلمين، الذين كانوا قد فتحوا بواتية، والتقى الجمعان في مكان بين شاتلر وبواتيه، حيث دارت المعركة بين الجانبين. واستمرت ثمانية أيام( )، قام خلالها دوق أكيتانية بالهجوم على مؤخرة الجيش الإسلامي، الذي ضم النساء والأطفال، ثم غادر المسلمون أرض المعركة، مستفدين من قدوم الليل، على أثر استشهاد قائدهم، وذهبوا إلى قاعدتهم في أربونة، بعد أن فقدوا الكثير من قواتهم، ورجع شارل مارتل عنهم دون أن يتعقبهم، خوفاً على أنفسهم من وجود خطة للإيقاع بهم( ). وسميت المعركة باسم بلاط الشهداء، وتكمن أهمية المعركة في أنها أخفقت في فتح فرنسا، ويبدو أن الغرب الأوربي عندما وقف مجتمعاً ضد المسلمين، كانوا يدركون أن نجاح المسلمين في معركتهم معناه، أن فرنسا سوف تكون مثل الأندلس، وسوف يحل الدين الإسلامي محل النصرانية، وبخاصة أن عامل الجهاد في سبيل الله، أعطى حماسة دينية إلى المجاهدين لنشر الإسلام في بقاع أخرى خارج الأندلس، ولذلك يمكننا القول إنَّ التحالف الأوربي بقيادة شارل مارتل، كانت فيه أسباب دينية أيضاً، لأن معركتهم مع المسلمين في بلاط الشهداء، سنة 114هـ/732م، وضعت مصيرهم النهائي فيها ( ).
    حفزت تراجع المسلمين، في عام 114هـ/732م، القبائل الفرنسية والبشكنس، على الخروج عن الطاعة، مما دفع المسلمين إلى إخضاعهم، وبادر عبد الملك بن قطن في فترة حكمه سنة 114-116هـ/732-734م، إلى إعادتهم إلى الطاعة ( )، وأجتاز جبال البرت إلى لانجدوك في فرنسا، حيث عمل على تدعيم الوجود الإسلامي في المناطق التي فتحت هناك( ). وحين عين الوالي عقبة بن الحجاج السلولي 116-123هـ/734-740م، وجه قواته إلى قتال بلاي، واستطاع الحد من توسعه، إذ وصلت قواته إلى معظم أنحاء جليقية عدا الصخرة، وطارده القائد علقمه اللخمي وحاصره في مغارة أونجه إلا أن الأمور لم تسِرْ في صالح المسلمين؛ لأن أعدائهم انتصروا عليهم( ). ويبدو أن هذا النشاط العسكري للوالي أفلح في السيطرة على الجبهة الداخلية، وإضعاف جماعة بلاي، وكان ذلك من أجل التفرغ للعمليات العسكرية في جنوب فرنسا التي تزايدت في عهده، ونجح حاكمه على أربونة يوسف بن عبد الرحمن الفهري( )، من استقطاب حكام سبتمانية وبروفانس( ) Provence، الذين كانوا يخشون من أطماع حاكم أكيتانية أودو وشارل مارتل في أملاكهم، وبذلك امتد النفوذ الإسلامي في أرجاء بروفانس. ولأن الوالي عقبة كان من المتحمسين إلى الجهاد، ونشر الدين الإسلامي، واصل عملية التوسع، في سنة 117هـ/735م، حيث دانت له كافة مناطق أرل وبروفانس، وأغار على دوفينية( ) Dauphine وسان بول تروا – شمال بروفانس – ودونزير( ) Donzere وبرغنديا، بل تعرض إلى أملاك شارل مارتل وهاجم دوفينية وبيدمونت( ) في إيطاليا( ). إزاء هذا التقدم العسكري الناجح سارع شارل مارتل إلى التصدي لهم، وعقد تحالف بينه وبين الحاكم الإيطالي لويتبراند، حاكم لومبارديا، وحضر شيلدبراند شقيق شارل مارتل لمساعدتهم، وتمكنوا من السيطرة على معظم مناطق (أفنيون( ))( )، ثم هاجموا أربونة، التي فقدت اتصالاتها بمقر الولاية، بسبب المقاومة النصرانية في جبال البرت، حيث كانت جماعة نصرانية برئاسة الدوق بطره الواقعة في الطريق الغربي من جبال البرت، في سهول بين نافار وبسكونية تقود المقاومة، ولعلها كانت على علم بأخبار حصار أربونة، وشجعها ذلك على معارضة الحكم الإسلامي، ودعم أقارنهم المهاجمين، ورغم وصول المساعدة العسكرية بحراً لإنقاذ المدينة إلا أنها هزمت، ومع ذلك أخفق شارل مارتل وحليفه الإيطالي في احتلال أربونة ( ).
    الملاحظة المهمة التي وجدت في جيش شارل مارتل، وجود رجال دين أَسهموا معه في حرب المسلمين، وأبرزهم هينماروس، مطران أوكسير – مدينة تبعد 170 كيلو متر إلى الجنوب الشرقي من باريس – الذي كان يقاتل بنفسه، وهو مرتدياً ملابس الأسقفية ( )، وهي نقطة مهمة لأن وجوده بملابسه الرسمية، ذات المغزى الديني، وحربه مع المقاتلين، دليل على تحول
    الحرب إلى حرب دينية ضد الإسلام والمسلمين في الأندلس. كما إنها البدايات الأولى لدور رجال الدين النصارى في صياغة مفهوم الحرب، وذلك على أسس دينية، هادفة إلى إثارة المشاعر الدينية عند النصارى.
    كان الضعف الذي عانت منه ولاية الأندلس في المدة الأخيرة من عهد الولاة، وإلى قيام عصر الإمارة، وما رافق تلك الفترة الممتدة ما بين 123-138هـ/740-755م، من فتن ونزاعات بين المسلمين، وبخاصة أن قيام عصر جديد في الأندلس، كان بحاجة إلى كثير من الجهد في مواجهة الحركات الداخلية من القبائل القيسية واليمنية وحركات البربر( ).
    من جانب آخر كانت الدولة الميروفنجية، قد انتهى دورها السياسي، وورثتها دولة جديدة عرفت باسم الكارولنجية ( )، والسمة البارزة في الدولة الجديدة، أنها كانت دولة نصرانية، غلب عليها الطابع الديني، وعد ملوكها أنفسهم حماة النصرانية، والمدافعين عنها، لهذا امتازت صلاتها بالبابا بأنها جيدة وعميقة، ولأنها ارتكزت على رجال الدين النصارى، أثر ذلك على الدور السياسي إلى الدولة، في حمل أعباء المطالب المرفوعة لهم من البابا، أو عدوا واجبهم الأول حماية النصرانية ومحاربة أعدائها، والعمل على نشرها، مما شكل طرفاً مهماً في حربهم مع المسلمين( ).
    إن ضعف الحكم الإسلامي في الأندلس في عهد الوالي يوسف الفهري 129-138هـ/746-755م، ساعد بلاي على تأكيد سيادته، حيث نجح في عام 133هـ/750م من الانتصار في معركة كوفادونجا ( ) على المسلمين وتوفي بعد ذلك بقليل في السنة نفسها ( ). المهم في حركة بلاي أنها مثلت أول تجمع نصراني صمد أمام المسلمين، واستطاع إقامة نواة
    لأول دويلة، إدارة المقاومة في الأندلس ضد الولاة المسلمين، وشجع انتصارهم في كوفادونجا، على عدم الانصياع للحكم الإسلامي. وكان للدور الأوربي ضد المسلمين في الأندلس، دور مهمّ في الضغط عليهم مما فسح المجال للمقاومة الأسبانية أن تثبت وجودها بعد أن بدأت التحركات العسكرية الخارجية تؤثر على الحكم الإسلامي فشغلتهم عن السيطرة عن شؤون الأندلس. وكان تنصيب ببان القصير – أو بيبن كما سمي – حاكماً، ومنحه لقب الملك من البابا، أشار إلى توجه جديد لحرب المسلمين بدعم بابوي، وبخاصة أن الملك الجديد أستغل ضعف المسلمين، والمقاومة النصرانية في سبتمانية، في أواخر عهد الولاة ومطلع عهد الإمارة، إلى مهاجمة أربونة – قاعدة المسلمين العسكرية في إقليم سبتمانية عام 133هـ/750م، وحاصرها مدة طويلة، وبدعم من سكانها النصارى الذين راسلوه، وساعدوه في الدخول إليها، عندما هاجموا الحامية
    العسكرية الموجودة فيها، وبذلك سقطت المدينة، وأبقى فيها جيشاً كبيراً، لحمايتها والدفاع عنها( ).
    ولزيادة الضغط على المسلمين عمد أيضاً إلى تحسين علاقاته بالنصارى في الأندلس، وتحريضهم على التمرد بالتعاون معه( ). وواصل شارلمان( ) سياسة سلفه في محاربة المسلمين في الأندلس، وكانت الخطوة الأولى توثيق صلاته بالنصارى في الأندلس، حتى المسائل الدينية الخاصة بقطالونيا، ارتبطت برئيس أساقفة أربونة، في حين صارت الشؤون الدينية في منطقة أراغون( )، من اختصاص رئيس أساقفة اوش( ) من مقاطعة جيرس الفرنسية. بل نجد ان
    شارلمان نفسه كان ينظر في منازعات النصارى الأسبان، والتوسط لهم عند البابا( ). ودلل هذا على إحرازه مكانة مرموقة، ونفوذ كبير عند نصارى الأندلس.
    ومما يوضح انه خطط لإيجاد أنصار مؤيدين له في البلاد المزمع التوجه إليها، بهدف
    قتال المسلمين، وفعلاً أخذ على عاتقه مسؤولية قيادته العسكرية، وأبدى الأمراء الطاعة له، وقام بتعبئة جهودهم إلى الحرب في الأندلس، وأبدت برشلونة الطاعة له أيضاً، كما أعلن النفير العام، وحضر إليه مقاتلي مناطق عدة، من ألمانيا ولمبارديا الإيطالية والفرنسيين( ).
    وفي سنة 162هـ/778م، توجه شارلمان قاصداً الأندلس، على رأس جيش كبير جداً، ويبدو أنه أراد السيطرة على البلاد، من أجل تأمين حدوده الجنوبية، واجتاحت قواته بنبلونة( ) وفتحها، ثم هاجم سرقسطة( )، وعمد إلى حصارها، ولكن اضطراب الأوضاع في دولته أجبرته على الانسحاب والعودة( ). وتعرض عند ممر رنسفاله – أو شرروا – في جبال البرت إلى مهاجمة قبائل الباسك، ولا يستبعد أن هجوماً مشتركاً قام به الأخيرين، مع المسلمين بقيادة مطروح وعيشون أولاد حاكم سرقسطة سليمان الإعرابي، أسفر عن إبادة معظم مؤخرة جيشه، ولقي عدد من قادته مصرعهم ومنهم قائده رولان في أثناء انسحاب الفرنجة( ). ويلاحظ إن حملة شارلمان، 162هـ/778م، وظف فيها العامل الديني، بشكل شجع النصارى على حشد جيش كبير، إذ أعلن شارلمان أن القديس جيمس زاره في منامه، ولأربع مرات، وطلب منه التوجه إلى جليقيةوانتزاعها من المسلمين، ولإثارة الحماسة الدينية، أسربت رواية مفادها أن جثمان القديس هذا، يوجد في مكان غير معروف في الأندلس، كما أن البابا نفسه أعطى مباركته إلى حملة شارلمان( )، فهي تحالف عسكري، غلب عليها الطابع الديني، وهدف أيضاً إلى استغلال تلك المشاعر الدينية عند النصارى في الحرب. ويمكن إرجاع إخفاق حملة عام 162هـ/778م، إلى سوء تقدير الأوضاع في الأندلس( ).
    وعلى الرغم من إخفاق حملة عام 162هـ/778م، من تحقيق أهدافها، ظلَّ شارلمان عازماً على وضع حد إلى قوة المسلمين، وحماية السواحل الأوربية الجنوبية من غاراتهم، ويبدو أن التفوق البحري الإسلامي، وهيمنتهم على الملاحة، كان سبباً وراء سعي شارلمان في ضربهم، وكسر تفوقهم البحري، بوساطة خطة واسعة تبدأ بضمان حماية حدوده الجنوبية براً، من خلال إقامة منطقة إدارية حدودية مع المسلمين في الأندلس، عرفت باسم ماركية أسبانيا March of Spain، في عام 179هـ/795م، وشحنها بقوة عسكرية متأهبة إلى الدفاع عنها يمكن أن نسميها بالمفهوم المعاصر – إذا جاز التعبير – (حرس الحدود). ثم ضم جزر البليار( )، عام 183هـ/799م، إلى حكمه لمنع مسلمي الأندلس من الاستفادة منها، إذ وقعت بأيديهم كقواعد بحرية إسلامية لمهاجمة إيطاليا وغاليا( ). إلا أنه لم يلبث أن واجه قوة بحرية إسلامية مثلها حكام المغرب الأغالبة، الذين فرضوا نفوذهم على القسم الغربي من البحر المتوسط، وعلى الرغم من تحالفه مع البابا ليو الثالث 179-201هـ/795-816م، وتعاونهم في كسر هيمنتهم البحرية، وبخاصة بعد سيطرتهم على جزيرة صقلية، واتخاذها قاعدة للعمليات العسكرية البحرية، أخفقا في ذلك( )، وتعطلت الاتصالات بحراً بين بيزنطه وإيطاليا وبلاد الفرنجة( ).

    وعليه فأن علاقة شارلمان بالبابوية كانت وثيقة، وكسبت حروبه طابعاً دينياً، وأسهمت مباركته البابوية لها في إعطائها صبغة دينية مقدسة، حتى يمكن عدها – إذا صح التعبير- حرباً دينية، ولعل أنشودة رولان، التي سجلت أحداث حملته على الأندلس، عام 162هـ/778م،
    دليل آخر في إثارة الحماسة الدينية عند النصارى، واستغلت في الدعوة فيما بعد إلى الحرب الصليبية. وتصور أنشودة رولان، مبادئ الشجاعة، والفروسية والدعوة إلى قتال المسلمين،
    فهي ملحمة بطولية، أعدها الشاعر النورماني تيرولد، على لسان تيرين رئيس الأساقفة، وممن أشترك في حملة عام 162هـ/778م، إلى الولاء لشارلمان بقوله (ما أروع الولاء لمليكنا) ثم واصل الكلام موجهاً إياه إلى النصارى لتحفيزهم على قتال المسلمين بالقول:
    ((المعركة الوشيكة الوقوع، أنتم لها))
    ((أنكم ترون المسلمين بأعينكم))
    ((صلوا وتضرعوا لنيل المغفرة))
    من أجل طهارة أرواحكم سوف أتضرع

    وأشادت بشجاعة رولان – أورولاند –
    أن كونت رولاند يتبختر في الميدان
    ممسكاً بدندال – سيف –
    لقد أوقع بالمسلمين أفدح الخسائر
    تراهم واحداً فوق واحد، صرعى كالأكوام
    وأعطت القصيدة رولاند نوعاً من القدسية، والتبجيل في الحياة الأخرى بعد الموت، كونه حارب بشجاعة ضد المسلمين ( ).
    وارتبط بالقصيدة أيضاً قصة حج شارلمان إلى الأماكن المقدسة، ومفادها قيام شارلمان بقيادة النصارى ضد المسلمين، بعد عودة الحياة إليه – النهوض من الموت إلى الحياة – وأظهرت شارلمان في صورة محارب صليبي، يخوض حروب عدة ضد المسلمين، ومحققاً انتصارات عدة عليهم، ثم حج إلى بيت المقدس وزار القسطنطينية، وأنه منح ملكية القبر
    المقدس – قبر النبي عيسى عليه السلام – وأن بطريق بيت المقدس أرسل إليه مفاتيح هذا
    القبر المقدس، أي سلم له الزعامة الروحية للعالم النصراني. المهم أن قصيدة رولاند، وحج شارلمان، أساطير مبالغ فيها، تم أحياؤها في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، من أجل إثارة النصارى معنوياً، وكما ظهر منها أنها ربطت بين الشرق والغرب، ودعت إلى وحدة نصرانية دينية، لحرب المسلمين( ). ويبدو أن إعطاء حرب شارلمان سمة دينية، جاءت ليس من تأييد البابوية له فقط، بل كان مدافعاً عنها حتى أنه حارب حاكم لمبارديا الإيطالي، حين تعرض إلى أملاك البابا، وأخضعه، ثم نجد شارلمان في حروبه مع السكسون لم يقتصر على هزيمتهم، بل عمد إلى تنصيرهم( ).
    وعلى الرغم من فشل شارلمان من السيطرة على الأندلس، ظلَّ يترقب الفرصة المناسبة للتدخل في شؤون الأندلس، وبخاصة أن المسلمين تمكنوا في عهد عبد الرحمن الداخل( ) 138-172هـ/755-788م، وهشام بن عبد الرحمن( ) 172 – 180هـ/788-796م، والحكم بن هشام بن عبد الرحمن( ) 180-206هـ/796-821م، من توجيه ضربات قاضية إلى دويلات النصارى في الأندلس، وصارت الإمارات الشمالية غير قادرة على الصمود أمام المسلمين أو مجاراتها، مما أضطرهم إلى مهادنتهم( ). ونجح الأمير الحكم من فتح عدة حصون في نافار، وهاجمت قواته الثغر الأعلى( )، قاصداً المناطق التي سيطر عليها الفرنسيون في الأندلس المعروفة باسم الثغر الغوطي، وكبدتهم خسائر كبيرة، كما ضيق عليهم بحراً، ووقع الكثير منهم وأموالهم أيضاً بأيدي المسلمين( ). ويبدو ان العمليات الحربية الإسلامية، وبخاصة في عهد الحكم الأول، أثارت قلق شارلمان، ودفعته إلى التفكير في الرد العسكري عليها، ومن أجل ضمان مساعدة قبائل البشكنس، التابعين إلى حاكم جليقية. وانحاز إليهم جيوم حاكم طولوشة، وهدف شارلمان السيطرة على برشلونة، من أجل الدفاع عن حدوده الجنوبية ولاتخاذها، وسيلة اتصال بحري مع فرنسا( ).
    ففي عام 185هـ/801م، سار أبنه لويس بالجيش الفرنسي إلى برشلونة، وقسم الجيش إلى ثلاث فرق، الأولى تهاجم برشلونة، والثانية برئاسة جيوم مقرها بين منطقتي لاردة( ) وطركونة ( )، والثالثة عند جبال البرت برئاسة لويس، وكان هدف الجيشين الأخيرين – الثاني والثالث – منع المسلمين من إنقاذ مدينتهم، وقطع الاتصالات عنها، وبعد حوالي سبعة أشهر من الحصار، سقطت المدينة. وكان فقدان المسلمين لها خسارة كبيرة، لأنهم فقدوا مركزاً عسكرياً مهماً في الثغر الأعلى، حوله الفرنسيون مقراً لقواتهم العسكرية، التي صارت تشن منه هجماتها على مناطق الثغر الأعلى، مثل طركونة وطرطوشة ( )، إذ هاجم الفرنسيون، في عام 192هـ/807م، طرطوشة، بقيادة لويس بن شارلمان، ورد عليهم الحكم الأول بإرسال جيش
    كبير برئاسة أبنه عبد الرحمن( )، وأسهم فيه العديد من المجاهدين، لردع عدوان الفرنجة الذين استباحوا أراضي المسلمين، وأشتبك الجيشان في معركة طاحنة، أنتصر فيها المسلمون، وأبادوا معظم القوات المعادية، وأنقذوا المدينة من السقوط، وفي سنة 193هـ/808م، أعادت القوات الفرنسية المحاولة، ولكنها أخفقت أيضاً، ونجح المسلمون عام 196هـ/811م، من صدهم عنها أيضاً, وهزم المسلمون عام 200هـ/815م تحالف نصراني ولقي قادته مصرعهم، ومنهم شانجه فارس بنبلونة وغرسيه بن لب خال الفونسو، وأحد القادة الفرنسيين المدعو وصلتان( ) فارس المجوس( ). ثم تراجعت العمليات العسكرية للفرنسيين بعد وفاة شارلمان عام 199هـ/814م، وصارت المبادرة بيد المسلمين فيما يبدو لبعض الوقت( ).
    إن التفوق العسكري الإسلامي على حساب الممالك النصرانية الشمالية( )، جعل النصارى يبحثون عن حافز ديني يدعمهم روحياً في القتال ضد المسلمين( )، وأستغل الفونسو الثاني 175-227هـ/791-841م، رواية أحد الرهبان في جليقيةالغربية، زعم أنه رأى في أحد الأماكن نوراً سماوياً يكشف عن قبر القديس ياقب الرسول وحمل أسقف أيريا الخبر إلى الفونسو، وأمر أن تبنى فوق هذه البقعة كنيسة( ).وصار قبر القديس ياقب – يعقوب – مكاناً مقدساً لا يقل عن بيت المقدس وروما، وتحول المكان إلى مدينة واسعة سميت شنت ياقب المقدسة، وصارت حرب النصارى ضد المسلمين تحمل طابعاً دينياً، ولإقناع العامة ودفعهم إلى
    التصديق بأن القديس يباركهم ويحميهم وأشار العديد من الحكام والقادة العسكريين، بأنه شاهد سنتياجو، في المعركة راكباً فرس بيضاء، وبيده سيف براق، يساعدهم في الحرب ضد المسلمين للظفر بالنصر، حتى أطلقوا عليه تسمية قاتل المسلمين( ). أذن هي دعوة إلى قتال المسلمين واسترجاع أراضيهم بدعم ديني، أنطلق بتصوير سنتياجو على شكل محارب يقاتل معهم.
    إن تدخل رجال الدين النصارى والبابوية، في صياغة مفهوم الحرب المقدسة ضد المسلمين لم يظهر عبثاً بل جاء بصورة تدريجية، وأثرت في الدعوة إليه العمليات العسكرية، في الفتح ونشر الإسلام التي قادها المسلمون.
    على أثر ذلك بدأت فكرة الحرب الدينية تظهر، كوسيلة مجدية في إيقاف التوسع الإسلامي، وحشد طاقات النصارى في حرب مقدسة، ثم تبلورت هذه الفكرة على يد الكلونيين، وفتح وليم التقي دوق أكوتين، أول دير كلوني Cluny، عام 298هـ/910م، وأصبحت مقاطعة برغنديا الفرنسية مقراً رئيسياً إلى الكلونيين، ودعا هؤلاء إلى دعم الجهد الحربي المناوئ إلى الوجود الإسلامي في الأندلس( ).
    ولما كانت البابوية تهدف من قيام حرب برعايتها وأشرافها، إلى فرض نفوذها على الأمراء والحكام، وإحراز مركز متقدم لها، بوساطة حرب مقدسة بقيادتها( ). عمد البابا يوحنا العاشر 302-316هـ/914-928م، بالتعاون مع الدولة البيزنطية، على تشكيل هيئة موحدة من الأمراء النصارى، في عام 303هـ/915م، عملت على طرد المسلمين من المناطق التي انتزعوها من النصارى، وشجعت مباركة البابوية هذه على تعاون النصارى لقتالهم( ).

    إن هذا التشجيع من لدن البابوية انعكست آثاره على الأندلس، إذ نشطت الممالك الأسبانية في قتال المسلمين، ومحاولتها السيطرة على قاعدة الثغر الأعلى سرقسطة، وكانت هذه العمليات العسكرية في عام 304هـ/916م، إثارة مخاوف الأمير عبد الرحمن الثالث لأن تحركاتهم العسكرية لم تقتصر على توحيد قواتها المشتركة بقيادة ليون ونافار بل إنهم حصلوا على دعم أوربي تمثل بالفرنسيين، الأمر الذي تطلب ردة فعل قوية من المسلمين، فدارت في عام 308هـ/920م، معركة عنيفة ودامية بينهم وبين الأسبان وحلفائهم الفرنسيين أسفرت عن هزيمة ساحقة للنصارى( ). ولكن لم يلبث الأسبان أن وجدوا في شخص راميرو قائداً لقيادة حربهم ضد المسلمين، إذ كان حاكماً قوياً في مملكة ليون، استطاع إعادة التحالف القائم مع نافار، ومما ميز هذا الشخص أنه كان متعصباً دينياً، وحاقداً على الإسلام والمسلمين، مما جدد الاصطدام العسكري بين الجانبين، عام 327هـ/938م، انتهى بهزيمة المسلمين، في مكان عند خندق مدينة شمنقه( ) أو شنت منكش( ). ويبدو أنَّ تجدد العمليات العسكرية في عهد راميروا كان لها بعدٌ دينيٌ اكثر من كونه توسعاً إقليمياً، لأنه كان له توجهاً دينياً، بلوره في تعصبه الديني ضد المسلمين.
    ومن جانب آخر نظراً لأهمية ممرات جبال الألب، التي كانت تربط بين فرنسا وإيطاليا، لذلك أصبحت ساحة للعمليات العسكرية، ومعبراً للقوات الإسلامية المتوجهة إلى مناطق أوربا سواء، إيطاليا أو فرنسا أو سويسرا، وقد أستغل رجال الدين الكلونيين سيطرة المسلمين على
    هذه الممرات، وتعرضهم إلى قوافل الحجاج إلى الدعاية والتحريض ضدهم، ولأن المسلمين ظلوا يتحكمون في المواصلات عبر جبال الألب، لم يكتفِ رجال الدين على التحريض ضدهم، ثم قادوا المقاومة المسلحة ضدهم، وبرز دور فالتو – رئيس دير سانت غالن عام 343هـ/954م، إلى مجابهتهم، وسلح أتباعه بالحراب والمناجل والفؤوس وأزداد نشاطهم المسلح ضد المسلمين بعد ان تم اعتقال القديس مايوليوس ورفاقه، عام 363هـ/973م، من قبل المسلمين، ولم يطلق سراحهم إلا مقابل ألف دينار عن مايوليوس ودينار عن كل واحد من رفاقه، إذ اعتبرت هذه الحادثة إهانة إلى النصارى، وبالغ فيها رجال الدين، لاستغلالها في دفع اتباعهم إلى مناهضة المسلمين لذلك دعوا النصارى إلى القيام بواجبهم بتحرير بلادهم من المسلمين، وقادوا حركة تحررية نجحت في استعادت بعض المناطق، ثم حشدت جموع المقاتلين من بروفانس ودوفينيه، وكان هدف حملتهم في عام 365هـ/ 975م، السيطرة على حصن فركسينت الذي يسيطر على المواصلات ما بين شمال إيطاليا وفرنسا وسويسرا، وحقاً نجحوا
    في الاستيلاء على هذا الحصن، وطرد المسلمون من معقل فرنسي مهم، ومنح الأساقفة الذين اشتركوا في هذه الحملة مساحات كبيرة من الأراضي التي تم استرجاعها وذلك تعويضاً لهم عن دعمهم إلى المجهود العسكري( ).
    كما شهدت شواطئ البحر المتوسط الغربية تحالف نصراني آخر ضد مجاهد العامري، حاكم دانية والجزائر الشرقية، والذي عرف بنزعته التوسعية، فضم سردينيا، عام 406هـ/1015م( )، مما أدى إلى تشكيل تحالف ضده من لدن المدن الإيطالية جنوا وبيزا، برئاسة البابا بندكت الثامن، ونجح في استعادة سردينيا، عام 407هـ/1016م، وإخراج مجاهد العامري منها ( ).
    ويبدو أن الأسبان أسهموا في التحالف ممثلين ببرشلونة الواقعة بالقرب من جزيرة سردينيا، والقريبة من سواحل الجزائر الشرقية، إذ شارك أسطولهم فيه، علماً أن هنالك سفن نصرانية أخرى أسهمت أيضاً ولكن لم تعرف هويتها( ). وبدا من ذلك أن الحملة كانت كبيرة وضخمة جداً هدفت إلى توجيه ضربة قاسية إلى مجاهد العامري إذ وجدوا فيه خطراً يهددهم.
    وعلق ابن الخطيب على هذه الحادثة بقوله (وتداعى عليه ملوك الأرض الكبيرة واستجاشوا. وبلغه من أمرهم ما لا يطيقه، فعزم على التحول إلى محله، والقفول إلى دار ملكه بدانية وميورقة، فأعجله العدو عن ذلك، وقطع به. فكانت وقعة شنيعة، وظهور ما سمع بمثله، فقتل من أصحابه وجنوده عالم لا يحصى وملكوا أسطوله، واستنقذوه، واستولوا على حريمه، وفيهن نساؤه وبناته…)( ).
    كانت فرنسا مقراً مهماً إلى الدعوة الحربية النصرانية ضد مسلمي الأندلس، وتولى رئاسة النصارى المناهضين إلى الوجود الإسلامي في الأندلس، الكلونيين، واشتهر دير كلوني برئاسة أوديلو 384-440هـ/994-1048م، ومن بعده هيو 440-503هـ/1048-1109م،
    بدراسة أوضاع الأندلس، وإدارة حرب منظمة ضد مسلميها، وشكلوا حلفاً كبيراً لمحاربة المسلمين، ضم ممالك ليون وقشتالة، وأختير ملك نافار سانشو – أو شانجه – غرسيه الثالث 391-426هـ/1000-1034م، لرئاسة هذا الحلف، ثم ضموا إلى حلفهم وليم دوق غسكونيا( ) (غسقونية)، في حين رفض ملك فرنسا روبرت الثاني 386-423هـ/996-1031م، تقديم المساعدة لهم، على الرغم من أن الأمل الذي عقد على هذا التجمع لم يحقق الأهداف المطلوبة( )، ولكنه استطاع على أقل تقدير في قيام توحيد الممالك الشمالية الأسبانية ليون وقشتالة وأرغون ونافار، تحت قيادة واحدة مثلها سانشو الثالث ) ).
    واستمر الدير الكلوني، في دعم الجهود الرامية إلى طرد المسامين من الأندلس، باستقطاب العناصر ذات القدرة والكفاية، وأثنى الدير على مساعدة النورمان، إلى كونتية برشلونة، عام 409هـ/1018م، في قتال المسلمين، وصار لهذا الدير في عهد سانسو الثالث وحلفائه، نفوذاً واسعاً على الكنيسة الأسبانية، بدعم ومباركة دينية، من البابوية، وانطلاقاً من ذلك لقيت مساعدة حاكم غسقونية سانشووليم، إلى حاكم نافار، في قتال أمير سرقسطة المسلم ترحيباً( )، ويبدو ان ذلك كان في عهد الأمير سليمان بن محمد بن هود ( )، حيث استغل غرسيه حاكم نافار خلاف هذا الأمير مع حاكم طليطلة( )، لتوسيع مملكته، بعد أن وصلت إليه المساعدة الحربية الخارجية( ). وحفز الدعم الكلوني أيضاً، حاكم برشلونة رامون برنجير الأول
    427-469هـ/1035-076م، إلى العمل على طرد المسلمين باتجاه الجنوب( ).
    ومنذ بداية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي هاجر العديد من الفرنسيين من مقاطعات الأكتيان – برغنديا – إلى الأندلس، ووجد الرهبان في الأديرة الكلونية فرصتهم في حشد الطاقات العسكرية الفرنسية، وحثها على الذهاب إلى الأندلس لقتال المسلمين، وأخذ المغامرون الفرنسيون يقصدون الأندلس، منذ عام 409هـ/1018م، ومعهم أنصارهم، وكان أغلبهم من أمراء برغنديا، وظل الدعم العسكري الفرنسي متواصلاً إلى الممالك الشمالية الأسبانية ( ).
    والملاحظ عند النظر إلى العون الفرنسي المقدم إلى النصارى الأسبان، أن إقليم برغنديا كان في طليعة المساهمين، مما أشار إلى عمق التأثير الديني الكلوني في هذه المقاطعة، لأنها المقر الرئيس لهم. ويبدو أن هذه الأديرة الكلونية في فرنسا، وجدت في العمل العسكري في الأندلس، فرصة مناسبة لنشر مبادئها، في الوقت ذاته كانت البابوية تعمل على إيقاف النزاعات والخصومات بين الأمراء والحكام، وتوجيه القوة العسكرية النصرانية الأوربية، باتجاه المسلمين، وهو ما فسر حقيقة استغلال الدعم الروحي والمعنوي إلى الفرسان والأمراء المغامرين، ولهذا السبب قصد عدد من أمراء برغنديا، الأندلس في عام 425هـ/1033م( ). من جانب آخر شكلت مؤسسات دينية مرتبطة بالنصارى، كان هدفها معالجة مشكلة النصارى الذين كانوا يقعون في أيدي المسلمين، ولأن العمليات العسكرية كانت متواصلة بين المسلمين والنصارى في المغرب والأندلس، نجد أنها تركزت في هاتين المنطقتين، وعلى ما يبدو أنها كانت بإشراف ديني من رجال الدين النصارى، ومثل على ذلك، أن إيزان رئيس دير أساقفة القديس فيكتور في مرسيليه، غادر في عام 439هـ/1047م، إلى الأندلس، ودفع أموالاً إلى المسلمين لإطلاق سراح عدد من الأسرى النصارى الذين وقعوا في أسر المسلمين ( ).
    وهكذا بدأت العمليات العسكرية ضد المسلمين، تأخذ مفهوم الاسترداد، أي استرجاع الأراضي التي فتحوها المسلمون، وأن جذور تلك السياسة، رجعت إلى حدود منتصف القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وبخاصة في جنوب البلاد، حين أستعاد النصارى الأسبان سيادتهم على (لك) في شمال غربي البلاد، ثم استرقه في شمال نهر دويرة( ) وسمورة وشلمنقة( )، وابله( )، وزادتهم حماستهم بسقوط طليطلة، عام 478هـ/1085م –كما سنرى – فكثرت هجماتهم على المسلمين( ). واتخذت هذه الحركة في فترة حكم فرناندو الأول حاكم ليون وقشتالة 426-458هـ/1034-1065م، سمة دولية، إذ صارت ذات مفهوم ديني عند الغرب الأوربي، لأنها جهاد مقدس هدفه ليس حرب المسلمين فقط، بل وطردهم من كافة بلاد الأندلس( )، ومن هذا المنطلق استولى فرناندو الأول، عام 449هـ/1057م، على مدينة بازو Viseo جنوبي نهر دويرة، ونكل بأهلها بعد أن قتل وأسر العديد منهم، وسقطت بيده أيضاً مدينة مليقة الواقعة شمال بازو، وفعل الشيء نفسه بأهلها، وأسكن الأسبان في المدينتين( ). وأتخذ فرناندو لقب الكبير والإمبراطور تعبيراً عن نفوذه الواسع على جميع بلاد الأندلس، وبخاصة انه وحد الممالك الأسبانية في الشمال تحت سلطته( ).
    حملت سياسة الاسترداد في طياتها هدفاً آخر غير الهدف التوسعي، هو أضعاف الجبهة الداخلية للمسلمين، عن طريق أثاره الخلافات بينهم، ولعبت تركيبة المجتمع الأندلسي دورها في نجاحهم، إذ ضمت فئات عدة، غير متجانسة، وكان العرب هم الطبقة العليا في المجتمع ومن البربر والمولدين( ) وصقالبة( ) والمستعربين( )، ومن يقرأ تاريخ الأندلس، يلاحظ أن الفئات الأربعة الأخيرة، كانت تطمح إلى مرتبة أعلى، وقامت بحركات عدة، وهنا تكمن خطورة هذه السياسة، في استغلال الفتن والخلافات ضد الحكم الإسلامي في البلاد. وركزت سياستهم أيضاً على استخدام سياسة البطش والشدة، والإبادة الجماعية وكانت غايتهم من ذلك، عند سيطرتهم على المناطق الإسلامية، إنهاك المسلمين بشرياً ومن ثم معنوياً، مما يؤدي إلى شل قدرتهم القتالية( ).
    بدأت البابوية بزيادة تدخلها في شؤون الأندلس، وكان الكرسي البابوي في روما، يتبع في أسبانيا سياسة الإدماج الديني، إذ أن عملية الإصلاح الديني في البابوية، استهدفت توحيد
    الرئاسة الدينية، وجمع الكلمة العليا بيد كنيسة روما، وهذا معناه إلغاء الصفة الاستقلالية لجميع الكنائس التي انفصلت عنها في السابق، وطرحت نظرية الحق البابوي في الكنائس الواقعة في المناطق المحررة من الأعداء – المسلمين – ولهذا أمست الأندلس مجالاً إلى النفوذ البابوي، الذي حاول البابا من خلاله استغلال سلطته الدينية، في توجيه الجماعات الفرنجية لتقديم خدماتها العسكرية إلى الأسبان في الأندلس، وشجع الرأي المؤيد لروما – مقر الكرسي البابوي – وأسهم في دعم رأي البابوية في العمل العسكري على حساب كنيسة أسبانيا المستقلة عنها( ).
    كان البابا الإسكندر الثاني 453-466 هـ /1061 -1073 م عازماً بشكل كبير على قيادة العمليات العسكرية ضد المسلمين، ومحاولة طردهم من البلاد، وخطط من أجل تحقيق غاياته هذه على توثيق صلاته بالأسبان النصارى كخطوة أولى، ومن ثم الدعوة إلى حرب مقدسة دينية لمناصرتهم كخطوة ثانية. ولهذا فقد حقق نفوذاً واسعاً في مملكته اراغون، وساهمت هذه المملكة بدور بارز في عهده في قتال المسلمين، وهو ما جعله يتوقع إلى مد نفوذه وسلطته إلى مملكة قشتالة، من أجل الإسهام في خطة التدخل العسكري في الأندلس، والتي خطط لها
    في أواخر عهده، ولكن الخلافات الناجمة عن سيادته في بسط نفوذه عليها، أحبط ما عقد عليه
    العزم في هذه المملكة( ). وكان من نتائج الدعم البابوي إلى أراغون نشاطها عسكرياً في
    قتال المسلمين، ففي عام 455هـ/1063م، هاجم أميرها راميرو الأول Ramiro 1
    426-455هـ/1034-1063م، سرقسطة، مستفيداً من تدهور أوضاع الأندلس في عهد ملوك الطوائف، وانفراط الوحدة فيها خلال المدة ما بين 422-484هـ/1030-1091م، وأشتبك مع خصومه عند أسوار جرادوس Gradus، ولكنه هزم وقتل على يد المسلمين، وآثارة حادثة مقتل راميرو الأول مشاعر النصارى الأوربيين( )، وعمل البابا الإسكندر الثاني على استغلالها في حشد الطاقات العسكرية، لقتال مسلمي الأندلس وهو ما مهد إلى حملة بربشتر( ) Berbastro، عام 456هـ/1063م، التي بشر بها البابا، وكانت غايتها نجدة مملكة نافار ومملكة أراغون في شمال الأندلس، وبخاصة بعد مصرع حاكم اراغون راميرو الأول، عام 456هـ/1063م، على يد المقتدر بن هود( ) 438-474هـ/1046-1081 حاكم سرقسطة، ولا يستبعد ان الهدف كان السيطرة على الثغر الأعلى القاعدة العسكرية للمسلمين، والتي لعبت دوراً مهماً في عملياتهم الحربية ضد الممالك الأسبانية الشمالية وحلفائهم الأوربيين( ). وصار لراميرو، حضوة عند النصارى، حين قتل وهو يقاتل المسلمين، فأستغل البابا الإسكندر الثاني، هذه الحادثة في إثارة المشاعر الدينية، وصرح بإعطاء الغفران لكل من قتل في مواجهة عسكرية من أجل الصليب في الأندلس( ).شجع هذا الدعم الديني من البابوية على قيام تحالف كبير أسهم فيه النورمان من ولاية نورمانديا بالجزء الأكبر من قواته( ). وضم هذا التحالف عناصر مختلفة معظمهم من فرنسا( )، حتى حددت بعض المصادر التاريخية، عدد القوات المتحالفة بنحو
    أربعين ألف مقاتل( ). وكانت القيادة العليا في هذه الحملة بيد - البيطبين أو البيطين، وعلى ما يبدو أنه كان تحريف إلى الاسم الحقيقي لهذا القائد، وهو بلدوين دي فلانس، الذي عهد إليه الوصاية على الملك الفرنسي فيليب الأول( ). أما عن التشكيلات العسكرية التي تألفت منها الحملة فهي كما يلي:
    1- جيوم دي مونتروي النورمندي حامل شعار البابوية، وبعث به البابا الإسكندر الثاني على رأس المقاتلين الإيطاليين، وكان هذا القائد قائداً للجيوش الرومانية والبابوية، وعلى اتصال وثيق بالكرسي البابوي.
    2- النصارى الأسبان، إذ شاركت مملكة أراغون برئاسة حاكمها سانشو بن راميرو الأول 455-487هـ/1063-1094، ورافقه أيضاً الكونت أورخيل، ابن شقيق سانشو بن راميرو، وكان قائداً إلى جيش برشلونة.
    3- البارون روبرت كرسبين، الذي تولى رئاسة القوات الفرنسية الجنوبية مثل نومانديا واكيتانية.
    4- جي جيوفروا قائد مقاتلي بواتية وبوردو( ) (برذيل).
    5- وشارك معهم أيضاً، أبلس كونت روسي وشقيق ملكة أراغون، بجنوده النورمان من شمال فرنسا، وانحاز إليهم للشد من أزرهم جغري كونت اكيتانيا الفرنسية والروذمانيين( ).
    انطلقت الحملة من فرنسا حيث حشد جيوم دي مونتروي عشرة آلاف فارس، في ولاية نورمانديا الفرنسية( )، ثم غادرتها إلى برشلونة حيث انضمت إليها القوات البرشلونية( )، واتجهت بعدها القوات النصرانية المتحالفة إلى الثغر الأعلى الأندلسي، وقصدت مدينة وشقة( )، التي
    تمت محاصرتها أياماً دون أن يفلح الأعداء في الاستيلاء عليها. مما دفع إلى تحويل مسارهم شرقاً إلى مدينة بربشتر، وفرض عليها الحصار، في مطلع، سنة 456هـ/1063م( ). وحدثت هذه الحملة في ظل الانقسام الذي ساد الأندلس، وأدت الخصومات بين الأمراء وملوك
    الطوائف في منع تقديم المساعدة إلى المدينة، وبخاصة الخلاف الذي كان قائم بين المقتدر بن هود وشقيقه يوسف بن هود الملقب بحسام الدولة( )، وعلى الرغم من التفوق العسكري لقوات الحملة، إلا أن المحاصرين دافعوا عن مدينتهم، ذات الأسوار المنيعة، وحدثت الكثير من الاشتباكات العنيفة بينهم وبين المهاجمين، ولمدة أربعين يوماً، لكن الغزاة لجأوا إلى طريق آخر في مهاجمتهم إلى بربشتر، وهو قطع الماء عنها، الأمر الذي أثر على الروح المعنوية للمدافعين، فحاولوا عقد الصلح معهم، والحصول على وعد منهم بعدم معاقبة أهالي المدينة، لكن الغزاة رفضوا واستولوا عليها بالقوة ( ).
    كان سقوط المدينة حادثاً أليماً شديداً على المسلمين، إذ استباح الغزاة المدينة وقتل العديد من سكانها، ونهبت أموالها، حتى بلغت أعداد من قتل وأسر بنحو ما بين الخمسين ألفاً إلى المائة ألف. وأستعمل قائد القوات الغازية المكر والخداع في استدراج المسلمين للبطش بهم حيث نادى بتأمين من بقي، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة، ثم أمر قواته بقتلهم، إضافة إلى إن العديد من الأهالي لقوا مصرعهم عند خروجهم من المدينة، قاصدين شرب الماء نتيجة العطش الكبير الذي عانوا منه خلال فترة الحصار، إذ تدافع الناس جراء الازدحام الحاصل، ومارست القوات الغازية مذابح كبيرة حتى حصول الأهالي على الأمان( ). وعندما خرجت القوات الغازية من المدينة حملت معها العديد من الأسرى، وقدرت بعض المصادر عدد النساء الذين أخذوا أسرى بألف وخمسمائة جارية( ). في حين ذهبت مصادر أخرى إلى انهم كانوا خمسة آلاف جارية( ). ثم ترك في المدينة حامية عسكرية ضمت، ألف فارس وأربعة آلاف راجل( )، وهناك من جعل عددهم ما بين ألف وخمسمائة فارس وألفين راجل( ). وصارت بربشتر تابعة إدارياً إلى مملكة أراغون، وجعل سانشو بن راميرو الأول على حاميتها العسكرية، ابن أخيه قائداً، وبذلك صارت أمور المدينة بيد أورخل . لو تتبعنا أعمال السبي وانتهاك الحرمات، وسلب الأموال، نجد ذلك يتفق مع توجهات البابا الإسكندر الثاني، الذي أكد إلى نصارى الأندلس في رسالته إليهم، بأن عدوهم المسلمين الذين يجب مقاتلتهم بمنتهى الشدة والصرامة ( )، ويفهم من ذلك أنها ليست حملة عسكرية فقط بل كانت حملة هدفت إلى اجتثاث الإسلام والمسلمين من المناطق المفتوحة( ).
    وتزامن ذلك أيضاً، في بروز إحدى الشخصيات المهمة، التي قادت المقاومة الأسبانية، وهو فرناندو الأول، ملك قشتالة، قد جمع بين التفوق العسكري والتدين، أي كان من المتدينين، مما أنعكس على تنامي عملياته العسكرية ضد المسلمين، انطلاقاً من إيمانه العميق بالقتال، الدفاع عن العقيدة النصرانية( ). ولهذا السبب عمد إلى مهاجمة مناطق سرقسطة( ) وطليطلة وبطليوس( )، منذ عام 442هـ/1050م، واستولى على عدة حصون منها، كما اضطرهم إلى أداء الجزية له( ). وبدت النزعة الدينية ذات الطابع العسكري، متجسدة بشكل واضح في عهد هذا الملك الأسباني، ومثل اتجاهه هذا خير دليل على الحرب الدينية المقدسة.
    ومما لا ريب فيه، أَنَّ ارتباطه الوثيق بالمؤسسات الدينية، من الأديرة ورجال الدين، مسؤول إلى حدٍ بعيد عما ميز عهده. واتسمت معاركه ضد المسلمين بالشدة، ثم كان يبادر إلى منح غنائم معاركه إلى الكنائس والأديرة، وهذا قد أتى من ارتباطه بصلات متينة مع رجال الدين، إذ امتاز بزيارته المستمرة إلى دير ساهاجون، وأقامته مع الرهبان فيه، وإلزامه بحضور الصلاة في الكنيسة الكبرى مع الأحبار، وامتازت علاقاته بالبابوية بأنها وثيقة، وعميقة، إذ كان من أشد المؤيدين لها، حتى أنه وقف ضد الإمبراطور الألماني هنري الرابع، عندما حاول التدخل في اختيار البابا، بجعل نوريوس الثاني محل الإسكندر الثاني، مما أغضب فرناندو ودفعه إلى تأييد الأخير ضد منافسه( ).
    مما لا شك فيه أن هذه العلاقة المتينة مع البابوية ورجال الدين، أثرت على العلاقات الخارجية العسكرية إلى فرناندو مع المسلمين، ومواقفه منهم، وبخاصة بعد ان بدأت الدعوة إلى حرب دينية مقدسة، جسدها البابا الإسكندر الثاني في محورين منح الغفران إلى المقاتلين، والدعوة إلى إنشاء فرق عسكرية لدعم الأسبان في الأندلس، فكانت الحملة الكبرى، في عام 456هـ/1063م على بربشتر واحتلالها( ).
    هذه الدعوة المباركة من البابوية في قتال المسلمين في الأندلس، إضافة إلى الخلفية الدينية إلى فرناندو، أدى إلى إعداد حملة عسكرية كبرى، ضد مسلمي الأندلس، إذ توجه فرناندو في البداية إلى مدينة شنت ياقب، وقصد القديس يعقوب، من أجل مباركة حملته، كما مكث في هذه البقعة ثلاث أيام، من أجل الدعاء والصلاة( ). وشارك رجال الدين النصارى من الأساقفة والرهبان في جيشه أيضاً، ثم سار إلى مدينة قلمرية( )، عام 456هـ/1063م، وحاصرها مدة ستة أشهر، أستبسل فيها المدافعون في صدهم، وكادت المعركة تحسم في صالحهم، بعدما شحت المؤن والأرزاق في المعسكر الأسباني، مما جعلهم يفكرون في الانسحاب، لولا أن تم مدهم بالمساعدة من قبل رهبان نصارى من دير لورفان، مما مكنهم من الاستيلاء على المدينة، ودخل فرناندو، وأنصاره من الأساقفة والرهبان إليها، ثم عين الكونت ششنند( ) حاكماً ( ). وعقب انسحابه وعودته قدم إلى كنيسة شنت ياقب، جزءً كبير من الغنائم( )، ومهد الاستيلاء على قلمرية إلى دعم مشروع الاسترداد، وأثمر عن توسيع رقعة الحكم الأسباني بضم المناطق الواقعة بين نهري دويرة ومينو، وكان هدف الملك الأسباني من ذلك تأمين حدوده مع المسلمين وإجلائهم عن المناطق المجاورة له( ).
    وعليه فأن عام 456هـ/1063م، كان تطوراً مهماً في تجسيد مفهوم الحرب الدينية ضد المسلمين، التي أسهمت فيه البابوية ورجال الدين النصارى بدور ملحوظ، الأمر الذي انعكست آثاره في استنهاض الهمم الأسبانية في مواجهة خصومهم. كانت حملة فرناندو، حملة ذات
    طابع ديني صرف في أعدادها، ومساهمة رجال الدين فيها، مما ترك انطباعاً مهماً على عمق التأثير الديني النصراني في القتال. ويبدو أن هذا الملك مزج بين الدين والسياسة، ووجههما في ميدان الحرب. حتى انه أمر أتباعه عندما أشتد عليه المرض بحمله إلى كنيسة يوحنا المعمدان، وصلى فيها، قائلاً (رباه لقد منحتني القوة والشرف، وأنا اليوم أردهما إلى يديك فامنحني غفرانك ورحمتك)( )، مما دلل على أن حروبه ضد المسلمين ومنحه الغنائم إلى الأديرة والكنائس، كان ورائها دافعاً دينياً قوياً هو نيل الغفران، بمعنى آخر إرضاء دعوات البابوية في نيل الغفران، لمن حارب المسلمين في الأندلس.
    لذلك كان للبابوية دور متميز في إدارة الحرب والتشجيع عليها، لا سيما في عهد البابا جريجوري السابع، الذي أهتم، بإرساء دعائم النفوذ البابوي، وأكد في مرسوم له تكون من ست وعشرين نقطة، كلها تشير إلى علو البابوية على حساب الدولة، ومن المؤكد أن الهدف كان توظيف الميول الحربية لدى المقاتلين الأوربيين - ا لمغامرين – في خدمة غايات البابوية ( ).
    ومما لا شك فيه ان انتصار السلاجقة على البيزنطيين، عام 463هـ/1070م، في ملاذكرد( ). كان سبباً في بلورة الحرب المقدسة الهجومية، وهو ما عمد البابا جريجوري السابع إلى تحقيقه في الأندلس، وتطوير نطاق هذا العمل العسكري ضد المسلمين( ). وعلى هذا
    الأساس ساند العمليات العسكرية ضد مسلمي الأندلس وباركها، ففي عام 466هـ/1073م، وجهت البابوية نداءً إلى الحكام النصارى الغربيين، بدعم حملة الأمير الفرنسي أبلس كونت روسي –الذي شارك سابقاً في حملة بربشتر- ، وأكد البابا على أن الأندلس من ضمن المناطق المقدسة التي يجب تحريرها، ولمح إلى المنافع الاقتصادية في انتزاع الأراضي الأندلسية من أعدائهم، وبعد فترة صرح البابا على موافقته الرسمية إلى الحملة العسكرية، التي تولى رئاستها العسكرية حاكم إقليم اكيتانية الفرنسية جاي جغري( ).
    وهاجر العديد من الرهبان الفرنسيين إلى الأندلس بهدف القتال ضد المسلمين، كما كانت العلاقة بين ملك ليون وقشتالة الفونسو السادس 458-502هـ/1065-1108م، قد توثقت بالفرنسيين، وضمنت مساعدتهم، بعد زواجه من الأميرة الفرنسية كونستانس، وأرملة حاكم برغنديا، وعلى أثرها صارت طليطلة طريقاً للمواصلات، ومحطاً إلى البعثات الدينية والتجارية القادمة من تولوز وبواتية بعدما كانت مدينة ذات طابع أندلسي بحت؛ كما نشط الكلونيين في إرسال هذه الجموع إلى الأندلس( ). وأسهمت مدينة شامبانيا –شرق الأندلس-، بقسم كبير من المقاتلين، الذين شاركوا في الحملات الأسبانية ( ). كما قاد هيو الأول حاكم برغنديا، قواته، لمد يد العون إلى صهره الفونسو السادس، في عام 471هـ/1078م( ).
    مما مر يتبين أن الحروب الصليبية، لم تظهر بشكل مفاجئ، بل بصورة تدريجية، بدأ بدور رجال الدين في قيادة المقاومة النصرانية لصد المسلمين، منذ بدايات، عام 107هـ/725م، كما ان التوسع الإسلامي باتجاه فرنسا وإيطاليا أدى إلى صياغة مفهوم الحرب المقدسة، وسعى البابا يوحنا العاشر ومن ثم سلفستر الثاني، إلى إسباغ الشرعية على الحرب ضد المسلمين، وتنبيه العالم النصراني في الغرب الأوربي إلى التكاتف للتصدي له، ثم كان ظهور الأديرة الكلونية، في فرنسا منذ عام 298هـ/910م، عاملاً أسهم في نشاط العمليات العسكرية ضد المسلمين في الأندلس، وحث الفرنسيين إلى التوجه إلى الأندلس لمناصرة النصارى الأسبان، وبخاصة أن المسلمين هددوا في عصر الإمارة فرنسا نفسها.
    ومما لا شك فيه أنَّ الحرب الدينية ضد المسلمين بدأت في الغرب الإسلامي قبل الشرق الإسلامي، والسبب في ذلك لأن ضعف مركز المسلمين في بعض المناطق في الأندلس، أولاً، وقرب بلادهم من الغرب الأوربي ثانياً، أسهم في تكاتف الجهود العسكرية بين البابوية والأوربيين مع نصارى الأسبان في الممالك الشمالية. فأخذت الجموع الأوربية بالتوجه إلى الأندلس، وبخاصة بعد ظهور فكرة الخلاص، وهي تدعو إلى غفران الذنوب والخطايا في القتال ضد المسلمين، مما كثف من نشاط الفرنسيين والنورمان والإيطاليين، في السعي لقتال المسلمين.
    ومع نجاح عملية التوسع الإقليمي، ظهرت سياسة الاسترداد الرامية إلى السيطرة على الأندلس بأجمعها، وطرد المسلمين منها.
     
  7. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الثالث الحملات الصليبية من 478-479هـ/1085-1086م

    الفصل الثالث
    الحملات الصليبية من 478-479هـ/1085-1086م

    - المبحث الأول:
    سقوط طليطلة عام 478هـ/1085م

    - المبحث الثاني:
    معركة الزلاقة عام 479هـ/1086م
    الحملات الصليبية من 478-479هـ/1085-1086م
    إن الحقبة التاريخية المحددة بين 478-479هـ/1085-1086م، تعتبر تطور مهماً
    في مجال العمليات العسكرية المتبادلة بين المسلمين والنصارى الأسبان، ليس محلياً فقط في إطار الامتداد الجغرافي للأندلس، بل تحولت إلى عمليات عسكرية كبيرة، تدخلت فيها قوى
    عدة، ناصر بعضها المسلمين، وهرع بعضها الآخر إلى نجدة الأسبان، والملاحظ أن هذه المدة الزمنية شهدت ازدهاراً في المعسكر الأسباني، الذي تفوق عسكرياً، الأمر الذي حفز على دعوة قوى إسلامية من خارج الأندلس، لوقف الزحف الأسباني النصراني، وهو ما أعاد التفوق الإسلامي من جديد تحت قيادة موحدة، هي القيادة المرابطية، التي تولت زمام المبادرة بردع الخطر الأسباني المدعوم من أوربا، ونجحوا بسحق أسطورة التفوق المعادي في ملحمة كبيرة غيرت ميزان الحرب، ونتائجه في الأندلس.
    المبحث الأول
    سقوط طليطلة عام 478هـ/1085م
    تعد مدينة طليطلة قاعدة مهمة في الثغر الأوسط( )،وحصناً منيعاً في مواجهة الأسبان( ).ولأهمية موقعها، كان الأسبان يترقبون الفرصة السانحة إلى الاستيلاء عليها، وفتح النزاع بين يحيى بن ذي النون( ) حاكم طليطلة وسليمان بن هود حاكم سرقسطة، المجال أمام الأسبان إلى التدخل في شؤونها، بل والتوسع على حسابها( )، وحفز هذا الوضع فرناندو ملك قشتالة إلى مهاجمتها، بعدما حصل على دعم مادي من ابن هود، وفي عام 454هـ/1062م، سار فرناندو إلى المدينة، بجيش كبير من الفرسان والرماة. وأغار على حدودها الشمالية الشرقية، فاستباحت قواته مدينة سالم( ) وطلمكة( ) ووادي الحجارة( ) وقلعة هنارس( ) (النهر). مما أجبر حاكمها المأمون، على إرسال كميات كبيرة من الذهب والفضة، والأقمشة الثمينة إلى الملك الأسباني، من أجل المصالحة، وألتزم أيضاً، بالاعتراف بالطاعة ودفع الجزية( ).
    وهنا لابد من التمييز، ما بين الوضع السياسي المتدهور، الذي ساده الانقسام والخلاف
    بين دويلات الطوائف، والأسبان الموحدين بزعامة فرناندو، كما يجب الالتفات إلى أحداث،
    عام 454هـ/1062م، لأنها لا تندرج في إطار العمليات العسكرية المحلية بين المسلمين والنصارى فقط، بل شكلت رداً وقائياً على مخاطر حقيقية هددت السيادة الإسلامية، وأكدت
    عمق الأهداف التوسعية، النابعة من حركة الاسترداد، كما أبانت مفاوضات الصلح بين أهل طليطلة، وفرناندو، عن حقيقة هذا الأمر، عندما وجدوا أنفسهم عاجزون عن الإيفاء بمطاليبه، فكتبوا إليه يقولون: لو كانت لدينا هذه الأموال لأنفقناها على البربر، واستدعيناهم، للدفاع
    عنا( )، فرد عليهم ملك قشتالة ((.. أما استدعاءكم البرابرة، فأمر تكثرون به علينا، وتهددوننا به، ولا تقدرون عليه، مع عدواتهم لكم، ونحن قد صمدنا إليكم، ما نبالي من أتانا منكم، فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا، عليها في أول أمركم …، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم، واتركوا لنا بلادنا فلا خير لكم في سكناكم معنا بعد اليوم، ولن نرجع عنكم، أو يحكم الله بيننا وبينكم))( ). وعبرت رسالته هذه، عن عمق الأهداف التوسعية وكشفت عن سياسة أسبانيا النصرانية تجاه الوجود الإسلامي في البلاد.
    كما أن الخلاف بين حكام الطوائف، واستنجادهم بالأسبان، شجع الأخيرين على مواصلة سياستهم التوسعية، وتوجهت أنظارهم، في عهد فرناندو، إلى طليطلة، التي ضيق عليها
    كثيراً في عهده. لذا يمكن القول أن خطة الاستيلاء على المدينة بدأت منذ ولاية فرناندو الحكم، إلا أن وفاة الأخير عام 458هـ/1065م، وما أعقب ذلك من انفراط الوحدة في مملكته، وانقسامها بين أولاده، أبعد الخطر الأسباني مؤقتاً( ). ولكن بروز شخصية الفونسو السادس،
    جدد مشروع الحركة التوسعية، لاسيما بعد أن عادت على يديه الوحدة بضم جليقية وليون إلى سيادته عام 465هـ/1072م( ).
    في الوقت نفسه تولى حكم طليطلة يحيى الملقب بالقادر( ) عام 467هـ/1074م( )،
    وكان شخصاً جاهلاً بشؤون الحكم، عديم الخبرة والكفاءة، وضعيف الإرادة، وصفه أبن بسام بالجبن وقلة الحزم (كان أجبن من قبره، أن حزم لم يعزم وأن سدى لم يلحم)( ). وتدهورت الأوضاع في عهده كثيراً، بسبب سياسته الخاطئة، وكثرت عليه الحركات والفتن، إذ أنقض
    عليه أبو بكر بن عبد العزيز( )، واستقل بحكم بلنسية( ).
    إن تردي الأوضاع في مملكة طليطلة فسح المجال أمام الأسبان بالتدخل في شؤونها، وأدى هذا إلى إرهاق المملكة مادياً فأصبحت مرهونة بالمساعدة المقدمة من لدن الأسبان، وأوضح الفونسو السادس عن ضعف هذه المملكة برسالته إلى القادر ((… أن وجه ألي مالاً إن كنت تريد الدفاع عن إنحائك، وإلا سلمتك لأعدائك …))( ). ونجح بواسطة الضغط عليه، بالامتناع عن تقديم العون، إلى ضم حصن سرية وحصن القورية، وحصن قنالش في منطقة وادي الحجارة إلى سيادته( ).
    إن سياسة الفونسو السادس في الاستيلاء على طليطلة، كانت بصورة تدريجية، وبدأت
    منذ عام 471هـ/1078م، حين توالت الهجمات عليها بذريعة مساعدة القادر ضد أعدائه، واستولى بواسطة هذه السياسة، على مدينة طلبيرة( )، ثم على جميع المناطق المحصورة ما
    بين طلبيرة ومدريد( ). ووفق الملك الأسباني في تجريد طليطلة من جميع وسائلها
    الدفاعية – الحصون -، كخطوة أولى للاستيلاء عليها( ). ثم جاءت الخطوة الثانية، بعدما
    ظهرت بوادر الضعف الكبير فيها، بتدهور القادر، حتى أنه لم يتمكن، في عام 472هـ/1079م، من استعادة الحكم، إلا بعد مساعدة الفونسو السادس له، حيث دخل المدينة بدعم أسباني( ).
    رافق عودته إلى طليطلة تردي واضح في أوضاع المدينة، إذ صار مركزه ضعيفاً في الحكم، في حين اشتدت هجمات أبن عباد وأبن هود على مناطق حكمه، حتى أنه وجد نفسه عاجزاً عن درء خطرهما، ووجد في شخص الفونسو السادس، السبيل الوحيد، لإخراجه من أزمته هذه، وأتفق معه على التنازل عن المدينة له، مقابل مساعدته على الاستيلاء على بلنسية وتوابعها( ).
    وجد الملك الأسباني، إزاء حالة الضعف التي وصلت إليها طليطلة على يد القادر،
    الفرصة سانحة لتنفيذ مخططه في السيطرة عليها، وبخاصة أنه كان عارفاً بأحوالها وشؤونها، عندما لجأ إليها في عهد المأمون( ). أضف إلى ذلك، أن العامل الديني لعب دوراً مهماً في حشد الطاقات العسكرية، في الحملة الأسبانية، إذ دعا البابا جريجوري السابع إلى تشكيل جيش
    يعمل على قتال المسلمين في الأندلس، وبارك العمليات العسكرية النصرانية ضد خصومهم
    في الأندلس( ). المهم أن الأندلس شهدت في هذه الفترة تطورات مهمة، رسخت النفوذ البابوي فيها، ومكنها من التأثير والتحكم في الشؤون الدينية ومن ثم دعم العمليات الحربية ضد المسلمين. حيث نصح ممثل الكرسي الرسولي – الذي يمثل البابا – في استبدال الأساقفة الأسبان المعارضين إلى السيطرة البابوية، برجال دين آخرين، وفعلاً نجح رجال الدين البندكتيون( ) الفرنسيين، الذين هاجروا إلى الأندلس، في تذليل هذه العقبة، حتى أختير منهم معظم
    الأساقفة في الأندلس، وأمتاز هؤلاء بتأييدهم إلى البابوية، كما أسهم دير ساهاجون البندكتي، وبرئاسة برنار الفرنسي، في ضمان سيطرة ديره على القضاء الكنسي الأعلى، وجعله تابع إلى البابوية مباشرة، وأقر له الفونسو بهذه الامتيازات( ).
    وبذلك أصبحت البابوية في مركز متفوق، إلى حشد الطاقات النصرانية في قتال
    المسلمين، وفعلاً أسهمت دعوة البابا في أستنهاض الحماسة لدى النصارى، وتوافد المقاتلين من أوربا، من فرنسا وإيطاليا وألمانيا، تلبية إلى دعوة البابوية، في دعم الأسبان والاشتراك في الحملة المتوجهة إلى طليطلة. ولعب دير ساهاجون الكلوني، في جنوب شرق فرنسا، دوراً
    مهماً أيضاً قي دعم الحماسة الدينية في قتال المسلمين وانتزاع طليطلة منهم، وبخاصة أن هذا الدير كانت له سيطرة فاعلة على الأديرة في قشتالة، وكلمة مسموعة ونفوذ عند كونستانس زوجة الفونسو السادس، كل ذلك أدى إلى حشد الطاقات الأسبانية، فأسهمت أسبانيا النصرانية جميعها في الحملة، وعلى رأسها قشتالة وليون وأراغون( ).
    إن قراءة متأنية إلى الأحداث، تبرز فيها وضوح الدور الفرنسي، الذي لم يقتصر على المتطوعين الفرنسيين فقط، بل كانت هناك مساهمة منظمة واسعة، مثلها وصول إمدادات عسكرية كبيرة، بقيادة الأمراء البرغنديين، وكونت تولوز، عام 478هـ/1085م، إلى الأندلس( ). ومرد ذلك إلى تأثير الدعاية الدينية لرجال الدين النصارى في فرنسا إلى دعم المجهود الحربي في الأندلس، والنفوذ الذي حضي به الأساقفة الأسبان – الفرنسيين الأصل – في البلاط القشتالي، وبخاصة لدى الملكة كونستانس، التي امتازت بتعصبها الديني الشديد، إضافة إلى أصلها الفرنسي( )، أضف إلى ذلك أن الأسقف برنار الذي عرف بتأييده إلى البابوية، وتعصبه الديني، أنطلق في الحث على الدعوة إلى مساعدة الأسبان، ليس فقط كونه شخصية دينية، بل كان ذو نزعة عسكرية، فهو من المحاربين المتمرسين في القتال( ).
    ولهذه الأسباب كلها، كانت المشاركة الفرنسية فاعلة، ومؤثرة في الحملة حيث قصد الفونسو السادس بقواته طليطلة، في خريف، عام 477هـ/1084م في الوقت الذي تواصلت الجموع الأوربية في الانضمام إليه، وعسكرت القوات المشتركة، في مدينة المنية( )، المعروفة ببستان الملك( ). وفرضت على مدينة طليطلة الحصار، ثم ضيقت الخناق عليها، وساءت أحوال المدافعين، لاسيما بعد نقص المؤن، الأمر الذي أضطرهم إلى التفاوض مع الفونسو، وحاولوا فك الحصار عن مدينتهم، بإغراء الأعداء بالأموال، ولكن الفونسو رفض عرضهم، لأنه أدرك حقيقة الضعف الذي عانت منه المدينة، وعدم قدرتها على الصمود في وجهه( )، وبخاصة بعد أن أنقطع آخر أمل إلى أهل طليطلة بحصولهم على نجدة ملوك الطوائف، الذين كانوا حينها في معسكر أعدائهم، وقدموا لهم فروض الولاء والطاعة( ).
    إزاء هذه الحالة سلمت المدينة مقاليد أمورها إلى الأسبان، بعد حصولهم على التزامات منهم، بتأمين المسلمين على حياتهم وأملاكهم، وحرية العقيدة بممارسة مناسكهم، واحتفاظهم بالمسجد الجامع، في حين تصبح المدينة وحصونها وتوابعها بيد الأسبان( ). وقبل الفونسو السادس الاتفاق، ووعد بالالتزام به، وعلى أثرها دخلتها القوات الغازية، في شهر محرم عام 478هـ/ شهر مايس 1085م( ). وعين ششنند، حاكماً عليها، وعرف عنه باتخاذ أساليب
    معتدلة في التعامل مع سكانها، وأشار على الفونسو بالاعتدال واللين والتسامح مع الأهالي،
    حتى يستتب الوضع( ).
    لكن هذه السياسة لم تلق، استجابة من رجال الدين النصارى المتعصبين، وعلى رأسهم، الأسقف برنار، رئيس دير ساهاجون، الذي سارع إلى استغلال انتصارهم، وكشف عن حقيقة الحملة العسكرية، ونواياها الدينية ضد المسلمين، عندما خالف بنود الاتفاق المبرم معهم، حين اعتدى على مسجدهم، ودخل إليه مع مجموعة من المقاتلين، ودمر المحراب، وجعل بدلاً عنه الهياكل. ثم أمر بإقامة حفل ديني فيه، على الرغم من اعتراض المسلمين، ورفضهم، لكن دون جدوى، بسبب تصدي الحامية العسكرية لهم( )، وفي حقيقة الأمر حملت هذه الحادثة التي وقعت بعد شهرين من سقوط المدينة، نتائج بعيدة الأثر، لأن الذي حدث كان بموافقة رسمية من كونستانس، ومباركة من الفونسو السادس، اللذان كانا خاضعين إلى نفوذ رجال الدين، ودللت الحادثة على مدى سيطرة رجال الدين على مقاليد الأوضاع في المملكة التي حكمها الفونسو، وبخاصة عقب اختيار برنار رئيساً إلى الكنيسة الأسبانية في شهر شعبان عام 478هـ/ كانون الأول عام 1085م، واتخاذ طليطلة مقراً لها، فعادت طليطلة مقراً دينياً كما كانت في عهد الغوط الغربيين( ). من جانب آخر بدأ عدد سكانها من المسلمين بالتناقص، وأخذوا بالهجرة منها، وحل محلهم جموع جديدة، من النصارى النازحين من مناطق قشتالة وليون، ويبدو أنها خطة درست بدقة، هدفت إلى تغير التركيبة السكانية في المناطق التي انتزعت من ايدي المسلمين،
    واتخاذ أساليب قسرية ضدهم، وحصل ذلك على ما يبدو بالتنسيق مع الجهات الدينية،
    التي شجعت الهجرة النصرانية إلى طليطلة، وتهجير سكانها، بالتنسيق أيضاً مع
    الملك الأسباني الفونسو، وأعطى ذلك انطباعاً عن هدف كبير خطط له، وهو ما حدث فعلاً بجعل طليطلة مقراً ومركزاً دينياً وسياسياً، اتخذتها الكنيسة والملك الفونسو السادس عاصمة جديدة( ).
    هذه الأحداث مثلت الأبعاد الدينية، إلى الحملة، ونتائجها على صعيد الصراع الإسلامي النصراني في البلاد، وكانت هناك نتائج أخرى في ما يخص عملية التوسع النصراني عقب سقوط المدينة، إذ مد الملك الأسباني سيادته على المناطق الواقعة من وادي الحجارة إلى
    طلبيرة وفحص اللج( ) وشنتمرية( )، وبذلك ضمت عملية السيادة الأسبانية التوسعية مناطق
    عدة واقعة على نهر التاجة، وصارت مدينة طلبيرة وقلعة رباح( ) المنطقة الحدودية الجديدة الفاصلة بين المسلمين والأسبان في الأندلس( ). وأصبحت طليطلة، قاعدة عسكرية، شن منها الأسبان هجماتهم على المناطق الإسلامية( ). فأغاروا، بقوة مؤلفة من ثمانين فارساً على المرية( )، وسارع حاكمها أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح( ) 443-484هـ/ 1051-1091م( ). إلى بعث قوة عسكرية لصدهم تشكلت من أربعمائة شخص، فأنسحب المهاجمون الأسبان، وتجنبوا الاشتباك معهم( ). من جانب آخر شكل سقوط مدينة طليطلة إظهاراً إلى
    التفوق العسكري الأسباني، وضعف المركز الإسلامي في البلاد، الأمر الذي أعطى المبادرة
    إلى الفونسو السادس إلى المضي في عملية التوسع على حسابهم، حتى أن المعتمد بن عباد( ) أدرك مدى تعاظم الخطر الأسباني، على الوجود الإسلامي السياسي، الأمر الذي دفعه إلى نبذ خلافاته مع غرناطة والتصالح مع حكامها، لمواجهة التحدي المشترك لهم، الذي لاحت بوادره، في رسالة الفونسو إلى المعتمد بن عباد، طلب فيها منه التنازل عن المناطق التي حكمها، وذكره بما حل بطليطلة. وأكد عليه التنازل له عن بعض الحصون من طليطلة، التي سيطر عليها في السابق، فلما رفض مقترحاته، أعلن الملك الأسباني الحرب ضده( ). واستغل الفونسو السادس انتصاره، في محاولة لمساومة حكام الطوائف، وإذلالهم، إذ بعث إلى عمر المتوكل( ) ملك بطليوس 464-488هـ/1071-1095م، رسالة دعا فيها الأخير إلى التنازل عن بعض قلاعه وحصونه، وطالبه بأداء الجزية. وأجبر عبد الملك بن هذيل( ) حاكم شنتمرية
    436-496هـ/1044-1102م، إلى دفع الجزية له( ). كما سار الفونسو بقواته إلى سرقسطة، وفرض الحصار عليها، حتى بانت مهددة بالسقوط بيده، لولا عبور المرابطين إلى الأندلس( ).
    إن حادثة سقوط طليطلة أبانت معطيات جديدة، على العمليات العسكرية في الأندلس، إذ أصبح الفونسو السادس قوة كبيرة في البلاد، وأكد اتخاذه لقب الإمبراطور ذي الملتين – أي الإسلامية والنصرانية – على مدى التفوق الأسباني على حساب المسلمين( )، الذي بلغت حركة الاسترداد ذروته في عهده، الذي كان يهدف إلى ابتلاع الأندلس بأجمعها( ).
    من جانب آخر برزت ظاهرة جديدة، أكسب الأسبان دعماً دينياً ضد المسلمين، وهي
    تدخل البابوية المباشر، واستخدام نفوذها، في إثارة أوربا النصرانية، من أجل ضرب المسلمين، وإقصائهم من الأندلس، ورافق ذلك اتجاه مدعوم من البابوية، وبتشجيع من رجال الدين النصارى إلى هجرة المقاتلين إلى الأندلس، والقتال مع الأسبان، وفي ضوء ذلك، تظافرت هذه الجهود الأوربية الأسبانية، بأشراف البابوية، في الاستيلاء على طليطلة.
    كما أكدت حادثة الاستيلاء على المدينة، ليس على التفوق الأسباني والعسكري فقط، بل منح الفونسو السادس الأسبان، قوة جديدة، تضاف إلى قواهم، لأنه على ما يبدو ادرك أن نجاح الأسبان في حصار سرقسطة، بعد مدة قليلة من سيطرتهم على طليطلة، وإرسالهم إلى ملوك الطوائف رسائل تطلب بالخضوع والإذعان، وتسليم مقاليد البلاد الحاكمين لها إليهم، دلل على ضعف سلطة المسلمين، ويبدو ان الذي ساعد الاسبان على هذا التفوق العسكري بقاء القوات الأوربية في الأندلس، وفي ضوء ذلك، يمكن فهم سر التفوق الأسباني، الأمر الذي أكسب الحرب مع المسلمين صفة دينية، جديدة وبارزة، بتحالف النصارى، برعاية بابوية، مما
    نبه إلى مخاطر غزو خارجي داهم يكتسح البلاد الخاضعة إلى السيادة الإسلامية في
    الأندلس.
     
  8. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الثالث /المبحث الثاني معركة الزلاقة عام 479هـ/1086م

    المبحث الثاني
    معركة الزلاقة عام 479هـ/1086م

    كان لسقوط مدينة طليطلة، في عام 478هـ/1085م، أثر كبير في ازدياد الخطر الأسباني على الوجود الإسلامي في الأندلس، ولهذا قرر ملوك الطوائف، وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد دعوة المرابطين لرد الخطر الأسباني، ومما دلل على التفوق الأسباني برئاسة الفونسو السادس أنه ((أنزل نفسه منازل القياصرة، وداخله من الإعجاب ما أحتقر به كل ماشٍ على التراب))( ). وأن الاستنجاد بالمرابطين جاء بعد ثلاثة أشهر من سقوط طليطلة( )، ويبدو منه مدى ضعف مركز المسلمين في الأندلس. كما كان هناك ضغط من الشعب والفقهاء في الأندلس على ملوك الطوائف، طالبت بصد العدوان النصراني( ).
    في مؤتمر قرطبة تمت مناقشة هذا الموضوع، وأوضح أبن الأبار بعض التفاصيل
    عن هذا المؤتمر بقوله ((وعلم المعتمد محمد بن عباد تصميمه على نيته (أي يوسف بن تاشفين) فخاطب جاريه: صاحب بطليوس( ) وصاحب غرناطة( ) في تحريك قاضيها إلى حضرته للاجتماع بقاضي الجماعة بقرطبة. فوصل من بطليوس قاضيها أبو إسحاق أبن مقانا. ومن غرناطة قاضيها القليعي، واجتمعا في أشبيلية بالقاضي أبو بكر بن أدهم، وانضاف إليهم الوزير أبو بكر محمد بن أبي الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون. وتوجهوا جميعاً إلى أبن تاشفين))( ).
    وتشير بعض الروايات إلى قضية عبور المعتمد بن عباد إلى بلاد المغرب، فلقي
    يوسف بن تاشفين وأبلغه رغبة أهل الأندلس في مساعدته فما كان منه إلا أن لبى دعوتهم( ). ويظهر أن استجابة يوسف بن تاشفين قد جاءت بعد مشاورات مع الفقهاء وكذلك مع وزيره
    (عبد الرحمن بن أسباط)، وقد حصل يوسف بن تاشفين مقابل عبوره إلى الأندلس وإجابته
    لدعوة المعتمد على الجزيرة( ) الخضراء( ).
    وفي هذه الأثناء كان الفونسو السادس قد توغل في بلاد الأندلس حتى وصل إلى طريف الواقعة أقصى جنوب الأندلس ومنها كتب إلى يوسف بن تاشفين موضحاً له مدى ضعف ملوك الطوائف وفي نفس الوقت متحدياً له حيث أكمل قائلاً: ((إن كنت لا تستطيع الجواز فأبعث
    لي ما عندك من المراكب نجوز إليك أناظرك في أحب البقاع إليك)) فأمر يوسف بن تاشفين بأن يكتب على ظهر كتاب الفونسو: ما ترى لا ما تسمع أن شاء الله( ).
    على أية حال، لقد عبر يوسف بن تاشفين إلى الجزيرة الخضراء يوم الخميس منتصف ربيع الأول من عام 479هـ/30 حزيران 1086م، على رأس كتيبته الخضراء المؤلفة من
    أثني عشر ألف من جنوده( ). وكان قد حل بالجزيرة قائده داود بن عائشة بعد أن أخلاها له يزيد الراضي بن المعتمد، وقد كتب يوسف إلى جميع الأندلس يطلب منهم اللحاق به مع قواته، ويصف لنا عبد الله بن بلقين أمير غرناطة مشاعره المفرحة آنذاك قائلاً: ((وظننا أن إقباله إلى الأندلس منة من الله عظمت لدينا، لا سيما خاصة من أجل القرابة، وللذي شاع من خيرهم، وإقبالهم على طلب الآخرة، وحكمهم بالحق، فنعمل أنفسنا وأموالنا في الجهاد معه كل عام: فمن عاش منا كان عزيزاً، تحت سترٍ وحمايةٍ، ومن مات كان شهيداً))( ).
    اتخذ يوسف بن تاشفين عقب نزوله في الجزيرة الخضراء عدداً من الإجراءات منها تحصين الجزيرة وإصلاح أسوارها وأبراجها ورتب لها حامية خاصة من جنده ثم سار في قواته صوب أشبيلية، وبعث المعتمد بن عباد ولده عبد الله لاستقبال يوسف بالجزيرة، ورتب تقديم المؤن والأطعمة للجيش المرابطي على طوال الطريق إلى أشبيلية وأستعد لذلك استعداداً
    عظيماً الأمر الذي أسر يوسف بن تاشفين( )، ولما أقترب يوسف أستقبله المعتمد بحفاوة حيث قدم له الهدايا والتحف، وفي اليوم التالي سار أمير المسلمين( ) إلى أشبيلية برفقة قواته وأقام هناك ثلاثة أيام( ).
    وبعد نزوله في أشبيلية وجه يوسف بن تاشفين قائده داود بن عائشة إلى بطليوس كما أمر أن توضع القوات الأندلسية تحت قيادة المعتمد بن عباد وأن تكون لجند الأندلس محلتهم وللمرابطين محلتهم( ). وأثناء سيره إلى بطليوس توافدت عليه ملوك الطوائف لرد الخطر الأسباني( ). وكان أول من ألتحق به، أمير غرناطة عبد الله بن بلقين في ثلثمائة فارس وأخوه تميم والي مالقة( ) في نحو مائتين فارس( ). وفضلاً عن ذلك فقد التحقت به قوات ملك المرية بقيادة أبنه معز الدولة وجميعهم أصبحوا في ضيافة ملك بطليوس المتوكل بن الأفطس( ).
    ولم يقتصر الأمر على هذه القوات، فقد توافدت على الأمير يوسف بن تاشفين جموع المتطوعين وذلك في أثناء قيامه في بطليوس، وقد قام بعد ذلك بتنظيم الجيش فجعل الجيش الأندلسي بقيادة المعتمد بن عباد في المقدمة( )، في حين جعل الجيوش المرابطية في المؤخرة( ).
    تحركت الجيوش الإسلامية (المرابطية-الأندلسية) نحو سهل الزلاقة الواقع شمالي شرقي بطليوس بروح جهادية عالية مصممة على النصر أو الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله( ).
    أما بالنسبة للأسبان بقيادة الفونسو السادس فقد أدركوا أهمية الخطر الذي يترقبهم وقد كانوا في ذلك الوقت يحاصرون مدينة سرقسطة التي كادت تقع بيدهم( ). إذ أجبرت هذه الأنباء الفونسو على الرجوع مسرعاً إلى مدينة طليطلة لتنظيم قواته استعداداً للجولة القادمة( ). وبالفعل نظم الفونسو قواته العسكرية في مدينة طليطلة وخلال ذلك بعث دعواته إلى ملوك وأمراء أوربا لنجدته من أجل إبعاد الخطر الإسلامي فدخل الأمر في طور حرب صليبية( ). ويظهر أن هذه الدعوات التي أطلقها الفونسو السادس قد وجدت صداها في أوربا، إذ أنظم إليه العديد من الأساقفة والقسيسين والرهبان يحملون أناجيلهم وصلبانهم مؤكدين بذلك الطابع الديني للصراع الدائر بينهم وبين المسلمين في الأندلس( ). وفضلاً عن رجال الدين، فقد لبى الفرسان من إيطاليا ومن وراء جبال البرت( )، ومن كافة أنحاء الممالك الأسبانية التي هرع ملوكها إلى نجدة الفونسو السادس( ). ويبدو أن مخاوف الفرنسيين والإيطاليين، من دعوة المسلمين إلى تفوقهم العسكري والسياسي، وهم الذين هاجموا مناطق فرنسا وإيطاليا وسيطروا على أجزاء واسعة منها، دفعهم إلى الاشتراك في هذه المعركة على أساس كونها حرباً دفاعية، تضمن بقاء تفوقهم على حساب المسلمين. كما أَدَّتْ الكنيسة دورها في إذكاء الحماس في نفوس المتطوعين( )، كما سارع البرهانس( ) لمساعدة الفونسو السادس، وترك حصار مدينة بلنسية( ). واشار البعض إلى مشاركة اليهود في أوربا في معركة الزلاقة، إذ أسهموا بقوة عسكرية مقدارها أربعين ألف يهودي، وكانوا قد استماتوا في القتال إلى جانب النصارى ضد المسلمين( )، ويبدو ان حجم هذه المشاركة العسكرية مبالغ فيها، لإظهار على ما يبدو الدور اليهودي، أضف إلى ذلك لا يعقل أن يشكلوا هذه النسبة الكبيرة من الجيش الأوربي لأن النصارى كانوا متفوقين عددياً في تلك الفترة، في حين لم توضح المصادر العربية الإسلامية ذكرهم، من حيث حجم المشاركة ودورها،ولكن على اقل تقدير يدل على إن جهود اليهود والنصارى في أوربا، كانت تتوحد ضد المسلمين، رغم الاختلافات والتناقضات السياسية والعقائدية، وهذا نابع من مدى الحقد والكراهية الشديدين ضد الإسلام والمسلمين.
    اختلفت الروايات التاريخية في عدد القوات المشتركة في معركة الزلاقة للجانبين، فقد أشار صاحب الحلل الموشية بأن عدد القوات الصليبية بلغت ثمانون ألفاً( )، فيما ذهب ابن الكردبوس بأن عددهم كان ستون ألفاً ( )، وقدرها ابن الاثير بخمسين ألفاً( ). ويبدو ان رأي صاحب الحلل الموشية أكثر قبولاً من غيره، بخاصة إذا درست الحادثة التاريخية من جوانبها كافة، وثم استعراض أصناف القوات الصليبية المشاركة، والتي تمثلت بالنصارى الأسبان والقوات الأوربية، إضافة إلى مشاركة جديدة أغفلت معظم المصادر الإسلامية والأوربية عن ذكرها، الا وهي المشاركة اليهودية التي بلغت أربعين ألفاً، واستناداً إلى هذه الجموع الكبيرة يمكن القول ان المساهمة الصليبية العسكرية كانت كبيرة جداً، ولهذا يمكن ان نؤيد رأي صاحب الحلل الموشية.
    أما الجيش الإسلامي فقد حدده صاحب الحلل الموشية بخمسين ألفاً( )، في حين جعله صاحب المعجم عشرين ألفاً ( ). ويبدو ان ما ذهب اليه صاحب المعجب هو الأرجح، لأن الأمير يوسف بن تاشفين كان قد عبر إلى الأندلس بقوة عسكرية قُدرت بحوالي اثنا عشر ألفاً،
    وإذا أضفنا اليها القوات الأندلسية وجموع المتطوعين فان العدد المقبول في ضوء إمكانيات المسلمين جعلت قدرتهم في اعداد الجيش المطلوب لخوض المعركة ضمن هذا العدد الذي ذكر.
    بعد استكمال القوات الأوربية المشتركة استعداداتها، سار الفونسو، على رأس هذه القوات باتجاه بطليوس، مزهواً بتفوق قواته بالعدد والعدة الكبيرة( ). وعسكر على بعد ثلاثة أميال مـن

    معسكر المسلمين وكان يفصل بين المعسكرين نهر بطليوس( ).
    أما الجيوش الإسلامية فقد سارت نحو بطليوس، ولم تذهب مباشرة إلى طليطلة لأنهم
    كانوا يعلمون إذا فعلوا ذلك أشتد توغلهم في ديار النصارى فيطول خطوط مواصلاتهم ويسهل على الفونسو وحلفائه أن ينقضوا عليهم من الخلف ويقطعوا صلته بالجنوب وفضلاً عن ذلك ان وجود الجيش الإسلامي بالقرب من بطليوس يمكنه من الاحتماء داخل أسوارها في حالة الهزيمة كما كان في نية الجيش الإسلامي التقدم نحو مدينة قورية( ) والتي أحتلها الفونسو السادس( ). وفيما يخص الفونسو فقد تعمد المسير بقواته المشتركة إلى أراضي بطليوس حسب خطة عسكرية مدروسة تدل على مدى التحوط لنتائج هذه المعركة، إذ تعمد الفونسو عدم لقاء المسلمين في أحواز طليطلة لأسباب ذكرها لوزراءه وذلك خشية الهزيمة مما يؤدي إلى تمكن الجيش الإسلامي في مدينة طليطلة لذلك فهو قد خطط للسير إلى بطليوس للتمكن من بلاد المسلمين في حالة هزيمتهم وعدم اللحاق به في حالة هزيمة جيشه( ).
    أما الأمير يوسف بن تاشفين فقد عمل بمقتضى السنة فكتب إلى الفونسو السادس عارضاً عليه الدخول في الإسلام أو الجزية أو القتال مما أدى إلى انزعاجه واختياره الخيار الثالث
    وهو القتال( ).
    ويظهر أن الفونسو السادس قد رد على الأمير يوسف رداً غليظاً، فلما قرأ الأمير يوسف الرسالة أمر كاتبه (أبو بكر بن القصيرة) بالرد عليها فكتب الأخير رداً طويلاً مما حدا بالأمير يوسف بالكتابة على ظهر رسالة الفونسو: ((الذي يكون ستراه)) وأرسله إليه فلما قرأ الفونسو السادس أرتاع لهذا الأمر وعلم أنه أمام رجل له دهاء وحزم( ).
    وفضلاً عن الاستعداد العسكري فقد نشط الجانبين في تهيئة جيوشهما معنوياً، ففي الجانب الأوربي (الصليبي) تزعم الأساقفة والرهبان مهمة تحفيز أتباعهم على الاستبسال في القتال( ). كما قام يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد ومن ورائهما الفقهاء والخطباء بحث أتباعهما على الصبر والمجالدة والصمود بوجه الأوربيين( ).
    ويظهر أن الفونسو السادس حاول اللجوء إلى الخداع في تحديد يوم الموقعة إلا أن فطنة المعتمد بن عباد ملك أشبيلية ويقظة الجيش الإسلامي وقدرته على رصد حركات الجيش النصراني أبطل خطط الفونسو وأفشل مسعاه( ). فقد كتب الفونسو إلى أمير المسلمين مكراً منه يخبره بأن يكون موعد المعركة يوم الاثنين بحجة أن يوم الجمعة عيد المسلمين وأن يوم السبت عيد اليهود وأن يوم الأحد عيد النصارى فوافق يوسف على ذلك( ). غير أن المعتمد بن عباد حذر يوسف بن تاشفين بأن لا يثق بكلام الفونسو إذ أنه قد يشن هجوماً مفاجئاً قبل اليوم المحدد وهذا ما حدث فعلاً إذ ان الفونسو شن هجومه يوم الجمعة الموافق 12 رجب 479هـ/23 تشرين الأول 1086م على قوات المسلمين( ).
    عمد الأمير يوسف بن تاشفين قبل بدأ المعركة إلى تقسيم الجيش الإسلامي إلى مقدمة وعليها المعتمد بن عباد وميمنة وعليها المتوكل بن الأفطس وميسرة وعليها أهل شرقي
    الأندلس ومؤخرة وعليها سائر أهل الأندلس، أما المرابطين فجعلهم في كمائن متفرقة تخرج
    من كل جهة عند اللقاء( ). وقد قضى الامير يوسف الليل كله (ليلة الجمعة) يرتب الصفوف ويعد العدة لكل احتمال حتى انه غير مواضع قواته دون أن يشعر به أحد( ).
    ولم يكتف الجيش الإسلامي بالاستعداد العسكري المعنوي بل عمدوا إلى بث العيون والجواسيس بين العدو فقد اشار الحميري إلى ذلك بقوله: ((ثم جاء الجواسيس من داخل محلة أبن فرذلند – الفونسو السادس – يقولون: استرقنا السمع الساعة فسمعنا أبن فرذلند يقول لأصحابه: أبن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون – المرابطون – وأن كانوا أهل حفاظٍ وذوي بصائر في الجهاد، فهم غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم أبن عباد فاقصدوه واهجموا عليه، واصبروا، فأن أنكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده، ولا أرى أبن عباد يصبر لكم أن صدقتموه الحملة))( ).
    نستدل مما تقدم ذكره أن الجيش الإسلامي كان على علم بخطة العدو أو على الأقل بماذا يفكر الأمر الذي كان له أثره في عملية انتصار المسلمين في المعركة وفضلاً عن ذلك أن هذه الرواية توضح لنا أن الصليبيين قد ألقوا بتبعية الحرب على المعتمد بن عباد، كذلك يوضح النص اعتراف الفونسو السادس بقوة المرابطين ودورهم الكبير في الجهاد فهم أصحاب عقيدة مما قد يؤدي إلى استماتتهم في القتال، إلا انه من جانب آخر ربط صمود المرابطين بقدرة المعتمد بن عباد على الصمود، إذ أن انهيار جيش أبن عباد سيؤدي إلى هزيمة الجيش الإسلامي عموماً.
    وفي طليعة يوم الجمعة الموافق (12 رجب) تقدمت طلائع الأسبان بقيادة البرهانس وهاجمت القوات الأندلسية وذلك من أجل القضاء عليها لكي تتفرغ لمهاجمة الجيش المرابطي والقضاء عليه( ) (وهو ما يؤكد الرواية التي أوردها الحميري). ودارت رحى المعركة في
    سهل الزلاقة إلى الشمال الشرقي من مدينة بطليوس( ). غير أن الأمير يوسف بن تاشفين
    أنقذ الجيش الأندلسي من هذا الخطر بإمداده بقوات مرابطية بقيادة داود بن عائشة وأخرى

    بقيادة سير بن أبي( ) بكر( ).
    وفي المعركة حرص يوسف بن تاشفين على استخدام أسلوب إيهام أعدائه، بأن القوات الإسلامية قد هزمت، وذلك بانسحاب القوات الأندلسية من المعركة من أجل دفع أعدائهم إلى ترك مواقعهم وملاحقتهم، وهو ما فسح المجال للقوات المرابطية بقيادة يوسف بن تاشفين لتقوم بهجوم على معسكر الأسبان من الخلف واستولى عليه وأضرم فيه النار مما أدى بالقوات الصليبية إلى التراجع لإنقاذ معسكرها، فأنقلب الجيش الأندلسي من الفرار إلى الهجوم وأطبق على الصليبيين من الخلف فأصبحوا بين فكي الكماشة بين القوات الأندلسية والقوات المرابطية( ).
    وفضلاً عن ذلك فقد أستعمل يوسف بن تاشفين عدداً من الطرق التي ساعدت على إرباك العدو، مثل استخدام الجمال والطبول الضخمة التي أربكت العدو وأحدثت اضطراباً في صفوفه( ). كما أستعمل يوسف بن تاشفين فرق من المشاة السودان الذي يقدر عددهم زهاء أربعة آلاف راجل مسلحين بدرق اللمط والسهام والسيوف فقاموا بطعن خيول الأسبان وأحدثت اضطراباً في صفوف العدو( ). وقد أشترك في هذه المعركة الكثير من الفقهاء والعلماء الذين أخذوا يحثون المسلمين على الجهاد ومن هؤلاء الفقهاء أبي العباس أحمد بن رميلة القرطبي( ) وأبي مروان عبد الملك المصمودي قاضي مراكش( ) والفقيه أبي رافع الفضل أبن العالم الأندلسي أبو محمد بن حزم( ).
    ويظهر أن الأمير يوسف قد أضاف لوناً جديداً على فنون القتال في الأندلس لم تكن
    تعرفه البلاد من قبل ولم يشاهده النصارى مما أدى إلى إنقاذ الجيش الإسلامي من الخطر المحقق، إلا أنه مع ذلك لا يمكن إغفال الجهد الكبير الذي بذلته القوات الأندلسية والمعتمد بن عباد على وجه الخصوص( ).
    استمرت معركة الزلاقة يوماً واحداً ليس غير وهو يوم الثاني عشر من رجب عام 479هـ/ 23 تشرين الأول 1086م( )، فقد انتهت المعركة بانهزام ساحق للجيش الأسباني والصليبيين بقيادة الفونسو السادس الذي تمكن من الفرار إلى تل بالقرب من مملكته
    برفقة خمسمائة فارس بعد أن قتل وأسر معظم جنوده( ). وقد تعرض الفونسو إلى طعنة من قبل أحد جنود يوسف بن تاشفين حيث ظل يعاني من الطعنة بقية عمره( ). كما تعرض المعتمد بن عباد إلى جرح في المعركة( ).
    وتكاد تجمع المصادر التاريخية الإسلامية على إنه لم ينج من جيش الفونسو السادس
    سوى خمسمائة رجل – كما ذكرنا آنفاً – في حين أن خسائر المسلمين كانت أقل وقد قدرها
    ابن أبي زرع بثلاثة آلاف قتيل( ). وكان من أبرز الذين استشهدوا في المعركة أحمد بن رميلة القرطبي وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما( ). أما عدد قتلى الصليبيين فقدر بعشرة آلاف قتيل( ).
    ويظهر أن مسألة الإجهاز على العدو الصليبي والقضاء عليه كانت محل جدل شديد بين صفوف جيوش المسلمين وبصورة أدق بين القوات المرابطية بقيادة يوسف بن تاشفين
    والقوات الأندلسية بقيادة المعتمد بن عباد، فقد ألح المعتمد بن عباد على يوسف بن تاشفين بضرورة مطاردة العدو المنهزم والإجهاز عليه إلا أن يوسف بن تاشفين أعتذر عن ذلك
    وأثر التريث ريثما يرجع الأندلسيون المنهزمون ويذكر الحميري أن الناس أخذوا يتكلمون في اختلاف أبن عباد وابن تاشفين حيث أتهم أتباع أبن عباد أبن تاشفين بأنه لم يرد القضاء كلياً
    على الصليبيين خشية أن يتم الاستغناء عنه، في حين قال أتباع يوسف بن تاشفين أن أبن عباد أراد قطع حبال يوسف من الرجوع للأندلس( ).
    ويبدو أن السبب الذي منع يوسف بن تاشفين من الانصياع لرغبة المعتمد بن عباد هو أنه أدرك مدى الفرقة والتنازع بين ملوك الطوائف حتى في ساعة المحنة( ). ولذلك فأنه جمعهم

    بعد المعركة وأوصاهم بالاتفاق والائتلاف ونبذ الفرقة( ).
    أما بالنسبة لغنائم المعركة فقد استولى المسلمون على الكثير منها، وقد طلبت القوات الأندلسية من الأمير يوسف بن تاشفين أخذ جزء من الغنائم إلا أنه رفض أخذ أي شيء منها وسمح لملوك الطوائف أخذها كلها مبيناً لهم بأن هدفه هو الجهاد في سبيل الله( ).
    ذاعت اخبار انتصار المسلمين في معركة الزلاقة وأرسل يوسف بن تاشفين الرسائل إلى بلاد المغرب العربي يشرح فيها سير المعركة ويكشف عن الدور الجهادي الذي قام به( ). وفضلاً عن ذلك فقد صور لنا المعتمد بن عباد معركة الزلاقة، إذ وصفها في رسالته لأبنه بأشبيلية: (( … وقد أعز الله الدين ونصر المسلمين …. وهزم الكفرة المشركين وأذاقهم العذاب الأليم والخطب الجسيم، فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه الهزيمة العظيمة والمسرة الكبيرة، هزيمة أذفونش أصلاه الله نكال الجحيم، ولا أعدمه الوبال العظيم بعد اتيان النهب على محلاته، واستئصال القتل في جميع أبطاله وأجناده، وحماته وقواده حتى أتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها …))( ). لقد أستقبل أهل الأندلس انتصار المسلمين في معركة الزلاقة بالبهجة والفرح وخاصة مملكة أشبيلية وتبارى الشعراء في مدح ملكها( ). وقد شبه المؤرخون يوم الزلاقة بيوم القادسية واليرموك ووصفت المعركة بأنها فتح الفتوح( ). وقد أشار أبن حمديس في ديوانه بمعركة الزلاقة والانتصار الكبير الذي حققه المسلمين ومدح المعتمد بن عباد بقوله:
    الآن أفرخ روع كل مهيدِ
    إن كان نصر الله فتح بابهُ
    واقتاد حزب الله نحو عدوه
    وأعز دين محمدٍ بمحمدِ
    فأبوك بادر قرعهُ بمهندِ
    فالحرب تجدعُ معطِس المتمردِ( )


    وفضلاً عن ذلك فقد عمت الفرحة بلاد المشرق حتى روي أن الأمام الغزالي هنأ يوسف بن تاشفين بهذا النصر واعتبره الأمير المثالي الذي كان يرجو أن يظهره الله ليعيد عزة الإسلام وقوته كما كتب الأمراء المعاصرون إلى يوسف بن تاشفين مهنئين ومباركين بهذا النصر( ).
    إن عودة القوات المرابطية بقيادة يوسف بن تاشفين إلى المغرب بعد الانتهاء من معركة الزلاقة يعود إلى أنهم أنجزوا المهمة التي جاءوا من أجلها إلى الأندلس، وهي معاونة إخوانهم المسلمين في مواجهة الخطر الأوربي، لذلك ما أن حققوا هذه المهمة على خير ما يرام، فلم يعد لوجودهم أي داعي وهو ما تطلب عودتهم إلى المغرب، وحفزهم على ذلك هو نبأ وفاة أبنه أبي بكر( ) سير( ). ومهما يكن من آمر، فأن الامير يوسف لم يكن عند عبوره الأول إلى الاندلس يفكر في البقاء فيها فصاحب غرناطة يقول: ((ولم يتربص في البلاد ألا يوحش سلاطينها مما يتوقعونه من أنحياش رعيتهم إليه))( ). ونتيجة لذلك فقد رجع الأمير يوسف بن تاشفين إلى الجزيرة الخضراء ومن ثم عبر إلى المغرب( ).
    كان لمعركة الزلاقة نتائج مهمة على الوضع الداخلي في الأندلس سواء ما خص المسلمين أو الأسبان انعكست آثاره على الوضع الأوربي وموقف أوربا من النزاع الإسلامي النصراني في البلاد. إذ تمكن المسلمون بقيادة المرابطين من توجيه ضربة ساحقة لممالك الشمال الأسبانية وحلفاءهم الأوربيون، فغدت الممالك الأسبانية ضعيفة أمام التفوق الإسلامي، بحيث استنزفت قدراتها أثر الخسارة الفادحة التي حلت بها في الزلاقة بمقتل عدد كبير من مقاتليها وقادتها وأمرائها لذلك لم تسجل بعد الزلاقة أية عمليات توسعية لهم ضد المناطق الإسلامية في الأندلس حتى سنة 483هـ/1090م، ويبدو أن نشاطهم الهجومي في هذه الفترة قد تقلص كثيراً عما كان عليه، قبل عام 479هـ/1086م، ويبدو أيضاً ان سياستهم العسكرية أصبحت دفاعية بسبب وجود المرابطين كقوة قادرة على رد أي تهديد يأتي منهم، وكان للزلاقة تأثير مهم على الوضع الأوربي، لأن البابا جريجوري السابع بدأ يفكر في أواخر عهده بتعبئة العالم الأوربي ضد المسلمين، كما واصل البابا اوربان الثاني الجهود في سبيل مشروع ديني واسع يهدف لمواجهة المسلمين في الأندلس وصد خطرهم، وبخاصة أن هذا البابا كان لهو ارتباطات قوية بالأسبان، ولهذا نجد بأنه كان قد عبأ جهود الأوربيين والأسبان بمباركته في العمليات العسكرية ضد المسلمين عام 483هـ/ 1090م، ولتكون بداية لخطوة أوسع إزاء الخطر الإسلامي الذي هدد الأسبان بإعلان الحرب الصليبية في عام 488هـ/1095م.
    إذن كانت هذه الدعوة الصليبية منبثقة من عودة التفوق الإسلامي الكبير في الأندلس وهو ما هددهم كما حدث في السابق عندما هدد المسلمون فرنسا وإيطاليا.
    على الرغم من أهمية معركة الزلاقة عند المسلمين إلا أن المسلمين لم يستثمروا
    انتصارهم للقيام بعمليات واسعة النطاق ضد الممالك الأسبانية الشمالية مستغلين هزيمتهم
    الكبيرة، ويبدو أن المسلمين اعتقدوا بأن هذا النصر الذي حققوه سوف يمنع أعدائهم من أي عدوان جديد يشنوه عليهم، وهو خطأ وقعوا فيه لأنهم سمحوا لهم بإعادة تنظيم صفوفهم وتجميع قواهم.
     
  9. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الرابع الحملات الصليبية من 483-543هـ/1090-1148م

    الفصل الرابع
    الحملات الصليبية
    من 483-543هـ/1090-1148م
    - المبحث الأول
    الحملات الصليبية من 483-519هـ/1090-1125م
    أ‌- سقوط طركونة عام 483هـ/1090م
    ب‌- الحملة الصليبية على الجزائر الشرقية (البليار) سنة 508هـ/1114م
    جـ- سقوط سرقسطة سنة 512هـ/1118م
    -المبحث الثاني
    الحملات الصليبية من 519-543هـ/1125-1148م
    أ- حملة الفونسو الأول المحارب عام 519-520هـ/1125-1126م
    ت‌- معركة أفراغة 528هـ/1133م
    جـ- سقوط أشبونة عام 542هـ/1147م
    د- سقوط المرية عام 542هـ/1147م
    هـ- سقوط طرطوشة عام 543هـ/1148م
    المبحـث الأول
    الحمـلات الصليبيـة مـن 483-519 هــ/1090-1125م

    أدرك المرابطون أن من مستلزمات العمليات العسكرية، اتجاه النصارى الأسبان وحلفاءهم الأوربيين، تطلب جبهة داخلية مستقرة وموحدة، لأن المكاسب التي كانت قد تحققت على
    أيديهم كانت مهددة بالزوال في ظل، تشجيع العالم النصراني لمواصلة الحرب ضد المسلمين وبخاصة من لدن البابوية التي تولت الرئاسة الروحية إلى جانب التركيز على النشاط العسكري، كل ذلك أدى إلى قيام المرابطين بمشروع ضخم أستهدف إخضاع الأندلس إلى سيطرتهم، والقضاء على دويلات الطوائف المنقسمة، وهذا أدى أن تصبح الأندلس ولاية مرابطية في حكمها وإدارتها، مما مهد إلى تحولها إلى قاعدة عسكرية لإدارة المجهود العسكري الإسلامي ضد الأسبان تحت راية الجهاد الإسلامي وهو ما انعكست آثاره، على النصارى الأسبان الذين واجهوا ضغطاً عسكرياً من خصومهم (المرابطين)، مما أستحث العالم الغربي على تكريس مزيداً من الجهود لمقاومة التوسع الإسلامي الجديد وادخل هذه المعركة في مرحلة مهمة وحاسمة استندت على استنهاض الحماسة الدينية الصليبية لمقاومة الدافع العسكري الإسلامي المستند على الجهاد الإسلامي.
    أ - سقوط طركونة سنة 483هـ/1090م
    تقع كركونة شمال طرطوشة وتعد من اعمال مملكة سرقسطة أيام بني هود
    429-503هـ/1037-1109م ، ولما توفي المقتدر بن هود في سنة 474هـ/1081م، قسمت مملكته بين ولديه المؤتمن وأخيه المنذر، وقد أختص المنذر بن هود بالجانب الشرقي من مملكة سرقسطة وفيه ثغر طركونة وطرطوشة ثم توفي المنذر بن هود في سنة 483هـ/1090م، وخلفه ولده الطفل سليمان الملقب بسعد الدولة( ). وفي تلك الفترة واصلت مملكة برشلونة الأسبانية توسعها على حساب أراضي الثغر الأعلى (مملكة سرقسطة)( ). وكان الكونت رامون برنجير الثاني أمير برشلونة 468-489هـ/1075-1095م، ومن ورائه أحبار برشلونة يأملون إلى انتزاع ثغر طركونة من المسلمين وإعادته كما كان مركزاً للكنيسة البرشلونية
    فكتبوا بذلك إلى البابا أوربان الثاني، وهو محرك الحرب الصليبية الأولى في المشرق وقد شجع البابا مشروعهم وباركه، وأسبغ عليه الصفة الصليبية، وأصدر طائفة من المنح والمزايا الدينية للذين يشتركون في هذه الحملة، وكتب إلى سائر الأمراء والفرسان ورجال الدين في البلاد المجاورة، يحثهم على الاشتراك في هذه الحملة المقدسة( ). وهكذا جهزت حملة صليبية قوية لافتتاح طركونة على رأسها رامون برنجير الثاني، وجاءت وفاة المنذر بن هود في تلك الفترة بالذات مشجعة للغزاة، وقد سارت الحملة إلى طركونة واستطاعت انتزاعها من المسلمين
    بسهولة عام 483هـ/1090م، لضعف وسائلها الدفاعية، وتخلى المستعين بن هود صاحب سرقسطة عن إنجادها ولأن الجيوش المرابطية لم تكن قد وصلت يؤمنذ في زحفها نحو الشمال إلى الثغر الأعلى( ).
    شهدت الأندلس خلال المدة ما بين عامي 485-487هـ/1092-1094م، نشاطاً
    عسكرياً للمسلمين بقيادة المرابطين، وتمكنوا من استرجاع مناطق عدة من أيدي الأسبان، وأبرزها بلنسية، في سنة 485هـ/1092م( )، مما حفز الأسبان على مقاومة هذا التوسع العسكري الإسلامي، وتولى هذه المهمة القنبيطور( ) ( ).إلا أن القوات الإسلامية رغم المقاومة الأسبانية لها، واصلت زحفها تجاه المعاقل المعادية التي سيطر عليها الأسبان، وسار المسلمون إلى كوارت ثم مسلاته غرب بلنسية، في شهر رمضان 487هـ/تشرين الأول 1094م( )، ولكن المسلمون انهزموا أمام أعدائهم، وتكبدوا خسائر فادحة( ).
    إن خسارة المسلمين لهذه المعركة جعلتهم يعمدون إلى تنظيم صفوفهم، ومجابهة
    الخطر الأسباني المتنامي وأعدوا، في عام 490هـ/1096م، حملة عسكرية كبيرة،
    ضمت القوات المرابطية وأهل الأندلس، وشارك فيها أيضاً مقاتلين من عرب
    بني( )هلال( ). واستطاعت فيها القوات الإسلامية المشتركة، من إنزال هزيمة منكرة بقوات الفونسو السادس، وذلك في عام 490هـ/1096م، وحفز هذا النصر الأمير يوسف بن تاشفين على مواصلة العمليات العسكرية ضد الأسبان، وبعث بحملة أخرى برئاسة حاكم مرسية محمد بن عائشة( )، إلى أحواز كنكة شرقي مدريد، واندحرت القوات القشتالية المسنودة من قبل مقاتلي مملكة أراغون، التي سارع ملكها بدرو الأول 490-498هـ/1096-1104، إلى نصرة القشتالين، لكن دون جدوى، إذ حسمت في صالح المسلمين، وقتل البرهانس قائد القشتالين( ).
    إن احتدام الموقف عسكرياً في الأندلس ما بين المسلمين والأسبان، وبخاصة في المدة ما بين 487-490هـ/1094-1096م، ترك نتائج مهمة على الموقف الأوربي، وبخاصة من
    لدن البابوية، وبرز ذلك في أن البابا أوربان الثاني، أصدر أمراً بتحريم مشاركة الأسبان في الحملة الصليبية الأولى 490هـ/1096م، ومنع الأسقف برنار رئيس الكنيسة الأسبانية، عند مقابلته له في روما من المساهمة في هذه الحرب، رغم أن الأسبان بقيادة برنار جهزوا أنفسهم عسكرياً، للقتال في المشرق الإسلامي( ). ويبدو أن البابوية أدركت خطورة الوضع العسكري
    في الأندلس، بعد عبور المرابطين وما رافق ذلك من عودة التفوق الإسلامي الواضح في المجال العسكري، إذ أخذت الحصون الأندلسية، وبعض المناطق التي سبق أن سيطر عليها الأسبان، تتساقط أمام المسلمين، ولما كان ظهور المرابطين قد قلب موازين القوى في الأندلس، ولا سيما أن اندفاعهم الديني تحت شعار الجهاد في سبيل الله، كان قد تطلب إعادة تنظيم الصفوف في الأندلس، من أجل إبقاء الجبهة الأسبانية موحدة، وقادرة على التصدي لخصومها، وعدم حدوث أي نقص في القوات الأسبانية أو إمداداتها، بدليل أن البابا أوربان نفسه قد شجع على هجرة المقاتلين لمعاضدة النصارى الأسبان في حربهم، خوفاً من اكتساح العمليات العسكرية الإسلامية، للمناطق الأسبانية، وهنا تكمن حقيقة الموقف من لدن البابوية، إذ البابا أوربان أعطى فتوى شرعية لمن أراد البقاء من الأوربيين في الأندلس، وقتال المسلمين فيها، وهو عذر شرعي من البابوية، كان يعفي المشارك في الحملة الصليبية الأولى، مقابل القتال إلى جانب الأسبان في الأندلس، وبرز ذلك في خطاب البابا إلى الأسبان وحكامهم إذ جاء فيه (( … إذ كان الفرسان في إقليم قد قرروا جميعاً الذهاب لمساعدة الكنيسة الأسيوية، وأن يحرروا إخوانهم من طغيان المسلمين، فأنه ينبغي عليكم أيضاً، وبتشجيع منا، أن تبذلوا قصارى جهدكم، ولا ينبغي لأحد أن يشك في أن خطاياه سوف تغتفر إذا مات في هذه الحملة حباً في الرب وفي إخوانه، وإنه سوف ينال بالتأكيد نصيبه في الحياة الخالدة بفضل رحمة الرب الواسعة، ولذا فأنه إذا كان أحدكم قد قرر الذهاب إلى آسيا فعليه أن يفي بقسمه هنا، ذلك أنه ليس من الخير في شيء أن تنقذ المسيحيين من المسلمين في مكان لكي تعرضهم لطغيانهم في مكان آخر))( ).
    نشطت مملكة أراغون عسكرياً في محاولة منها للسيطرة على منطقة الثغر الأعلى، وبخاصة مدينة وشقة ومن ثم سرقسطة( ). فهاجمت قوات أراغون مدينة وشقة عام 487هـ/1094م، دون أن تفلح في الاستيلاء عليها بل حتى أن ملك أراغون سانشو راميرث 455-487هـ/1063-1094م، مات من جراء هذه الحملة بسبب جروح أصيب بها خلال عمليته العسكرية إلا أن خلفه بدرو الأول يسانده أخوه الفونسو الأول المحارب( )، ونجحوا في هزيمة المسلمين في معركة الكرازة في مقربة من وشقة، عام 489هـ/1095م، مما فسح المجال أمامهم بعد ثلاثة أيام من انتصارهم في دخول المدينة، وأن دخولهم المدينة كشف عن حقيقة البعد الديني للعمليات العسكرية التي قادتها مملكة أراغون إذ حملت في طياتها بعداً دينياً بحتاً دلل عليه أنهم حولوا المسجد الجامع إلى كنيسة( ). ويبدو أن هذا التوجه في السياسة الخارجية اتجاه المسلمين لمملكة أراغون كما برز في العمليات العسكرية لها كان بتوجيه من البابوية ورجال الدين النصارى المؤيدين لها المتواجدين في المملكة، ودلل على ذلك أن مملكة أراغون خضعت دينياً بشكل كامل إلى البابوية وأصبحت تحت التأثير الديني لها، وهو ما يكشف عن مدى التعصب الديني الذي هو في حقيقته عبارة عن توجيه من القيادة الدينية العليا المتمثلة بالبابوية( ). وأن الحملة العسكرية لمملكة أراغون والتي انتهت بالاستيلاء على وشقة كانت تلبية لدعوة البابا أوربان ومباركته قتال المسلمين في الأندلس، مما حفز الأسبان على مواصلة جهودهم العسكرية لقتال المسلمين طالما أنهم حصلوا على شرعية دينية من البابوية لمباركة عملياتهم العسكرية ونيلهم الغفران في حربهم( ).

    أولت البابوية بعد الإعلان الرسمي للحروب الصليبية أهمية خاصة بالأندلس، ولهذا نجد
    - كما مر - البابا أوربان الثاني قد حرم على الأسبان الاشتراك في الحروب الصليبية في الشرق الإسلامي. إذ تشير الأدلة الوثائقية أن عدد كبير من الفرسان الأسبان أرادوا ذلك، فأوضح لهم البابا في رسالته إلى الأسقف بيدرو دي هويسكا، في جمادي الثانية 492 هـ/مايس 1098م، والتي ساوى فيها بين الحملات في الأندلس وأول حملة صليبية توجهت إلى الشرق الإسلامي، وقال بأن الجميع سوف يحصلون على الغفران الكامل لخطاياهم، وهذا ما أكد به خليفته باسكال الثاني 493-512هـ/1099-1118م، في رسائل منفصلة إلى رجال الدين النصارى الفرنسيين وإلى الملك الفونسو السادس، في 1 ربيع الأول 494هـ/14 كانون الثاني 1100م، على عدم توجه الفرسان الأسبان إلى أورشليم، وأن هذا العمل سوف يعرض الأندلس إلى الضغط العسكري المرابطي، لهذا أرسل رسالة إلى كنيسة كومبوستيلا، في 23 جمادي الأولى 495 هـ/25 آذار 1101م يؤكد على موقفه هذا( ). وبذلك عمد الملك بدرو الأول في أراغون والذي حمل الصليب نحو الشرق، بتغير وجهته بضغط من البابوية إلى تكريس جهوده العسكرية في الأندلس، وقاد في عام 495هـ/1101م، حملة ضد سرقسطة، ولكنه لم يفلح في الاستيلاء عليها( ). وهذا يعطينا تصوراً على أن البابوية أرادت الموازنة بين الجبهتين، الغربية والشرقية، فلا تنحصر جهود العالم الغربي في مكان واحد مما يلحق الضرر في مناطق أخرى، ومن هنا نفهم أسباب ودوافع البابوية بعدم السماح للأسبان بالقتال خارج مناطقهم، بل وشجعت الأوربيين على التوجه إلى الأندلس فلا فرق من حيث الأجر والثواب الذي دعت إليه، بين من يقاتل ويقتل في أورشليم أو الأندلس.
    ب - الحملة الصليبية على الجزائر الشرقية( ) (البليار) سنة 508هـ/1114م
    توفي مجاهد العامري سنة 436هـ/1044م، بعد أن حكم مملكة دانية والجزائر الشرقية ثلاثين عاماً( ).
    وبعد وفاته خلفه في الحكم أبنه علي بن مجاهد (إقبال الدول) 436-468هـ/ 1044-1075م، كان علي بن مجاهد يهتم بشؤون الجزائر الشرقية ويعتبرها أهم أقسام مملكته وكان حاكم الجزائر على عهد علي (الأغلب مولى أبيه مجاهد 428-436هـ/1036-1044م)، وكان جندياً وبحاراً قديراً، دائم الإغارة بسفنه على شواطئ برشلونة وبروفانس حيث يقول
    ابن خلدون: ((وأما الأغلب مولى مجاهد صاحب ميورقة فكان صاحب غزو وجهاد في
    البحر …))( ). ولما جاء علي بن مجاهد إلى السلطة أستأذن الأغلب منه في السير إلى الحج فأذن له وعين صهره سليمان بن مشكيان حاكماً على هذه الجزائر حيث حكمها مدة خمس سنوات 437-442هـ/1045-1050م، وفي ذلك يذكر ابن خلدون: ((ولما هلك مجاهد
    أستأذن (الأغلب) ابنه علي في الزيارة فأذن له، وقدم على الجزيرة صهره سليمان بن مشكيان وبعث علي إلى الأغلب فاستعفاه وأقام سليمان خمس سنين ثم مات))( ). وبعد وفاة سليمان خلفه عبد الله المرتضى الذي حكمها من 442-486هـ/1050-1093م، والياً عليها من قبل
    الأمير علي بن مجاهد وفي ذلك يذكر ابن الكردبوس ((وكان واليها (الجزائر الشرقية) قبل
    حلول العدو بنواحيها (عبد الله) من أهل الأندلس))( ).
    ولما سيطر المقتدر بن هود ملك سرقسطة على دانية عام 468هـ/1075م، عزل
    ملكها علي بن مجاهد العامري، فاستقل عبد الله المرتضى بحكم الجزائر الشرقية( ).
    وقد كانت له علاقات ودية مع ملك برشلونة الأسباني رامون برنجير الأول
    427-469هـ/1035-1076م، وولديه برنجير ورامون بدليل أنه أرسل مبعوثاً إلى ملك برشلونة في بعض المهام فتعرف سفيره على (مبشر بن سليمان) الذي حكم الجزائر الشرقية من بعده للفترة 486-508هـ/1093-1114م، فأعجب السفير بمواهب مبشر وافتداه من الأسر وقدم به على المرتضى فسربه وقربه وعاش في بلاطه( ).
    وبعد وفاة عبد الله المرتضى خلفه في حكم الجزائر الشرقية مبشر بن سليمان الذي تلقب بناصر الدولة( ). في الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تواصل زحفها في شرقي الأندلس، وبخاصة بعد دخولها مدينة بلنسية عام 495هـ/1101م، ودخولها سرقسطة عام 503هـ/1109م، لم يفكر مبشر بالانضواء تحت سلطان المرابطين أو على الأقل يعقد حلفاً معهم( ). من جانب آخر لم تكن الجزائر الشرقية تشكل خطراً على تواجد المرابطين في شرق الأندلس بل أنها كانت تخوض المعارك ضد الأساطيل الإيطالية والبرشلونية الأسبانية وهذا
    ساعد على تخفيف العبء على القوات المرابطية في تلك الفترة ولهذا لم يتعرض يوسف بن تاشفين لمبشر بن سليمان بسوء وبقي يحكم الجزائر الشرقية في عهده وفي السنوات الأولى من حكم أبنه علي بن يوسف 500-537هـ/1106-1142م حتى سنة 508هـ/1114م( ).
    كانت جمهورية بيزا الإيطالية أشد المدن الأوربية اهتماماً بالسيطرة على الجزائر
    الشرقية، ووضع حداً لغاراتها المتكررة على الشواطئ الإيطالية وقد كان البابا باسكال الثاني، يشجع هذا المشروع ويباركه( ). لهذا عقدت جمهورية بيزا وجنوا ومملكة برشلونة حلفاً
    للسيطرة على الجزائر الشرقية( ). ففي أوائل عام 508هـ/1114م، خرجت من مياه جنوا أساطيل الغزاة وعدتها 300 سفينة ومعها وحدات بحرية من برشلونة وفرنسا فحاصرت جزيرة يابسة أولاً فسيطرت عليها ثم حاصرت جزيرة ميورقة إذ يذكر ابن الكردبوس ذلك بقوله:
    ((وفي سنة ثمان وخمسمائة أجتمع أهل بيشة (بيزا) وجنوه وعمروا ثلاثمائة مركب وخرجوا
    إلى جزيرة يابسة من عمل ميورقة، فغلبوها، وسبوها وأنتهبوها ثم انتقلوا إلى جزيرة ميورقة))( ).
    وقد حاول ناصر الدولة (مبشر بن سليمان) أمير الجزائر الشرقية دفع الخطر عن بلاده فعرض عليهم الصلح وتعهد بدفع التعويضات عن نفقات الحملة، فرفض الأسطول الأوربي هذا العرض ولهذا فقد أستعد مبشر بن سليمان لحصار طويل الأمد وبعث إلى علي بن يوسف أمير المرابطين يستنجده طالباً العون والمساعدة منه قبل أن تسقط الجزائر الشرقية بأيدي الغزاة( ). وقد أستمر الحصار طيلة عام 508هـ/1114م، تقريباً وفي أثناء الحصار توفي مبشر بن سليمان وتولى الأمر من بعده قريبه القائد (أبو الربيع سليمان بن لبون)( ).
    وقد واصل الأمير الجديد جهاده ضد النصارى وفي الوقت نفسه أضطر ملك برشلونة أن يعود إلى بلاده – قبيل سقوط الجزائر – لدرء خطر القوات المرابطية التي أخذت تشدد هجماتها على أراضيه( ). كذلك حاول سليمان بن لبون مغادرة جزيرة ميورقة سعياً في طلب النجدة والعون من المرابطين إلا أن الأسطول الأوربي أتم القبض عليه وأسره ومنعه من تحقيق هدفه( ). الا ان احد قائد السفن الإسلامية أبو عبد الله بن ميمون استطاع الإفلات من ملاحقة الأسطول الأوربي ووصل إلى أمير المسلمين مستغيثاً فأمر علي بن يوسف في الحال: ((بتعمير ثلاثمائة قطعة، وأن تلقى بعد شهر دفعه فأمتثل أمره في ذلك واندفعت بجملتها من هنالك))( ). إلا أن الأسطول الأوربي استطاع في يوم 7 ذي القعدة من عام 508هـ/3 نيسان 1114م، وبعد مقاومة شديدة أن يدخل جزيرة ميورقة ويعمل فيها الخراب والدمار وقتل الكثير من أهلها( ). ويبدو أن استخدام سياسة التنكيل ضد المسلمين بعد الاستيلاء على ميورقة كان جزء من مخطط البابوية في إرهاب المسلمين وإضعاف معنوياتهم، ومما دلل على الأبعاد العسكرية لهذه الحملة أنها لم تقتصر على طرف واحد وإنما ضمت المدن الإيطالية والأسبان الممثلين ببرشلونة وقوات فرنسية أيضاً كل ذلك من أجل القضاء على النفوذ البحري الذي تمثله مملكة الجزائر الشرقية. ويبدو أن المرابطين أدركوا مدى خطورة سيطرة النصارى على هذه المملكة خاصة إذا اتخذوها قاعدة لعملياتهم العسكرية ضد الأندلس ولهذا سارع الأسطول المرابطي للتصدي للصليبيين وقد توجه الأسطول صوب الجزائر الشرقية لإنقاذها من خطر الأعداء فلما علم الصليبيين بمسير الأسطول المرابطي وقربه من مياه الجزائر الشرقية أدركوا أن لا أمل لهم في مقاومته فانسحبوا من جزيرة ميورقة مثقلين بالغنائم والسبي والأموال بعد أن أحرقوا المدينة وقتلوا معظم أهلها وقد وصلت السفن المرابطية في أثرهم إلى الجزيرة في عام 509هـ/1115م، وشرع المرابطون في الحال بعد استرجاع هذه الجزيرة إلى إصلاح أحوالها بعد أن أصابها الدمار والخراب من قبل الأعداء( ).
    وعند هزيمة أسطول الصليبيين هبت ريح عاتية عليه فدفعت بأربع سفن منه إلى ساحل دانية وقد طاردها الأسطول الإسلامي ممثلة بالمرابطين الذين استطاعوا من أسر ثلاث منها بعد أن غرقت الرابعة( ). وهكذا استطاع المرابطون من استرجاع جزيرة ميورقة بدون قتال في عهد علي بن يوسف بن تاشفين( ).
    وبذلك تدخل الجزائر الشرقية في حوزة أملاك المرابطين وأصبحت بذلك تابعة إدارياً لسلطتهم( ).
    ثم تعاقب عليها ولاة المرابطين حتى استقل بها محمد بن علي بن غانية( ) سنة 520هـ/1126م، مكوناً إمارته المشهورة( ).
    وباستيلاء الأسطول المرابطي على جزيرة ميورقة يبتدأ عهد جديد في تاريخ النضال بين المسلمين والفرنجة فقد أصبح الأسطول المرابطي قوة كبيرة حسب لها الغزاة
    شأناً كبيراً( ).
    جـ- سقوط مدينة سرقسطة سنة 512هـ/1118م
    مهد سقوط وشقة عام 489هـ/1095م( )، السبيل أمام الأسبان من أجل بسط سيادتهم على سرقسطة( )، وهي محاولة هدفوا من ورائها السيطرة على منطقة الثغر لأعلى. ولهذا
    سارع الفونسو الأول المحارب في توسيع ممتلكاته وانتزاع مدينة تطيلة عام 511هـ/1117م، ووصل في أوائل عام 512هـ/1118م إلى منطقة ((موريلا)) القريبة من سرقسطة، وكانت صدى دعواته وحركاته ضد المسلمين له تأثير دوي في الناحية الأخرى من جبال البرينه( )، وبسقوط تطيلة أنهار حصن سرقسطة الأمامي التي كانت تعد خطاً دفاعياً قوياً عنها( ).
    وكان تأثير نتائج الحملة الصليبية الأولى في المشرق الإسلامي التي انتهت باستيلاء الصليبيين على بيت المقدس عام 492هـ/1098م، أي قبل عشرين عاماً من سقوط سرقسطة قوياً على الأندلس. فقد ازدادت الروح الصليبية اضطراماً في فرنسا وإسبانيا، ففي سنة 511هـ/1117م، عبرت حملة قوية من صليبي فرنسا إلى الأندلس بقيادة الفرنسي جاستون
    دي بيارن وأخيه سانتولو وكان قد اشتركا بالمشرق في الحملة الأولى ليشتركا وقتذاك مع الأرغونيين في الاستيلاء على سرقسطة( ). ففي عام 512هـ/1118م عقد بمدينة تولوز (تولوشة) مؤتمراً ضم أساقفة (أرل) و (أوش) و (لاسكار) و (بنبلونة) و (بربشتر) قرر فيه المجتمعون إرسال حملة صليبية أخرى إلى الأندلس بقيادة الكونت (دي تولوز) لتعزيز القوات الأسبانية الكبيرة من البشكنس (النافار) وبرشلونة وأورقلة بقيادة أمراء تلك المناطق ومن بين أعداد تلك القوات عدداً كبيراً من رجال الدين الصليبيين من الأساقفة( ) وقد أشار المؤرخ ابن أبي زرع إلى ضخامة أعداد هذه الحملة وقدرها بخمسة آلاف فارس. كما وصفها بأنها كانت أمماً كالنمل والجراد( )، وقدر المؤرخ الحميري أعداد تلك الحملة بخمسين ألف فارس( )، ورغم المبالغة في أعداد الجيوش الصليبية إلا أننا نستشف من تلك الروايات مدى اهتمام وعناية الصليبيين بتلك الحملة من حيث العدد والعدة، والأمر اللافت للنظر ان هذه الحملة حشدت لها الدعاية الدينية النصرانية، دوراً كبيراً لأنها مثلت توجهاً دينياً كبيراً سانده وأعد له رجال الدين النصارى، فلا عجب ان ظهرت الحملة بهذه الأعداد الضخمة التي توجهت إلى الأندلس.
    شرعت الجيوش الصليبية بمحاصرة مدينة سرقسطة بعد أن أكملت تحشداتها واستحضاراتها، حيث وضعوا أبراجاً من الخشب تجري على بكرات وقربوها من أسوار المدينة بعد أن نصبوا فيها الرعادات ووضعوا عليها عشرين منجنيقاً( )، واستمر حصار الصليبيين لمدينة سرقسطة تسعة أشهر بدأ بشهر صفر وحتى شهر رمضان عام 512هـ/1118م( ). وخالفت رسالة قاضي سرقسطة إلى الأمير تميم بن يوسف بن تاشفين ذلك، بأن جعلت مدة سقوط المدينة في سبعة أشهر( )، ويبدو أن هذا الرأي أكثر دقة، كون صاحبها شاهد على هذه الحادثة. أما ما أشير إليه بشأن المدة الزمنية وهو تسعة أشهر فينبغي الوقوف عنده، وربط بين المصادر التاريخية للخروج بنتيجة مقبولة وتوفيقية، إذ أن المدينة على ما يبدو واستناداً إلى هذه المخطوطة استسلمت خلال سبعة أشهر، وأن ما تلا تلك الحادثة من مواجهات عسكرية بين المسلمين والصليبيين، بقيادة الأمير المرابطي تميم، جاء تلبية لنداء الاستغاثة لنجدة المدينة، وحفزهم على ذلك هو سقوطها، لذلك أن العمليات العسكرية للمسلمين كان هدفها استرجاعها
    من قبضة الصليبيين، وهنا يمكننا القول أن العمليات العسكرية بين الطرفين استمرت ما يزيد على سبعة أشهر، فألتبس الأمر على المؤرخين وخلطوا بين حادثة السقوط، ومحاولات
    المسلمين استرجاعها ولذلك قالوا أن فترة الحصار تسعة أشهر.
    ومما يجدر الإشارة إليه إن الأمير عبد الله بن مزدلي والي سرقسطة كان وقت نزول الصليبيين على المدينة يقاتل الأسبان في جهة جيان( ) بعد تعرض الأخيرة إلى عدوان أسبان طليطلة، وما أن وصلت أخبار تهديد سرقسطة كر بقواته عائداً نحو المدينة بعد أن لحق به إمداد عسكري من قرطبة بقيادة أبو يحيى بن تاشفين حاكم قرطبة، فسار معاً إلى طرسونة( ) لصد غارات الصليبيين عنها واستمروا في زحفهم صوب مدينة تطيلة ولاردة وهم يقاتلون الأسبان أشد قتال ويحرزوا الانتصارات المتتالية، ثم عاد بن مزدلي صوب مدينة سرقسطة فدخلها في أوائل جمادي الآخرة عام 512هـ/1118م( ).
    وقد زادت في اضطراب امور سرقسطة وفاة واليها عبد الله بن مزدلي بعد أيام من دخوله المدينة، إذ شجعت هذه التطورات الحاصلة ملك أراغون الفونسو الأول المحارب على تجديد حصاره لمدينة سرقسطة وتشديده له، مما أضطر الأمير علي بن يوسف إلى تنصيب أخيه تميم والي شرقي الأندلس والياً على سرقسطة للدفاع عنها، كما وأمر ولاة الأندلس المرابطين بمساعدة أخيه في هذه المهمة( ).
    وقد دارت معارك عنيفة بين الجانبين الإسلامي والصليبي على أبواب سرقسطة، تمكن فيها المسلمون من إنزال خسائر فادحة في صفوفهم وإحراق قنطرة سرقسطة كي يحيلوا دون عبور الجيش الصليبي إلى المدينة، ونتيجة لاستماتة المسلمين بالدفاع عن المدينة، فكر البعض من القادة الصليبيين في رفع الحصار وترك القتال بعد أن نفذت المؤن والأموال لولا ان شجعهم أسقف مدينة وشقة وزملائه بعد أن وضعوا تحت تصرفهم ذخائر الكنائس وأموالها لشراء الأقوات والأسلحة والأعتدة( )، مما شجع ذلك الصليبيين على تشديد الحصار وقد تضرر السكان ((حتى فنيت الأقوات وفني الناس جوعاً))( )، خاصة أن سكان المدينة لم يستطيعوا جني محاصيلهم بسبب العمليات العسكرية وتواصل الغارات على المدينة، إضافة إلى عدم وصول الإمدادات إليهم من مسلمي الأندلس لأحكام الأعداد لحصارهم للمدينة( ).
    ونتيجة لهذا الوضع المتأزم حاول الأمير علي بن يوسف إنقاذ سرقسطة بأن أمر
    الجيوش المرابطية بالتحرك صوب الثغر الأعلى تحت قيادة أخيه تميم بعد استنجاد أهالي سرقسطة بالمرابطين من أجل إنقاذ المدينة من السقوط بيد الصليبيين( )، وقد جاء هذا الاستنجاد على شكل رسالة بعث بها أهالي سرقسطة إلى الأمير تميم مؤرخة في يوم الثلاثاء 17 شعبان 512هـ/1118م أي بعد مرور ستة أشهر ونصف من بدأ الحصار وقبيل تسليم المدينة بثمانية عشر يوماً فقط، يتضرعون فيها إلى الأمير بأن يسرع في إنقاذ المدينة وتشير الرسالة إلى مقدم الأمير تميم بجيوشه وتلومه على أحجامه من لقاء الصليبيين، ثم تشير الرسالة إلى أهمية سرقسطة الدفاعية وإنها إن سقطت بأيدي الصليبيين ضاعت الأندلس، ويتوجه أهل سرقسطة
    في ختام رسالتهم بالتوسل إلى الأمير تميم أن يسرع إلى بلدهم قبل وقوع الكارثة( ).
    حتمت هذه التطورات على الأمير تميم قيادة جيشاً مرابطياً قدم به إلى سرقسطة قبيل سقوطها لإنقاذها من أيدي النصارى وعسكر على مقربة منها وقد وصل هذا الجيش إلى حصن (سانتاماريا) الواقع على بعد ثمانية عشر كيلومتراً من سرقسطة( ).
    ويقدر عدد الجيش المرابطي بنحو عشرة آلاف جندي وقد ثبت الأمير تميم أمام الفونسو الأول المحارب إلا أنه لم يستمر في القتال لأن أمور المرابطين اضطربت في مراكش
    فأضطر إلى العودة إلى بلنسية ومنها عاد إلى مراكش( ). حيث بقيت سرقسطة تعاني أهوال الحصار بعد رجوع الأمير تميم إلى بلنسية( ). وبعد أن قطعوا الأمل من مساعدة إخوانهم المسلمين في المدن الإسلامية الأخرى وخاصة من المرابطين فلم يعد أمامهم سوى مراسلة الفونسو الأول ملك أراغون لعقد الصلح وقد طلبوا منه: ((أن يرفع عنهم الحصار لفترة معينة فأن لم يأتيهم من ينصرهم خلال هذه الفترة، أخلوا البلاد وسلموها له، فعاهدهم على ذلك))( ).
    ونستشف من هذا النص بأن أهالي سرقسطة لم يقطعوا الأمل من مساعدة إخوانهم المرابطين حتى في آخر أيامهم وبالمقابل نلاحظ موقف الفونسو وموافقته على إعطائهم المهلة لأنه يبدو على معرفة بقوة جيشه وتفوقه حتى لو جاءت نجدة لإنقاذ سرقسطة.
    وبعد أن انتهت المدة الزمنية المحددة لتسليم المدينة دون أن تأتي أية مساعدة لأهلها فاضطرت إلى تسليم نفسها إلى الفونسو المحارب( )، وقد سلموها له على الشروط التالية:
    1- من أحب منهم أن يرحل بما عنده إلى أية جهة شاء من البلاد فله الأمان التام حتى يصل
    إلى بلاد الإسلام.
    2- من أحب منهم الإقامة وأداء الجزية فله ذلك.
    3- يسكن النصارى المدينة والمسلمون ربض الدباغين.
    4- كل أسير يفلت من المدينة ويصل إلى أرض المسلمين فلا سبيل لمالكه عليه( ).
    لهذا دخل الفونسو وحلفائه المدينة في يوم الأربعاء الثالث من رمضان عام 512هـ/18 كانون الأول 1118م( )، وقد سمح الفونسو لأهل سرقسطة المسلمين لفترة قصيرة باستبقاء قاضيهم (ابن حفصيل) وبالاحتكام إلى شريعتهم( ). غير انه وفي نهاية رمضان 512هـ/6 كانون الثاني 1118م، حول الفونسو المحارب مسجد سرقسطة الجامع إلى كنيسة وسلمه إلى الرهبان (البرنارديين) وسميت بـ (كنيسة لاسيو Laseo)( )، وبذلك أعلنها حرباً صليبية على المسلمين( ).
    وقد وصف لنا قاضي سرقسطة حالة المسجد عندما حوله الفونسو إلى كنيسة في رسالة كتبها إلى الأمير أبي الظاهر تميم بن يوسف بن تاشفين بقوله (( …، ويا ويلاه على مسجدنا المكرم، وقد كان مأنوساً بتلاوة القرآن المعظم، تطأه الكفرة الفساق بذميم أقدامهم، ويدنسوه بقبيح آثامهم، ويعمروه بعبادة أصنامهم، ويتخذوه مواطئ لخنازيرهم، ومواطن لخماراتهم …))( ).
    وقد أصبحت سرقسطة عاصمة مملكة أراغون الأسبانية وجعلت مركز أسقفية ومنح سكانها (النصارى) حقوق وامتيازات وكافأ الفونسو الفرسان الفرنسيين الذين استمروا في معاونته حتى أخذ المدينة، ولاسيما الكونت (جاستون دي بيارن) فقد أقطعه حي سرقسطة الذي كان يقطنه النصارى المعاهدون من قبل وأنعم عليه بلقب (سيد سرقسطة)( ).
    وبذلك أصبحت مملكة أراغون من كبار الممالك النصرانية التي أخذت تمتد لتشمل وادي الأبرو الأدنى والأوسط بعدما كانت إمارة نصرانية صغيرة في جبال البرانس( ).
    وقد وصف لنا ابن الكردبوس رحيل سكان المدينة بعد تسليمها قائلاً ((فلما استقرت به الدار – أي الفونسو المحارب – اخذ أكثر المسلمين في الرحيل والفرار، فبلغ عددهم نحواً من خمسين ألف نسمة ما بين صغير وكبير ونساء وذكور، فلما غادروا المدينة على مرحلة( )، ركب بنفسه مع من استصحبه واحتمله، فوقف عليهم وأمرهم أن يبرزوا جميع ما لديهم من القليل والكثير، فرأى أموالاً لا تحصى كثرة، ولا كان راجياً أن يرى جزءاً منها دهره. فقال لهم: لو لم أقف على ما عندكم من هذه الأموال لقلتم لو رأى بعضها لم يسمح لنا بالترحال، فسيروا الآن حيث شئتم في أمان، ووجه معهم من رجاله، من يشيعهم إلى آخر أعماله، ولم يأخذ منهم سوى مثقال، على الرجال والنساء والأطفال))( ).
    بعد سقوط سرقسطة بيد الفونسو الأول عام 512هـ/1118م، رأى ان أول عمل يجب عليه القيام به هو الدعوة إلى إقامة وحدة دينية تتولى إجلاء المسلمين من الأندلس فبادرت الكنيسة تبارك هذه الدعوة وتدعو لها فأنشأت فرقة (فرسان الداوية)( ) الذي كان هدفهم مكافحة الإسلام وحماية الحصون التي يسترجعها الأسبان من المسلمين، وأن يكونوا في الوقت نفسه الطليعة في كل هجوم يقع على المسلمين وتقدر من يومئذ أن يصبح رجال الدين وخصوصاً في الأديار يعيشون من أجل الحرب والدعوة الصليبية أكثر مما يعيشون للعزلة والعبادة، وبفضل هذا التأييد الكنسي الذي خصت به فرسان الداوية تكونت عدة فرق للفرسان منها فرسان القنطرة وفرسان قلعة رباح وفرسان القديس يوسف وفرسان يابرة( ).
    وبسقوط سرقسطة أصبحت قواعد الثغر الأعلى مهددة أمام الفونسو الأول المحارب الذي سيطر على مدينة روطة( ) المنيعة في عام 512هـ/1118م مباشرة بعد سقوط سرقسطة( ). وبسقوطها انهارت إمارة بني هود، حيث وضع عماد الدولة عبد الملك بن المستعين بن هود نفسه تحت حماية الفونسو الأول، ثم أصبح أحمد بن عبد الملك 524-534هـ/1129-1139م، من أنصار الفونسو السابع (السليطين) ملك قشتالة 520-552هـ/1126-1157م، وهو الذي أستنزله من روطة وعوضه بإقطاع في نواحي طيلطلة( ).
    أما بقية اعمالالثغر، فقد نجح الفونسو في السيطرة عليها بعد ذلك الواحدة تلو الأخرى، ففي عام 513هـ/1119م سيطر على مدينة طرسونة وأعاد إليها مركز الأسقفية القديمة التي كانت قبل فتح المسلمين لها( )، ثم سار إلى مدينة برجه( ) (Berjah) واستولى عليها( ). كما فرض سيطرته على مدينة قلعة أيوب( ) وكانت من أمنع ما بقي من معاقل الثغر الأعلى( ).

    لقد كانت أنباء هذه المحن المتوالية التي نزلت بمسلمي الثغر الأعلى وتوالي سقوط قواعده في أيدي النصارى قد وصلت إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فأهتم بهذا الأمر وكتب إلى أخيه (ابي إسحاق إبراهيم بن يوسف) والي أشبيلية بتجهيز الجيوش والمبادرة إلى السير لقتال ملك أراغون ووضع حداً لعدوانه وكتب في نفس الوقت إلى القادة والرؤساء بالأندلس ان ينهضوا بقواتهم مع أخيه وأن يكونوا تحت أمرته.
    حشد الأمير إبراهيم بن يوسف قواته ووافته قوات قرطبة بقيادة واليها (ابن زيادة) وقوات غرناطة بقيادة واليها (الأمير بن تينغمر اللمتوني) وقوات مرسية بقيادة (ابو يعقوب ينتان بن علي) وجماعة أخرى من الرؤساء والقادة، وعدد كبير من المتطوعة( ).
    سار الأمير بهذه القوات صوب الشمال، وكان الفونسو قد انتهى من السيطرة على قلعة أيوب وسار إلى منطقة قتندة( )، في حيز دروقة من اعمالسرقسطة( ). ولما علم الفونسو الأول المحارب بمسير القوات المرابطية جمع قواته وسار إلى منطقة قتندة، وكان اللقاء بين الطرفين في يوم الخميس 24 ربيع الأول 514هـ/أواخر حزيران 1120م( )، فانهزمت القوات المرابطية واستشهد من المسلمين الآلاف ومن بينهم العديد من الفقهاء والعلماء منهم القاضي
    (أبو علي الصدفي 452-514هـ/1060-1120م، وهو حسين بن محمد بن فيره بن حيون ويعرف بابن سكرة الصدفي، من أهل سرقسطة وسكن مرسية( ). والقاضي (أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن زكريا، المعروف بابن العذراء) قاضي المريه( ). والمعروف عن القاضي الصدفي عند سيره إلى معركة قتندة كان يمارس التدريس في كل الأماكن التي يمر بها ولم ينقطع عن التدريس وهو سائر للحرب مستعداً لها – تطوعاً – مودعاً كمن لا يعود حتى منيت نفسه بالشهادة ( ).
    ونتيجة لهذه النكبة الجديدة التي أصابت الأندلس ولهيبة دولة المرابطية فقد أرتد الأمير إبراهيم بن يوسف والبقية الباقية من جيشه إلى مدينة بلنسية وكان من نتائج هذه الموقعة أن استولى الفونسو الأول على قلعة دروقة وأنشأ على مقربة منها قلعة حصينة عرفت باسم (مونريال) لتكون حاجزاً لصد الجيوش الإسلامية التي تنساب من طريق مرسية وبلنسية وتكون في الوقت نفسه منزلاً لجمعية دينية من الفرسان أسست لحماية الدين( ).
    هكذا سقطت سرقسطة قاعدة الأندلس المهمة وطليعة حصون الإسلام في معركة طويلة مع النصرانية في الأندلس وعجز المرابطون عن استردادها لأن أمور دولتهم كانت قد اضطربت بسبب ظهور الموحدين واشتداد القتال بينهم وبين المرابطين في المغرب.
     
  10. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الفصل الرابع /المبحث الثاني الحملات الصليبية من 519-543 هـ/1125-1148م

    المبحث الثاني
    الحملات الصليبية من 519-543 هـ/1125-1148م

    شكلت المدّة التي نحن بصددها، أهمية خاصة، كونها مثلت الفترة الأخيرة من الصراع الطويل، ما بين المسلمين وخصومهم النصارى في الأندلس في عهد دولة المرابطين، وأمتاز بتعاون وثيق ما بين القوى الأوربية الصليبية، والأسبان لضرب المسلمين وانتزاع مناطقهم
    وفيما يلي أهم الحملات:
    أ - حملة الفونسو الأول المحارب عام 519-520هـ/1125-1126م
    بعد أن استولى الفونسو الأول على مدينة سرقسطة وبعض أعمال الثغر الأعلى
    واطمأنت أحواله فقد طلب منه النصارى المعاهدين( ) ان يكمل ما بدأ به وهو الاستيلاء على
    كل ما تبقى من مدن في يد المسلمين وخاصة غرناطة وقد شرحوا له وضع الأندلس وأحوالها العسكرية والسياسية ووعدوه بتقديم المساعدة له لذلك استجاب لهم ووجدها فرصة مناسبة
    لتحقيق رغباته وأحلامه للقضاء على المسلمين( ). بالإضافة إلى ذلك واصلت البابوية دعواتها لمناهضة المسلمين عسكرياً، ومنذ 4 صفر 517 هـ/2 نيسان 1123م، كان هناك تأكيد وإصرار على هذا التوجه، وتبين ذلك في خطبة البابا كالكستس الثاني 513-518هـ/1119-1124م، ((بأنه يعتبر الحرب ضد المسلمين في أسبانيا لها نفس الصفة التخليصية للحروب في الأراضي المقدسة))( ). وفي تلك المدة الزمنية كانت غرناطة قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس وكان استدعائهم إلى الفونسو المحارب هو الانتقام لما نزل بهم من صنوف الاضطهاد الديني كما يزعمون مبينين ذلك بهدم مسلمي غرناطة كنيسة خارج غرناطة عام 492هـ/ 1098م،
    وبموافقة يوسف بن تاشفين( ).
    يبدو أن هذه الذريعة التي تذرع بها الأسبان لم تكن حقيقية ولا صلة لها بالاضطهاد
    الديني للنصارى لأن ذلك يخالف تعاليم الدين الإسلامي، ولكن كان للحادثة أبعاد دينية أراد منها الأسبان تشويه صورة المسلمين بأنهم ينكلون بأقرانهم الخاضعين للحكم الإسلامي، ويضطهدونهم دينياً عن طريق الاعتداء على أماكن عبادتهم وكان أيضاً غرضهم إثارة الرأي العام الأوربي ضد المسلمين واستنهاض الأسبان في الممالك الأسبانية لقتال المسلمين من أجل حماية النصارى والدفاع عنهم لذلك كانت القضية هي عبارة عن تلفيق بعيد الصحة ذو أبعاد دينية.
    بعث الأسبان المعاهدون إلى الفونسو المحارب زماماً يشتمل على أسماء أثنى عشر ألف من إنجاد مقاتليهم مستعدين لمعاونته وقد رغبوه بغرناطة لما لها من الخيرات والمحاصيل الكثيرة والأنهار والعيون الغزيرة وما تمتاز به من حسن الموقع وروعة العمارة وكونها عاصمة الأندلس( ).
    سار الفونسو الأول بجيشه في أول شعبان عام 519هـ/أيلول 1125م من سرقسطة
    إلى مدينة غرناطة في قوة مختارة من أربعة آلاف مقاتل وساهمت معه القوات الفرنسية بقيادة (جاستون دي بيارن) الذي أشترك في حملة سرقسطة ومعه عدد من رجال الدين في مقدمتهم أسقف سرقسطة ووشقة وقد تعاهدوا جميعاً وتحالفوا بالإنجيل على أن لا يفر أحد منهم حتى ينتصروا أو يموتوا( ). هكذا طبعت الحملة بالطابع الصليبي شأن سائر الغزوات والحملات الأسبانية، وسار ملك أراغون شرقاً وأخترق أراضي لاردة وأفراغة( ) وهو يعيث فيها فساداً ثم اتجه جنوباً ودخل أراضي بلنسية وهو يدمر الزروع ويحرق القرى وكل ما وقع أمامه وقد قاومته في بلنسية قوة مرابطية بقيادة (بدر بن ورقاء)( ) وذلك في أواخر شهررمضان،
    وكان من الصعب ان تجتمع القوات المرابطية للوقوف في وجهه، لأنه حرص على إخفاء
    وجهته الحقيقية وبقي متحركاً في قواته طول تلك المدة. وأثناء ذلك كانت جماعات المعاهدين تسارع إلى الانضمام إليه حتى أصبحت له أعداد كبيرة منهم وكانت لهم دراية واسعة بالطرق والمسالك ويكشفون له موطن الضعف لدى المسلمين في المدن والحصون التي يمر بها( ). ولما غادر بلنسية إلى جزيرة شقر( ) فقاتلها أياماً ورحل بعد ذلك إلى دانية وقاتلها ليلة عيد الفطر واستمر في سيره إلى شاطبة وألش( ) واوريولة( ) حتى وصل إلى مرسية ثم سار إلى البيرة( ) فالمنصورة فبرشانة( ) حيث استراح أياماً ثم ذهب إلى وادي ناطلة ثم سار إلى بسطة( )
    وحاول اقتحامها لضعف تحصيناتها وسهولة موقعها ثم غادرها إلى وادي أش( ) ونزل بقرية القصر القريبة منها وأخذ ينازل منها وادي أش ويقاتلها أياماً وذلك في أوائل شهر ذي القعدة واستمر في محاولته زهاء شهر فلم يحقق منها مأرباً ثم اتجه صوب غرناطة وعندما تقرب منها أستنجد المعاهدون فيها باستدعائه وأراد أميرها منع ذلك فلم يستطع ذلك وتنفذ النصارى المعاهدون من كل جانب إلى مكان الجيش الأسباني وكان في تلك الفترة المشرف على شؤون الأندلس الأمير (أبو الطاهر تميم) وقاعدته غرناطة فجمع قواته وقام الأمير علي بن يوسف بن تاشفين بإمداده بجيش كبير وتوجه هو إلى الأندلس على وجه السرعة وتتابعت به قوات مرسية وأشبيلية وقد أحاطت الجيوش المرابطية مدينة غرناطة حتى صارت كالدائرة( ).
    ثم سار الفونسو من وادي أش ونزل قرية (دجمة) غربي وادي أش فأشتد القلق بغرناطة وصلى الناس صلاة الخوف يوم عيد الأضحى واستعدوا بالسلاح. وفي اليوم التالي وصل جيش الأسبان على مقربة من شرقي المدينة وقامت معركة بينه وبين جيش المسلمين ثم توقف القتال بضع عشرة ليلة بسبب هطول الأمطار والجليد وكان المعاهدون يواصلون إمداداتهم بالمؤن إلى جيش الفونسو المحارب ثم خرج ملك أراغون من غرناطة بعدما عرف من كثرة الجيوش المرابطية بها وذلك في 26 ذي الحجة عام 519هـ/1125م، وقد لام الفونسو الأول
    النصارى المعاهدين وزعيمهم (ابن القلاس) لتقاعسهم وعدم التزامهم بما وعدوه فردوا اللوم عليه بتأخره حتى تلاحقت الجيوش وأنهم قد أصبحوا عرضة للهلاك على أيدي المسلمين( ).
    إن مواصلة الفونسو المحارب عملياته العسكرية ضد المسلمين جاء نتيجة التوجه الديني البارز في الأندلس والمدعوم من لدن الباب كالكستس الثاني وظهر ذلك جلياً لدى المجلس الكنسي في سنتياجو دي كومبوستيلا في 11ذي الحجة 519 هـ/ 18 كانون الثاني/1125م، حيث دعا الأسقف دييغو كيلريز، إلى حمل السلاح وحث على إعداد حملة ضد المسلمين في الأندلس ((لإذلال وإرباك الوثنيين – المسلمين – ولتطهير ونشر المسيحية))( )، ثم قال الأسقف في رسالة وزعها في نفس الوقت جاء فيها ((كما ان جنود المسيح وأبناء الكنيسة المخلصين قد فتحوا الطريق إلى أورشليم بالعرق والدماء دعونا أيضاً بجاهه نشق طريقاً أقصر وأقل صعوبة خلال أقاليم أسبانيا إلى نفس قبر الرب))( ).
    يبدو أن هذا التوجه الديني من لدن البابوية، ترك تأثيراً عميقاً لدى رجال الدين
    النصارى الأسبان، الذين أدركوا أن جهودهم العسكرية ضد المسلمين هي امتداد للحرب
    الصليبية التي تمت مباركتها، وهذا فسر أيضاً تواصل الفونسو الأول المحارب في حملاته ضد المناطق الإسلامية، لأن هنالك توجهاً عاماً في أوربا نحو الأندلس، دعا إلى مناهضة المسلمين بقوة السلاح. وحفز ذلك ملك أراغون على مواصلة عملياته العسكرية ضد المسلمين، فسار إلى قرية مرسانة( ) ثم إلى بيش( ) واتجه شمالاً إلى قلعة يحصب( ) ثم اتجه غرباً إلى قبرة( ) واللسانة( ). وكانت الجيوش الإسلامية تلاحقه وتدخل معه في معارك صغيرة، وكانت قوات أشبيلية بقيادة واليها أبو بكر بن علي بن يوسف قد تحركت واتحدت مع باقي الجيوش
    المرابطية في مطاردة الأسبان. ثم أقام الفونسو الأول بقبره أياماً ثم سار إلى اللسانة ثم انحدر جنوباً والمسلمون تلاحقه حتى قرية شيجة القريبة من غرناطة، وقد وقعت معركة بينه وبين المسلمين في فحص الرنيسول( ) في منتصف صفر عام 520هـ/1126م، كان النصر في البداية للمسلمين ولكن بعد ذلك خسر المسلمين المعركة لعدم إتقانهم الخطة العسكرية في القتال( ).
    خرج الفونسو المحارب بعد ذلك بقواته نحو الجنوب الشرقي ماراً بجبال سيرا نفادا
    (جبل الثلج) وانحدر إلى الشاطئ نحو وادي شلوبانية( ) العميق ويروى أنه قال عند رؤيته:
    ((أي قبر هذا لو ألفينا من يرد علينا التراب))، ثم سار غرباً نحو مدينة بلش مالقة( )، وأقام بها مركباً صغيراً صاد به حوتاً أكل منه ((كأنه نذر كان عليه وفى به، أو حديث أراد ان يخلد عنه))، ثم عبر جبل الثلج مرة أخرى راجعاً إلى غرناطة وتوقف بقرية دلر القريبة منها ثم تحول إلى قرية همدان الواقعة في جنوبها، وقد وقعت معركة شديدة بينه وبين المسلمين، ثم
    أنتقل بعد يومين إلى المرج Larage والمسلمون تلاحقه وتضيق الخناق عليه ثم نزل (بعين أطسه) والجيوش الإسلامية متابعة به ولهذا فقد أخذ الحذر ثم سار إلى اللقوق ثم أنتقل إلى وادي أش، وقد أصيب الكثير من حاميته. وطوى المراحل إلى الشرق فعبر إلى مرسية ثم إلى جوف شاطبة والجيوش المرابطية ملازمة له حتى يأس ورجع بعد ذلك إلى بلاده بعد أن قضى في غزوته خمسة عشر شهراً شعبان (519-رمضان 520هـ/1125-1126م)، ورغم هذا فأنه يفخر بهذه الغزوة التي أنتهك بها المدن الأندلسية الواقعة في الجنوب( ).
    نستنتج من سياق الكلام أن المرابطين استخدموا في الحرب مع ملك أراغون الفونسو المحارب أسلوب متابعة العدو وقتاله كلما سنحت الفرصة، فقد قامت القوات المرابطية
    بملاحقتهم في توغلهم داخل الأراضي الأندلسية لتنهيهم من تحقيق أهدافهم المنشودة واستطاعت من تكبيدهم خسائر كبيرة عبر المناوشات بين الجانبين إضافة إلى عدم إعطاءهم جزءً من الراحة لكي يعيد هيكلة جيشه وبالتالي يستطيع من تحقيق ما كان يربو إليه لهذا كان هذا الأسلوب متقن في الجيش المرابطي وهو الذي عكر من نجاح حملة الفونسو.
    لم يحقق ملك أراغون من وراء حملته أية نتيجة عملية ولكنها مع ذلك كشفت عن حقيقة هامة وهي ان نظم الدفاع عن الأندلس ضعيفة،وان خطط القيادة المرابطية منذ نكبة سرقسطة لم تكن كفيلة بردع عدوان الممالك الأسبانية كما كشفت عن خطر النصارى المعاهدين الذين يعيشون في ظل الحكومة الإسلامية ويتمتعون برعايتها لم يكونوا يشعرون نحوها بذرة من الولاء بل كانوا يمثلون خطراً داخلياً على الأندلس( ). ونتيجة لهذه الحملة التي قام بها الفونسو المحارب فقد عبر كبير الجماعة في قرطبة (القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد)( ) إلى المغرب وقابل علي بن يوسف في مراكش وبين له أمر الأندلس وأحوالها وما أصابها من استدعاء النصارى المعاهدين إلى الفونسو المحارب وتدمير البلاد من جراء ذلك وأفتى بتغريبهم وإجلائهم من أوطانهم عقاباً لهم على هذه الخيانة( ). وفي ذلك يقول ابن الخطيب نقلاً عن ابن الصيرفي: ((ولما بان للمسلمين من مكيدة جيرانهم المعاهدين ما أجلت عنه هذه القضية أخذهم الإرجاف … ووجه القاضي أبو الوليد ابن رشد الأجر، وتجشم المجاز، ولحق بالأمير علي بن يوسف بن تاشفين بمراكش، فبين له أمر الأندلس وما منيت به معاهدها وما جنوه عليها من استدعاء الروم وما في ذلك من نقض العهد والخروج عن الذمة وأفتى بتغريبهم وإجلائهم عن أوطانهم، وهو أخف ما يؤخذ به من عقابهم))( ).
    أخذ علي بن يوسف بهذه الفتوى وصدر أمره إلى جميع بلاد الأندلس بأبعاد النصارى المعاهدين إلى عدوة المغرب فنفيت منهم جموع غفيرة في رمضان عام 521هـ/1127م، وسبق الكثير منهم إلى مكناسة، وسلا وغيرها من بلاد العدوة، وقد تعرض عدد كبير منهم للهلاك والموت أثناء انتقالهم إلى المغرب( ).
    وقد ضم علي بن يوسف عدداً منهم إلى حرسه الخاص الذين امتازوا فيما بعد بالإخلاص والبراعة على إن هذا التغريب لم يكن شاملاً، فقد بقيت في غرناطة وقرطبة وفي غيرهما من القواعد الأندلسية جماعات من النصارى المعاهدين لأسباب مختلفة لتنمو وتزدهر مرة أخرى( ).
    ب- معركة أفراغة 528هـ/1133م
    بعد غزوة الفوسو المحارب عام 519-520هـ/1125-1126م على بلاد الأندلس،
    دخل مع منافسه الفونسو السابع (السليطين) ملك قشتالة في حرب وقد انتهت بعقد هدنة بين الطرفين سنة 524هـ/1129م( ).
    بعد انتهاء هذا الصراع توجه الفونسو الأول باتجاه الشمال إذ عبر جبال البرت في
    بعض قواته إلى فرنسا واستطاع من محاصرة مدينة بيونه( ) والاستيلاء عليها وذلك سنة 525هـ/1130م لإنجاد بعض أتباعه الفرنج المجاورين لبلاد النافار( ). ويبدو أن العلاقات ما بين أتباعه الفرنج وفرنسا، تحسنت وحلت محلها، تعاونا وثيقاً بين الجانبين، وأن هذا التوجه الجديد، في نبذ الخلافات الداخلية خدم مشاريع مملكة أراغون التوسعية، وساعد بعد تجاوز نقطة الخلاف هذه لمواصلة العمليات العسكرية ضد المسلمين بعد أن حصل الفونسو الأول المحارب على دعم كبير متمثل بالفرسان الفرنسيين فانضافت له قوة عسكرية إضافية، مما شكل حافزاً على حملاته التي بدأ بأعدادها.
    ثم عاد الفونسو إلى أراغون ليستأنف تدبير مشاريعه العدوانية ضد المسلمين قاصداً هذه المرة مدن الثغر الأعلى مستهدفاً الاستيلاء على مدن لاردة وأفراعة ومكناسة، وكان ثغر طرطوشة هدف ملك أراغون لأن الاستيلاء عليه يحقق له الاستيلاء على ما بقي من مجرى نهر الأبرو ويضمن له سلامة الملاحة في هذا النهر ويصل ما بين مملكته وبين البحر( ).
    أعد ملك أراغون حملة كبيرة واشترك فيها الكثير من الفرسان الفرنسيين
    ولعل هذه المشاركة كانت امتداد للتأثير الديني الذي ظهر خلال هذه الفترة
    512-543هـ/1118-1148م بوجود تيار ديني نصراني فرنسي كان يصر على الحرب الصليبية الدينية ضد المسلمين ولهذا قدمت الجموع الفرنسية لمساعدة ملك أراغون، وبدأت هذه القوات المتحالفة بمهاجمة مدينة مكناسة وبعد قتال شديد اضطرت المدينة إلى تسليم نفسها وذلك في عام 527هـ/1132م( ). وزحف بعد ذلك إلى مدينتي أفراغة ولاردة وبدأ بالزحف إلى مدينة أفراغة ولم يكن الاستيلاء عليها بالأمر السهل لموقعها الحصين ومن جهة أخرى فقد شعر المرابطون بقوة جيش ملك أراغون ومدى تدميره منطقة الثغر الأعلى وبلاد الأندلس كافةً فقد رأوا من الواجب أو المصلحة أن يعقدوا السلم مع ملك برشلونة رامون برنجير الثالث
    485-525هـ/1092-1130م، وذلك لكي لا ينتهز الفرصة ويهاجم من جانبه فيضطر المرابطون إلى القتال في جبهتين فاتفقوا على إن يؤدوا له جزية سنوية قدرها (12 ألف دينار) ونتيجة لهذا فقد غضب ملك أراغون وأقسم بأنه سوف ينتزع البلاد التي تؤدي عنها الجزية ويقطع منفعتها على الطرفين( ).
    كذلك أخذ المرابطون بالاستعداد لملاقاة جيش الفونسو وصده في معركة فاصلة وحققوا ذلك حينما اكمل الفونسو المحارب وزحفه ومحاولته محاصرة افراغه وقطع الميرة عنها للاستيلاء عليها، وكان بها القائد سعد بن مردنيش وأشرفت المدينة على الهلاك نتيجة للحصار( ). وكان تاشفين بن علي بن يوسف أمير الأندلس 537-539هـ/1142-1144م بمدينة قرطبة فجهز الزبير بن عمر اللمتوني بألفي فارس وسيره إلى الثغر الأعلى ومعه ميرة كثيرة قاصداً أفراغة كذلك توجه إلى أفراغة الأمير المرابطي أبو زكريا يحيى بن غانية( ) والي بلنسية ومرسية في قوة قدرت بخمسمائة فارس كما تجهز عبد الله بن عياض والي لاردة في مائتي فارس( ). واجتمع القادة المرابطون وحملوا الميرة وساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة وجعل الزبير الميرة أمامه وابن غانية أمام الميرة وابن عياض أمام ابن غانية( ). ولما نفذت موارد أهل أفراغة وأخذ الصبر يضيق بسبب تشديد الحصار فقد كتبوا إلى يحيى بن غانية يطلبون النجدة وإدخال القوات إليهم وإلا سوف يخضعون إلى الاستسلام. ويذكر ابن القطان ردة الفعل عند يحيى بن غانية قائلاً: ((فلما قرأ كتابهم نظر لهم في الميرة واستجاش وأرضخ العطاء لأهل عسكرة وأخبرهم أنه باق على لقاء عدوه ابن رذمير – الفونسو الأول – واعتق على بعض إمائه وعبيده وكتب وصيته))( ). وقد لقي الفونسو الأول المحارب مقاومة شديدة من حامية أفراغة بقيادة واليها سعد بن محمد بن مردنيش مما أضطره إلى رفع الحصار عنها عدة مرات ثم العودة إلى حصارها ثانية، واستطاع المسلمون من إيصال الميرة للمدينة فقويت معنويات المدافعين عنها وقاتلوا قتالاً شديداً( ). وقد أقسم الفونسو تحت أسوار أفراغة أن يفتحها أو يموت دونها، وأقسم معه عشرون من سادته وقد أمر الفونسو أن تأتي رفات القديسين إلى المعسكر إذكاء لحماسة الجند وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف( ).
    من هذا الكلام نستنتج مدى الروح الصليبية تجاه المسلمين من خلال تولي الأساقفة
    ورجال الدين كقادة ومنظمين في المعسكر الصليبي ومحاولتهم إلى شد أزر بقية الجند من
    خلال إذكاء الحماس لديهم لكي يتمكنوا من تحقيق النصر على المسلمين، ويبدو أيضاً من قدرة القوات المهاجمة ومحاصرتها للمسلمين ووقوعها تحت وطأة الحصار الشديد أن أعداد المقاتلين المشتركين في الحملة كانت كبيرة ويمثل هذا عن مدى الاستعداد الكبير الذي بذل في سبيل تحقيق غاياتها، وانتزاع أكبر قدر من المناطق الخاضعة للمسلمين.
    استمرت المواجهة العسكرية بين الجانبين المتحاربين، إذ ما كادت الجيوش المرابطية تصل إلى مدينة أفراغة حتى أنفذ الفونسو الأول قوة كبيرة من جيشه للمصادمة مع جيش المسلمين فحمل عليهم ابن عياض وكسرهم ورد بعضهم على بعض وجاء الفونسو بنفسه وعساكره جميعاً فحمل ابن غانية وابن عياض عليهم ((وعظم القتال فكثر القتل في الفرنج، وخرج أهل افراغة ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم إلى خيام الفرنج فأشتغل الرجال بقتل
    من وجدوا في المخيم واشتغل النساء بالنهب فحمل جميع ما في المخيم إلى المدينة من قوت وعدد وآلات وسلاح وغير ذلك))( ) وأنهزم ابن رذمير وولى هارباً وقتل الكثير من جنده فلم يسلم إلا القليل( ). أما الرواية النصرانية فتشير إلى تفاصيل أخرى حيث تقول حينما وصلت الجيوش المرابطية إلى أفراغة لنصرتها وقعت بين الطرفين معركتان متتاليتان وهزم
    المرابطون في الموقعتين ولجأوا إلى الفرار وعندئذ دب اليأس في قلوب أهل المدينة وعرضوا التسليم وفق شروط، فرفض الفونسو كل عرض للتسليم وصمم على اقتحام المدينة بالسيف إلا
    أن وضع تغير لصالح المرابطين حيث تمكنوا من جمع قواتهم وتنظيمها وعادوا إلى محاولة
    إنقاذ المدينة وتمكنوا من تدبير كمين استطاعوا به سحب الأراغونيين عن قافلة المؤن وهنا
    نشب القتال وحدثت معركة من أشد وأعنف ما عرف في تاريخ المعارك الحاسمة في الثغر الأعلى تحت أسوار مدينة أفراغة( ).
    ويبدو من خلال الروايتين الإسلامية والنصرانية أن كلاهما يكمل الآخر وأنه في الوقت الذي نجح الصليبيين من هزيمة المرابطين ووضع المدينة أمام خيار التسليم أو الاستباحة
    وهو ما حفز فيما بعد أهالي المدينة إلى استثمار هزيمة القوات المهاجمة والخروج لمختلف فئات السكان لمناصرة القوات المرابطية والقضاء على أعدائهم الصليبيين، الذين باتوا يهددون وجودهم، ولذلك كان على المسلمين سواء المرابطين أم أهالي أفراغة تلقين خصومهم درساً لن ينسوه، وإبادة أكبر قدر من قواتهم المهاجمة.
    أما فيما يخص تقدير الجيش المرابطي فيرى عنان ما ذكره ابن الأثير أنهم ثلاثة آلاف لا يتفق مع ضخامة المعركة ونتائجها، حيث أن الرواية النصرانية تقدر الجيش المرابطي بعشرة آلاف مقاتل كما يرجح أن القوات النصرانية كانت تتفوق في الكثرة على جيوش المسلمين( ).
    أما تقدير الجيش الصليبي بقيادة الفونسو الأول فيقدر بأثني عشر ألف مقاتل( ). أما تاريخ هذه المعركة فتقدم الرواية العربية عدة إشارات فيذكر ابن عذاري المراكشي أنها كانت في سنة 528هـ/1133م( )، ويؤيده في ذلك الضبي( )، وابن الخطيب( )، أما ابن الأثير فيذكر أنها
    كانت في عام 529هـ/1134م( )، ويؤيده في ذلك ابن القطان بقوله ((ومن أغرب ما كان في سنة 529هـ/1134م هزيمة الطاغية ابن رذمير))( )، ويبين عنان بعد دراسة الروايات المتناقضة أن تاريخ وقوعها كان في 23 رمضان عام 528هـ/السابع عشر من يوليو سنة 1133م( ). ونحن نرجح ذلك، لأن المصادر الأقرب إلى الحدث هي مصادر أندلسية مضطلعة عن تاريخ الأندلس فهي أقرب للحقيقة والصحة، في حين الرواية الأخرى التي تحدد سنة 529هـ/1134م أشار إليها مصدران الأول مثله ابن الأثير وهو من أهل المشرق الإسلامي ولذلك فهو أبعد عن الحدث التاريخي من سابقيه رغم اهتمامه بأخبار الغرب الإسلامي ويبدو أن ابن القطان تابعه في ذلك.
    أما مصير الفونسو الأول المحارب فيذكر ابن الأثير عندما كثر القتل في أصحابه ولى هارباً ولحق بمدينة سرقسطة ((فلما رأى ما قتل من أصحابه مات مفجوعاً بعد عشرين يوماً من الهزيمة وكان أشد ملوك الفرنج بأساً وأكثرهم تجرداً لحرب المسلمين))( )، ويذكر أشباخ
    بعدما تمت الهزيمة على جيشه عمد إلى الفرار بصحبة فارسين فقط ولجأ إلى دير القديس ((خوان دي لابنيا)) في سرقسطة وهنالك مات غماً بعد ثمانية أيام من الموقعة وذلك في سنة 528هـ/25 تموز 1133م( ). ويبدو أن أغلب القوات الصليبية وقادتها قد أبيدوا
    في المعركة.
    وقد كان لنصر المسلمين في معركة أفراغة صدى كبير ومؤثر في أرجاء الأندلس كافة وفي أسبانيا بنوع خاص وعادت سمعة المرابطين العسكرية إلى سابق مكانتها في الأندلس كما أنها رفعت من مكانة يحيى بن غانية في هذه الموقعة الشهيرة ( ).

    وقد نظم الشاعر أبو جعفر بن وضاح المرسي قصيدته في معركة أفراغة مدح فيها يحيى بن غانية قائلاً:
    شمرت برديك لما أسبل الواني
    دلفت في غابة الخطي نحوهم
    عقرتهم بسيوف الهند مصلتة
    هون عليك سوى نفسٍ قتلتهم
    أودى الصميم واعاقت عن هيئتهم
    وقفت والجيش عقد منك منتشراً
    والخيل تنحط من وقع الرماح بها
    وشب منك الأعادي نار غيانِ
    كالعين يهفو عليها وطف أجفانِ
    كأنما شربوا منها بغدرانِ
    من يكسر النبع لم يعجز عن البانِ
    مقادر اغمدت اسياف شجعان
    إلا فرائد أشياخ وشبانِ
    كأن تصهالها ترجيع ألحانِ( )


    كما كان لهذه المعركة أثر كبير في توقف حملات الأسبان على المدن الأندلسية ولو لفترة وجيزة حيث يقول ابن الخطيب: ((فكانت الهزيمة الشهيرة التي حفظت رمق الأندلس مدة))( )، كذلك أن هذه الموقعة أنهت دور الفونسو الأول المحارب بموته باعتباره أكبر ملوك النصارى( ). ويذكر عنان أن المرابطين لم يستفيدوا من هذا النصر ويزحفوا نحو سرقسطة ويعيدونها إلى حظيرة الإسلام لكن المرابطين قنعوا في هذا النصر وانصرفوا إلى قواعدهم مثل ما حدث عقب نصر الزلاقة إذ أحجم أمير المرابطين يوسف بن تاشفين عن مطاردة الجيش الصليبي لمحاولة استرداد طليطلة( ). إلا أننا لا نتفق مع ما ذهب إليه عنان على عدم استغلال انتصار أفراغة بالزحف نحو سرقسطة لأن قوة المسلمين في تلك الفترة كانت محدودة وأصبحت منهكة من الحملات الأسبانية والأوربية فكانت قوتهم دفاعية أكثر من أنها هجومية، ففي هذه المعركة الدفاعية حاول المسلمون قدر المستطاع الدفاع عن مدينتهم بكل قوة وكانوا لا يريدون أكثر من إفشال حملة الفونسو الصليبية ولم يفكروا في المباغتة لأن قوتهم قد نضبت نتيجة للحصار وأنهم كانوا يقدرون مدى قوتهم لهذا نرى عدم زحفهم نحو سرقسطة وتطهيرها من الأسبان إضافة
    إلى أن بوادر ضعف المسلمين تكمن في تعدد مراكز القوى في صفوفهم والموزعة بين ابن مردنيش وابن غانية وابن عياض والزبير اللمتوني قائد المرابطين.
    بعد معركة أفراغة عاود المسلمون نشاطهم أي عام 528هـ، 1133م، وقاموا بغزوات في الثغر الأعلى بقيادة يحيى بن غانية حيث خرج لحماية الزرع بالثغر وبث الطلائع أثناء ذلك ((فانتهى إليه تقدم عسكر العدو يروم الضرب على بلاد الإسلام فأخذهم في أثرهم حتى لحقهم، فاستأصلهم الله واستنقذ الأسرى))( ).
    ومما ساعدهم أيضاً أنهم توصلوا إلى عقد هدنة مع مملكة أراغون من
    عام 528-530هـ/1133-1135م( ).
    جـ- سقوط أشبونة( ) سنة 542هـ/1147م
    تقع مملكة البرتغال في الجهة الغربية من الأندلس، وكانت قبل استقلالها، ولاية تابعة إلى مملكة قشتالة، تدفع الجزية وساهمت في حروبها ضد المسلمين.
    وكان المؤسس الحقيقي لمملكة البرتغال الفونسو هنريكيز (ابن الرنك)
    522-553هـ/1128-1158م، وهو فارساً شجاعاً، ومن المتمسكين بالدين المسيحي، لذا نجد رجال الدين النصارى ساندوه في الوصول إلى الحكم في عام 522هـ/1128م. وأعلن استقلاله في الحكم، دون تبعية لأحد، مما أغضب الفونسو السابع ملك قشتالة، على اعتبار أنَّ البرتغال تابعة لسلطته. ودخل الطرفان في حرباً طويلة كانت الجهة الجنوبية من جليقية ميداناً لها. ومن ثم توصل الجانبان إلى عقد الصلح بوساطة من مطران براجا( ).
    عقب النصر الكبير الذي حققه الفونسو هنريكيز، على المسلمين في اوريك - وهو مكان يقع على ضفة نهر التاجة – في عام 533هـ/1138م إذ اتخذ ألقاباً ملوكية، واعترض الفونسو السابع لدى البابا على تصرف حاكم البرتغال هذا، ولكن الأخير لم يهتم بهذه المعارضة أو تدخل البابوية، بل سعى إلى عقد مجلس في لاميجو Lamigo – مدينة تقع شمال البرتغال جنوبي نهر دويرة -، حضرة رجال الدين والأشراف ونواب المدن، عام 537هـ/1142م، وأقر هذا المجلس على منح لقب الملك إليه. ووضع أسقف براجا التاج على رأسه. ويلاحظ أن الصفة القومية بدت واضحة في هذا التوجه، ونصت على إن الذي كان يلحق بطبقة الأشراف ليسوا ممن يرجعون في نسبهم إلى الأسرة الملكية حصراً، بل من دافع عن الملك وقاتل دفاعاً عن بلاده، وأسر أميراً من الأعداء( ).
    من جانب آخر نجد أن في سكوت البابوية على تصرف ملك البرتغال، دليلاً على
    مساندتها له، مادام له صلات طيبة ووثيقة مع رجال الدين، وما عرف عنه من الحماس في
    قتال المسلمين.
    كان قيام مملكة البرتغال واشتداد قوتها في عهد ملكها الفونسو هنريكيز، يمثل خطراً جديداً على القواعد الأندلسية الغربية المجاورة لهذه المملكة، وحينما اضطربت شؤون الأندلس وعمت الفتنة في نهاية حكم المرابطين( )، كان الفونسو هنريكيز قد انتهز هذه الفرصة للاستيلاء على القواعد الأندلسية القريبة من حدود مملكته وكان يريد الاستيلاء على أشبونة لموقعها المهم عند مصب نهر التاجة ولحصانتها ولكونها كانت معقل المسلمين الحصين في قلب الأراضي البرتغالية( ).
    وقد حفزه ذلك بعد سقوط مدينة (شنترين)( ) بيده لذلك جمع قواته، وكان الطريق مفتوحاً أمامه وتقدم نحو أشبونة وضرب الحصار حولها من جهاتها الثلاث، أما الجهة الرابعة فكانت بحاجة إلى أسطول بحري حتى يتمم حصاره، وقد كانت تلك الجهة منفذاً لسكان المدينة
    لجأوا من خلاله إلى المحيط الأطلسي فلم يتمكن الفونسو من الاستيلاء عليها( ). وكان من
    حسن حظ الفونسو بأن رست في تلك الفترة بالذات عند مصب نهر دويرة حوالي مئتي سفينة صليبية منها (الإنجليزية والهولندية والألمانية) وكانت تريد التزود بالماء العذب لكنها أرغمت على البقاء في مراسيها نظراً لأضطراب الريح، إذ ان الفونسو قام بمفاوضة أصحابها ووعدهم بالغنائم الضخمة وما ينالونه من ثواب مقاتلة المسلمين في سبيل الدين، وقد لعبت الصليبية دورها مرة أخرى واستجابوا لطلبه فسارت سفنهم بقيادة الكونت ((أرنولف فون أرشوف)) الهولندي إلى مياه أشبونة لمساعدة البرتغاليين على أخذها من المسلمين، وقد ساء الجو ولم يكن صالحاً لسير السفن مما أضطرهم إلى البقاء قبالة شاطئ المدينة ومن ثمَّ تشديد الحصار عليها( ).
    ويذكر الدكتور طرخان أن هذا الفريق الصليبي كان متوجه إلى الشرق الإسلامي على أثر سقوط إمارة الرها( ) الصليبية في يد عماد الدين زنكي( ) عام 539هـ/1144م، وحدث أن توقف الصليبيون عند شواطئ البرتغال فأغراهم البرتغاليون بأن في الأندلس مجالاً للحروب الصليبية والجهاد الديني وليس هنا ما يدعوا إلى الاتجاه إلى الشرق وتحمل مصاعب الرحلة وقد جاء هذا الأغراء من جانب الفونسو هنريكيز، وبذلك انحرفت الحملة الصليبية من الشرق الإسلامي إلى الغرب الإسلامي( ). ولهذا فقد حوصرت المدينة، البرتغاليون من جهة البر، والقوات المشتركة من جهة البحر، مما أدى إلى انقطاع وصول الإمدادات إلى سكانها، فما كان عليهم إلا الدفاع عن مدينتهم بكل قوة أملين أن تأتيهم الإغاثة من جيرانهم المسلمين فظلوا على هذا الحال حتى فقدوا الأمل من المساعدة، وقد قلت الأقوات عندهم واضطروا ملزمين إلى طلب التسليم خوفاً من القتل أو الموت جوعاً ففاوضوا الفونسو إلى تسليم المدينة مقابل إعطائهم الأمان للرحيل بأنفسهم وأن يتركوا أموالهم وأسلحتهم فوافقوا على شروطه وسلمت المدينة بعد حصار دام أربعة أشهر وكان ذلك في سنة 542هـ/1147م( ).
    وبعد أن خرج المسلمون من المدينة تم اقتسام الغنائم بين البرتغاليين وبين الصليبيين
    الذين تحالفوا معهم في الاستيلاء على المدينة المذكورة( ). ثم حولوا مسجدها إلى كنيسة وعين لها أسقف هو الأسقف جلبر( )تو( ). ثم أصبحت مدينة أشبونة عاصمة لمملكة البرتغال منذ الاستيلاء عليها وانتزاعها من المسلمين( ).
    د- سقوط المرية 542هـ/1147م
    كانت مدينة المرية تشكل خطراً كبيراً على الدول النصرانية القريبة منها بسبب امتلاكها أسطول بحري قوي، إذ كانت هذه المدينة تقوم بحملات بحرية على شواطئ هذه الدول.
    كان الوضع في تلك المدّة مضطرب عقب الثورة على المرابطين لهذا فقد استغلت الدول النصرانية هذا الوضع وعلى رأسها البابا (أيو جنيوس الثالث)540-548هـ/1145-1153م، على إن تقوم بانتزاع هذا الثغر الغني والمهم من أيدي المسلمين( ). وأكد أساقفة بلد الوليد( ) وليون بالإجماع على إن المشتركين في الحملة سوف ينالون الغفران، لذلك أثاروا حماس الأسبان وشجعوهم على حرب أعدائهم( ). لهذا وجه الجنوييون سفراءهم إلى ملك قشتالة الفونسو السابع الملقب بالسليطين للتباحث في السيطرة على المدينة والقضاء على غاراتهم المستمرة، ونتيجة لذلك أخذ الفونسو السابع بالاستعداد إلى تجهيز حملة عسكرية على مدينة المرية. إذ كانت هذه المدينة تقوم بالإغارة على شواطئ فرنسا وإيطاليا الجنوبية( ). وقد أرسل الفونسو أرنولد أسقف أسترقه – شمال الأندلس – إلى الكونت رامون برنجير الرابع أمير برشلونة 525-557هـ/1130-1161م، والكونت جيوم صاحب مونبلية يطلب منهما الاشتراك في الحملة إضافة إلى أن الجنوييون والبيزييون قد تقاضوا من الفونسو السابع مبلغاً قدره ثلاثون ألف قطعة من الذهب لتجهيز السفن وحددوا ربيع الأول 542هـ/أواغسطس 1147م موعداً للتوجه إلى مدينة المرية. وقد قام الأميران رامون وجيوم بإرسال إمدادهما في الموعد المقرر حسب تعهدهما. ومنذ شهر مايو حشد الفونسو السابع قواته في قلعة رباح وقد اقام هنالك استعراضاً عسكرياً للفرق كافةً وكان جيشه يتكون من قوات جليقية وأشتوريس وقشتالة وبرشلونة وأراغون ونافار وكل منهما يقوده أميراً قائد منهم ويتولى الفونسو السابع القيادة المركزية العليا للجيش( ). ووقف أسقف اشتوريس ليحيي الجيوش المتحالفة مؤكد لهم
    ((إن أبواب الجنة مفتوحة لهم))( ). لهذا توجهت الحملة الصليبية نحو المدينة المكونة من ممالك أسبانيا النصرانية مع قوات حنوا وبيزا وقوات من خلف جبال البرت – وهم الفرنسيون – بدعوة من البابا، وقامت بمحاصرة المدينة براً وبحراً بجيوشهم الكبيرة، وقد أستمر الحصار
    ثلاثة أشهر فلما نفذت الأقوات وانعدمت الميرة أضطر أهل المدينة إلى تسليمها إلى الفونسو السابع( ). فدخلت الجيوش المشتركة المدينة في يوم الجمعة السابع عشر من جمادي الأولى
    عام 542هـ/1147م( ). وفي ذلك يقول ابن الأثير: ((في سنة 542هـ جمادي الأولى حصر الفرنج مدينة المرية من الأندلس وضيقوا عليها براً وبحراً فملكوها عنوة وأكثروا القتل بها والنهب))( ). يبدو أن اجتماع النصارى الأسبان والأوربيين كان بعد أن تدخلت البابوية بنفسها في قيادة الحرب، وهو ما أعطى أهمية خاصة للمعركة ضد المسلمين بعد رعاية ومباركة البابا لها.
    والمعروف عن أهالي المرية أنهم قد ثاروا على المرابطين ودخلت هذه المدينة في فلك الموحدين سنة 541هـ/1146م، وقد ولاها من قبل الموحدين يوسف ابن مخلوف فثار عليه أهل المرية وقتلوه( ). وقد عرضوا على أحد رجال المرابطين قائد البحر محمد بن ميمون فلم يقبل لذلك قدموا على أنفسهم أبا يحيى ابن الرميمي( ) فتسلم أمورها وضبطها إلى أن دخلت الجيوش الصليبية إليها( ). وقد أستشهد الكثير من المسلمين خلال دخول الصليبيين المدينة ومن الذين استشهدوا عالم المرية (أبو محمد عبد الله الرشاطي( ))( ). وهذا يدلل على وجود مقاومة شعبية قادها العلماء من أهل المدينة لرد العدوان الصليبي كذلك فقد أُسِرَ العديد من أبناء المدينة وقد أحصي عدد من سبي من إبكارها أربعة عشر ألفاً( ). ويبدو ان الرقم المذكور فيه نوع من المبالغة، ولكن يمكن ان نستنتج منه بأن المدينة تعرضت للتنكيل والعقوبة نتيجة اصرارها على المقاومة، وأوضح جسامة الكارثة التي ألمت بها. إضافة إلى حصولهم على الغنائم الكثيرة التي قسمت على الجند وقد حصل الجنوييون والبيزييون منها على القسم الأكبر كذلك حصل الكونت رامون على جميع الأسرى( ).
    كان سقوط هذا الثغر الأندلسي المهم في يد النصارى يعد حدثاً خطيراً في تلك الفترة إذ كانت لهذه المدينة منزلة خاصة عند المسلمين وكانت مركزاً للتصوف الإسلامي بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية( ). إلا أن هذا الاحتلال الصليبي لم يدم طويلاً إذ عادت مدينة المرية إلى قبضة الإسلام عندما استطاع الموحدين من استرجاعها في سنة 552هـ/1157م، وقد أفرج عن حاميتها النصرانية بالأمان( ).
    هـ سقوط طرطوشة سنة 543هـ/1148م
    بعد أن اُستُوليَ الصليبيون على مدينة المرية عام 542هـ/1147م، فقد شجعهم هذا الحدث على عزو ثغر طرطوشة، وكان لهذا الثغر أهمية قصوى عند الأسبان باعتباره أعظم ثغور الشمال الشرقي حيث يقع على حدود مملكة برشلونة النصرانية، ثم أنه كان مأوى المسلمين المجاهدين الذين كثيراً ما كانوا يرابطون في هذا الثغر ويقومون بهجماتهم على مملكة برشلونة ومملكة أراغون وشواطئ فرنسا حتى اعتقدت الممالك الأسبانية ان المسلمين
    بطرطوشة يستطيعون أن يسقطوا مملكة برشلونة ومملكة أراغون اللتين قامتا على أنقاض
    مملكة سرقسطة المسلمة بل ربما يستطيعون أن يرجعوا سرقسطة إلى عهدها الإسلامي( ). وقد ساعد الأسبان في السيطرة على هذه المدينة هو صداقتهم مع الأمير محمد بن سعد بن مردنيش( ) حاكم شرقي الأندلس وزعيم الثورة ضد الموحدين فهاجموا مدينة طرطوشة بزعامة ملك برشلونة رامون برنجير الرابع في عام 543هـ/1148م( ). بمساعدة فرسان الهيكل (المعبد) الصليبيين وأساطيل بيزا وجنوا( ). وقد بارك البابا (أيوجنيوس الثالث) هذه الحملة فدعا الصليبيين للاشتراك فيها( ).
    سار الكونت رامون بقواته والصليبيون بأساطيلهم وقاموا بمحاصرة مدينة طرطوشة من البر والبحر طوال ستة أشهر دون أن يحرك محمد بن سعد بن مردنيش أمير شرقي الأندلس ساكناً في المدينة( ). فسقطت بيد النصارى في 19 شعبان سنة 543هـ/31 ديسمبر 1148م( ).
    وهناك رواية أخرى تذكر أن الغزاة حاصروا مدينة طرطوشة من البر والبحر ودافع المسلمون عن المدينة بكل شجاعة فصمدوا للحصار مدة أربعين يوماً على أمل أن تصلهم النجدة من مدينة بلنسية أو غيرها فلما يئسوا من كل مساعدة اضطروا إلى تسليم المدينة صلحاً في شعبان 543هـ/ديسمبر 1148م مشترطين أن يحتفظوا بأملاكهم ومساجدهم، ولكن النصارى لم يتقيدوا بتلك الشروط إذ سرعان ما استولوا على جميع المساجد في المدينة بعد فترة زمنية تراوحت بين ثلاثين وأربعين عاماً بعد استلامهم المدينة( ).
    أما بالنسبة إلى الغنائم بعد احتلالهم المدينة فقد قسمت بينهم فقد استولى الجنوبيون والبيزييون وجيوم صاحب مونبلية على ثلثي المدينة نظير مساعدتهم في افتتاح المدينة على إن يؤدوا الجزية. أما الثلث الباقي فقد أعطي ملكاً لأمراء أراغون( ).
    ثم قام بعد ذلك رامون بالتعاون مع الصليبيين بمهاجمة مدينة لاردة فسقطت بأيديهم في جمادي الثانية سنة 544هـ/أكتوبر 1149م، وعبر واليها المرابطي ابن هلال البحر ملتجئاً إلى محمد بن غانية أمير ميورقة ثم سقطت على أثر ذلك مدينتا أفراغة ومكناسة بيد رامون( ).
    وبسقوط هذه القواعد الإسلامية الشمالية الأخيرة في أيدي النصارى انتهت سيادة المسلمين في الثغر الأعلى، وقد كانت هذه القواعد تابعة من قبل مملكة سرقسطة فلما سقطت سرقسطة في أيدي الأرغونيين أصبحت تابعة لولاية بلنسية كما كانت منذ بداية العهد المرابطي، فقد كانت
    هذه القواعد خاضعة لسيادة ابن مردنيش من الناحية الاسمية على الأقل إلا أن ابن مردنيش لم يستطع أن يحميها أو ينجدها إذ كان له ارتباط صداقة وهدنة مع الكونت رامون أمير برشلونة يحول دون أي محاولة لإنقاذها من جهة أخرى كان الدفاع عن هذه القواعد النائية الواقعة في قلب الأراضي النصرانية عملاً صعب جداً وهذا الأمر الذي أدى بابن مردنيش إلى عدم إبداء
    أيّ محاولة لإنقاذها( ).
     
  11. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    المقدمـــة

    المقدمـــة
    شغلت الأندلس مكانة مهمة في التاريخ الإسلامي، إذ أصبحت قاعدة إسلامية، تنطلق
    منها القوات الإسلامية باتجاه أوربا، مما أكسبها أهمية خاصة سواء عند المسلمين أو الأوربيين. ومن الطبيعي أن تكون البلاد الأندلسية محط اهتمام الغزاة الصليبيين وأنظارها، بعد أن
    وطئت أقدامهم الأراضي الأندلسية، ونظراً لأهميتها السياسية والتاريخية والدينية والاقتصادية فضلاً عن أهمية موقعها الجغرافي، بوصفها نقطة اتصال بين خطوط المواصلات التي تربطها بأوربا، ولذلك اكتسبت أهمية كبيرة عند الأوربيين، وهنا تكمن أهمية اختيار الموضوع
    ودراسته، لأنه يمثل جانباً مهماً من العلاقات الدولية الإسلامية الأوربية، في مراحل مهمة من التاريخ الإسلامي، سواء في عهد الولاة أو الإمارة أو دول الطوائف، ومن بعدهم المرابطين.
    مثلت الأندلس بعلاقتها الدولية، مع المسلمين في المغرب العربي، والغرب الأوربي، نقطة مهمة في العصور الإسلامية الوسطى، إذ كان اندفاع المسلمين في عمليات الفتح باتجاه أوربا، بخاصة في جنوب فرنسا تأثيراً في توجه الأوربيين لمقاومة المسلمين، ومنع إمتدادهم إلى
    أراضٍ جديدة خارج الأندلس، ولهذا السبب اشتدت الأطماع الأوربية فيها، وبتحريض ديني من رجال الدين، ومن ثمَّ بإشراف كامل من البابوية، وبدأت على أثرها جموع الصليبيين تتوجه
    إلى الأندلس، لتبدأ مرحلة طويلة من النزاع العسكري الدامي بينهم وبين المسلمين، وحملت في طياتها، خصائص وسمات مهمة، كان أبرزها البعد الديني الواضح، لكلا الطرفين، إذ رفع المسلمون راية الجهاد الديني، وأسهم العلماء والفقهاء في الحث عليه، لذلك نشطوا كثيراً في حشد طاقاتهم لمواجهة أعدائهم من الأسبان، وحلفائهم الأوربيين، وهنا أدرك خصومهم أمام قوة هذا الاندفاع، وتأثيره في العمل العسكري، أن يجدوا وسيلة جديدة تساعدهم في قتالهم، فلجأوا إلى العامل الديني وهنا أسهم رجال الدين الكلونيين بدور بارز في هذا المجال، وتدخلت البابوية بنفوذها الديني في توحيد العالم الغربي، في معسكر واحد من أجل مواجهة المسلمين، ولهذا بدأت بوادر الدعوات الصليبية تحت شعارات الحرب الدفاعية لإنقاذ النصارى من الاضطهاد الإسلامي كما يزعمون.
    إنَّ الدراسات والبحوث التي تناولت هذه الحقبة، اقتصرت في معظمها على إبراز جوانب معينة سواءً كان منها السياسية ام الاقتصادية أم الإدارية أم الثقافية دون أن تولي الدور الديني أهمية كبيرة، على الرغم من كونه أحد العوامل المهمة الموجهة للأحداث والذي توج بتبني الغرب الأوربي فكرة الحرب الصليبية من خلال الدعوة الدينية في عهد البابا اوربان الثاني إلى الإعلان الرسمي للحرب الصليبية عام 488 هـ/ 1095 م، ولذا اعطيت الحرب الصليبية مفهموماً دينياً ذا أبعاد سياسية.
    وحددت فترة الدراسة من الفتح العربي الإسلامي للأندلس حتى نهاية دولة المرابطين،
    لان بداية الحملات الصليبية على الأندلس يمكن ارجاعها إلى الجذور الأولى، التي تمثلت في المقاومة الإسبانية، إلى المسلمين، ومن ثم اتخذت طابعاً دينياً محفزاً لها، وان لم تسمى هذه الفترة المبكرة بأسم الحروب الصليبية، ولكن في جذورها حملت كل مضامين واهداف الحروب الصليبية، عندما اعلنت وانطلاقاً من هذه النقطة كان الزاماً علينا ان نرجع إلى بداية جذورها الأولى، التي تنامت بشكل كبير من اعلان البابا اوربان الرسمي للحرب الصليبية، وتجلت بوضوح ابان الحكم المرابطي للأندلس.
    كذلك حددت الفترة الزمنية للبحث حتى نهاية دولة المرابطين، ويرجع سبب توقفنا عند نهاية الدولة المرابطية، ان هذه الفترة أي فترة حكم المرابطين شكلت اهمية خاصة، كونها تركت آثاراً سياسية وعسكرية سواء على صعيد الوضع الإداري في الأندلس، بتوحيد البلاد تحت
    إدارة مركزية واحدة، وعلى الصعيد الخارجي انهم وقفوا بحزم أمام جحافل الصليبيين الزاحفة إلى الأراضي الأندلسية.
    لذلك تعتبر نهاية هذه الدولة نهاية للجهود العسكرية، التي بذلت من لدن المرابطين مما فسح المجال أمام القوى الصليبية وشكل خطراً على مستقبل وجود المسلمين في الأندلس، وبذلك انتهت فترة اتسمت بخصوصيات ومميزات معينة، خالفت بقية الفترات التاريخية سواء التي سبقتها أو التي تلتها.
    لقد تطلبت مادة البحث تقسيمه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وملاحق.
    تضمن الفصل الأول دراسة الأسباب الكامنة وراء ظهور الحركة الصليبية ودور
    البابوية فيها، واحتوى على مبحثين تناول المبحث الأول مفهوم الحركة الصليبية من الناحية اللغوية والاصطلاحية سواء عند المسلمين أو معناها لدى النصارى. أما المبحث الثاني فقد عرض لدور البابوية في بلورة الحروب الصليبية، إذ كان للبابوات دور كبير أعطى للحرب صفة دينية ارتبطت بنيل الغفران وجاء تجسيداً عملياً من أجل الجهد العسكري.
    أما الفصل الثاني فقد تناول التطور التاريخي للحركة الصليبية في الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي وقسم إلى مبحثين تناول الأول تطور الحركة الصليبية في الشرق
    الإسلامي، إذ ركز على تطور العلاقات الإسلامية البيزنطية، التي امتازت بالطابع الديني المعادي للإسلام، وأثر العمليات العسكرية للسلاجقة في الغرب الأوربي. أما المبحث الثاني
    فقد تضمن تطور الحركة الصليبية في الغرب الإسلامي منذ بداية الفتح الإسلامي للأندلس وظهور المقاومة النصرانية الأسبانية ثم ظهور الدور الفرنسي الكبير في الأندلس كما أوضح جهود الكلونيين في فرنسا لمقاومة المسلمين، وعرض لحملة بربشتر كونها مثلت أهم توجه ديني مدعوم من لدن البابوية.
    وركز الفصل الثالث على الحملات الصليبية من عام 478-479هـ/1085-1086م، وتضمن مبحثين، تناول الأول سقوط مدينة طليطلة عام 478هـ/1085م بيد الصليبيين،
    وكان لسيطرتهم عليها أثر مهم في إبراز التفوق الأسباني الأوربي على حساب المسلمين. في حين عرض المبحث الثاني موقعة الزلاقة عام 479هـ/1086م، وجاءت هذه المعركة ردَّ
    فعل لسقوط طليطلة إذ استنجد الأندلسيون بالمرابطين لتدخل العلاقات الإسلامية الأوربية
    طوراً جديداً برز فيه دور المرابطين.
    أما الفصل الرابع فقد تناول الحملات الصليبية من عام 483-543هـ/1090-1148م، ويتكون من مبحثين، الأول عرض الحملات الصليبية من عام 483-519هـ/1090-1125م، وركز على النشاط العسكري للمسلمين بقيادة المرابطين ضد الأسبان والأوربيين كما عرض لجهود النصارى في انتزاع عدد من المناطق الأندلسية.
    وتناول المبحث الثاني الحملات الصليبية خلال الفترة 519-543هـ/ 1125-1148م، إذ تطرق إلى جهود مملكة أراغون برئاسة الفونسو المحارب الذي حاول السيطرة على أكبر قدر من المناطق الأندلسية كما عرض جهود مملكة البرتغال والدور الأوربي المتحالف مع الأسبان في الأندلس وهو ساعد على سقوط عدة مدن بأيدهم.
    استعرضت الخاتمة ابرز النتائج التي توصلت لها الدراسة. ورسمت الملاحق التي تناولت البحث وهي بقسمين الأول منها هي عبارة عن رسائل توثيقية عرضت لموقف النصارى
    سواء لملوكهم كنقفور او البابوات كأوربان من المسلمين وعكست موقفهم الديني من خصومهم المسلمين بل وتجاوزت أحياناً على الدين الإسلامي مما كشف عن تيار ديني متعصب ابتدأ بنقفور وانتهى بأوربان، والقسم الثاني هي عبارة عن خرائط جغرافية رسمت صورة واضحة لجغرافية الأندلس وتتبع مسار الحملات الصليبية.
    تطلبت مادة البحث الرجوع إلى العديد من المصادر التأريخية، ونحاول فيما يلي تقديم عرضاً لأهم المصادر التي اعتمد عليها البحث، وبغية إبراز أهمية كل منها وتسهيل عرضها، فقد رُتَّبتْ حسب التسلسل الزمني لسني وفاة مؤلفيها: ويأتي في المقدمة كتاب (تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ووصفه لابن الشباط نصان جديدان) الذي عاش في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، ولا تعرف سنة وفاته، ويُعدّ من الكتب القيمة عن تاريخ الأندلس كونه وصفاً تاريخياً مفصلاً حدد وبدقة بعض المواقع والأسماء التي لم تذكرها المصادر الأخرى، وخاصة فيما يتعلق بالحملات الصليبية، إذ أعطانا تفصيلاً عنها، فقدم معلومات جديدة عن سقوط الجزر البحرية أو جزر البليار (ميورقة ومنورقة ويابسة) الواقعة شرق الأندلس وكانت قد تعرضت في سنة 508هـ/1114م، إلى حملة صليبية من مدينتي جنوا وبيزا الإيطاليتين بالتعاون مع الأسبان. كما زودنا بمعلومات مهمة عن سقوط سرقسطة ثغر المسلمين الأعلى عام 512هـ/1118م، بيد الصليبيين بزعامة الفونسو الأول المحارب ملك اراغون وما جرى لسكانها المسلمين عند مغادرتهم لها. وتميز بذكر طبيعة سياسة الملك المحتل إذ وصف لنا تعامله مع المدينة التي يستولي عليها وأمدنا أيضا بوصف قيم لحصن روطة وكان من أعمال مدينة سرقسطة.
    كما ويعد كتاب (الكامل في التاريخ) للمؤرخ ابن الأثير الجزري ت 630هـ/1232م،
    من المصادر التاريخية المهمة لما أشتمل عليه من ذكر لأحداث الغزو الصليبي، فهو وأن تناول المشرق الإسلامي بالتفصيل لكنه لم ينسى الغرب الإسلامي، فأورد معلومات قيمه عن الفترة التي هي قيد الدراسة، وتتصف رواياته بالموضوعية والوضوح، ومما جعل البحث لا يستغني عنه كونه ذكر حجم القوات العسكرية وأعدادها، وعدد الخسائر التي تنجم عن المعارك بين المسلمين والصليبيين، وقد استخدم المؤرخ منهج الحوليات المعتمد على أساس التسلسل الزمني للأحداث التاريخية.
    أما كتاب (صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار) لمحمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري والذي اختلفت المصادر التاريخية في تحديد سنة وفاته، والرأي الأكثر دقة هو سنة 710هـ/1310م، وعد كتابه من المصادر المهمة عن
    تاريخ الأندلس كونه دراسة جغرافية تناولت البلاد الأندلسية بصورة مفصلة فعرف مناطقها وأقاليمها، ومما جعله أيضاً متميزاً في كتاباته انه ربط بين الموقع الجغرافي والحدث التاريخي فهو فهرست جغرافي تاريخي، ولعل ما أورده عن معركة الزلاقة يعد معلومة مهمة عنها، وقد استخدم في كتابته الطريقة الأبجدية في ترتيب المدن الأندلسية.
    أما كتاب (البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب) لابن عذاري المراكشي ت 712هـ/1312م، فيعدّ من المصادر التي تعنى بالتاريخ السياسي والعسكري للأندلس، فقد كان شاملاً واسعاً لتنظيمه سير الحوادث، وشغل الحقبة الزمنية من الفتح الإسلامي للأندلس إلى نهاية الدولة العامرية و الكتاب ذو اهمية كبيرة لنقله مصادر ضاعت ويكفي الإشارة إلى أنه أعتمد في كتاباته على ابن حيان القرطبي وابن بسام وغيرهم.
    أَّما كتاب (اعمال الأَعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام المسمى بكتاب تاريخ أسبانيا الإسلامية) للمؤرخ لسان الدين ابن الخطيب ت 776هـ/1374م، فقد تناول البحث القسم الخاص بالأندلس وهو القسم الثاني، إذ خص ابن الخطيب به بدراسة واسعة عن الأندلس ولا سيما ذكره لملوك الأسبان على أساس تسلسل سنوات حكمهم، وأورد معلومات مهمة عن تحركات الأسبان العسكرية اتجاه الأندلس، ودور الأندلسيين في الدفاع عنها، كما زودنا معلومات قيمة عن نشوء الممالك الأسبانية وعلاقاتها مع الحكم الإسلامي. أما القسم الثالث من هذا الكتاب فقد اعتمد عليه البحث بشكل موجز لأنه أهتم بأخبار المغرب العربي.
    ويعد كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) لمؤلفه أحمد بن محمد التلمساني
    ت1041هـ/1631م، من المصادر المهمة، فقد تناول تاريخ الأندلس ورجال الحكم والإدارة والعلم. إذ إضافة إلى التراجم التي قدمها عن الشخصيات الإسلامية في الأندلس، كان أيضاً دراسة تاريخية وجغرافية للجزيرة الأندلسية والعلاقات السياسية، والتبادل التجاري، لذا تعتبر معلوماته وافرة.
    أما المراجع الحديثة التي تناولت فترة البحث، فمن أهمها التي استفدت منها بشكل كبير كتاب (تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط) للمؤلف شكيب ارسلان، وهو من الكتب المهمة عن تاريخ الأندلس تناول تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي وعرض فيه لجهود ولاة الأندلس في عهد الولاة في التوسع نحو جنوب فرنسا، وقدم معلومات جيدة عن دور رجال الدين النصارى في التصدي للمسلمين والخروج مع القادة العسكريين في مقدمة الصفوف لإثارة الروح الدينية ضد المسلمين، كما عرض لأحوال
    الأندلس في عهد الدولة الأموية والمنصور بن أبي عامر، ومما يعطي كتابه أهمية أنه زار المناطق التي كتب عنها وأطلع على طبيعتها وأوصافها، وهو ما ساعده في الحصول على مصادر أجنبية نادرة وأصيلة تتعلق بصميم الحقبة التاريخية التي كتب عنها، ولن يتسنى لنا الحصول عليها، كما أنه درس العلاقات الإسلامية النصرانية في بعد جغرافي أبعد من
    الأندلس، إذ أعطانا تفصيلاً واضحاً عن العلاقات الأوربية الإسلامية ولم يقتصر في سرده على الروايات الخاصة بالمعارك والعلاقات السياسية والعسكرية وإنما قدم تراجم على المناطق وعن بعض الأشخاص.
    أما كتاب (تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين) للمستشرق الألماني يوسف اشباخ( )، فقد أعتمد كاتبه على مصادر عربية وأجنبية، ويعدّ من الكتب المهمة ففيه تفصيلات عن المؤتمرات الدينية التي شهدتها الممالك الأسبانية ودور البابوات فيها، كما قدم لنا معلومات مهمة عن الحملات الصليبية على الأندلس، ولكن مما يؤخذ عليه تحيزه إلى جانب النصارى كونه يمثل في كتاباته نظرة نصرانية، فهو يمجد ملوكهم ويقلل من أهمية انتصارات المسلمين فعلى سبيل المثال يشير إلى شجاعة الفونسو السادس والمقاتلين الأسبان والأوربيين في معركة الزلاقة وثباتهم في قتال المسلمين واصفاً إياهم بالأبطال الذين ألحقوا خسائر كبيرة بالقوات الإسلامية. ولكن لا غنى للبحث عن الرجوع إليه لأنه يمثل وجهة النظر الأخرى.
    ويعد كتاب (الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية) للمستشرق كلود كاهن( )، الذي
    أراد مؤلفه أن يكون دراسة تاريخية من علاقات الشرق بالغرب في شتى جوانبها السياسية والعسكرية والتجارية والثقافية، كما يعدّ هذا المؤلف موضوعياً في كتاباته، وكشف عن تعاطفه العميق تجاه المنطقة العربية الإسلامية في العصر الوسيط، وربما أحياناً بصورة أفضل من بعض المؤرخين العرب والمسلمين في بعض المواقف فعلى سبيل المثال يشير إلى أن
    الفرنسيين الذين ذهبوا إلى الأندلس لقتال المسلمين لم يكن هدفهم دينياً وإنما التوسع على حساب المسلمين لذلك فهو لم ينظر نظرة دينية فقط وإنما أوضح المطامع التوسعية الاقتصادية في توجه بعض الأمراء.
    أما كتاب (دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي) للمؤلف محمد عبد الله عنان، فقد كان دراسة لفترة زمنية مدتها إحدى وستون سنة (422-483هـ/1030-1090م) رجع كاتبها إلى مادة غزيرة ومتنوعة عن تاريخ هذه الفترة، فصل فيها عن دويلات الأندلس وعلاقاتها مع بعضها ومع الأسبان، وأوضاع الأندلس السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية، في ظل الانقسام الذي شهدته البلاد، كذلك أشار إلى الممالك النصرانية الأسبانية في الأندلس ودورها في قتال المسلمين.
    أما كتابه الآخر وهو (عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس) فقد كان دراسة حقبتي المرابطين والموحدين وقد استفاد البحث من الحقبة الخاصة بالمرابطين، فقد اختص بدراسة الحكم المرابطي وجهوده في تثبيت سلطة المسلمين في البلاد والحملات الصليبية التي تعرضت لها الأندلس، وحدد الجهات التي دعت إليها وشجعت على إعدادها، والدول التي ساهمت أيضاً في هذه الحرب، لذا يعد دراسة مهمة جداً عن تاريخ الأندلس في العهد المرابطي لأنه يعطينا صورة مفصلة عن الحركة الصليبية.
    كما أعتمد البحث إضافة إلى المصادر التي ذكرت مصادر أخرى متنوعة من رسائل جامعية وكتب باللغة العربية وأخرى باللغة الإنكليزية، وكذلك الدوريات التي أظهرت البحث في صورته النهائية، وقدمت معلومات تكميلية، أثبتناها في قائمة المصادر آخر الرسالة.
     
  12. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    المحتويات

    المحتويات

    ت المحتويات الصفحة
    الإهداء أ
    شكر وتقدير ب
    المقدمة ت - ذ
    الفصل الأول الأسباب الكامنة وراء ظهور الحركة الصليبية ودور البابوية فيها. 1-20
    المبحث الأول: الحركة الصليبية مفهوماً واصطلاحاً 1-4
    المبحث الثاني: إسهام البابوات في بلورة الحروب الصليبية 5-20
    الفصل الثاني: التطور التاريخي للحركة الصليبية في الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي. 21-64
    المبحث الأول: تطور الحركة الصليبية في الشرق الإسلامي 21-30
    المبحث الثاني: تطور الحركة الصليبية في الغرب الإسلامي 31-64
    الفصل الثالث: الحملات الصليبية من 478-479هـ/1085-1086م 65-90
    المبحث الأول: سقوط طليطلة عام 478 هـ /1085م 65-75
    المبحث الثاني: معركة الزلاقة عام 479 هـ /1086م 76-90
    الفصل الرابع: الحملات الصليبية من 483-543 هـ/1090-1148م 91-134
    المبحث الأول: الحملات الصليبية من 483-519 هـ/1090-1125م 91-111
    أ- سقوط طركونة عام 483هـ/ 1090م 91-96
    ب-الحملة الصليبية على الجزائر الشرقية (البليار) عام 508 هـ/1114م 97-101
    جـ- سقوط سرقسطة عام 512هـ / 1118م 102-111
    المبحث الثاني: الحملات الصليبية من عام 519-543هـ
    / 1125-1148م 112-134
    أ-حملة الفونسو الأول المحارب عام 519 - 520هـ/1125-1126م 112-119
    ب-معركة افراغة عام 528هـ/ 1133م 119-126
    جـ- سقوط اشبونة عام 542هـ / 1147م 126-129
    د- سقوط المرية عام 542هـ/1147م 129-132
    هـ سقوط طرطوشة عام 543هـ /1148م 133-134
    الخاتمة 135-136
    الملاحق 137-157
    المصادر والمراجع 158-174
    ملخص باللغة الأنگليزية
     
  13. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    Abstract

    ABSTRACT

    This study deals with the crusade campaigns against Andulsia up to the end of Al-Moravid State.
    The importance of the subject derives from the fact that Andulsia was an important Islamic base from which Moslem forces went towards Europe. So, it was important for both Moslems and Europeans. The Moslems and Europeans started a long struggle.
    The subject is chosen for investigation in this study because it sheds light on an important aspect of the international relations during very important phases of the Islamic history whether during the reigns of the Walis (rules), the princes, Al-Tawaif (sects) states or, a after that, the Moravids.
    The study falls into an introduction, four chapters, a conclusion and appendixes. Chapter one highlights the reasons behind the emergence of the crusade and the Papal role in that.
    It includes two sections. Sections one studies the concept of the crusade in language and in terminology for both Moslems and Christians.
    Section two reviews the Papal role in crystallizing the crusade wars.
    Chapter two consists of two sections. Section one is devoted to the development of the crusade in the Islamic east. Emphasis is laid on the Islamic-Bazentine relations which were characterized by religions hostility towards Islam. Section two is devoted to the development of the Crusade in the Islamic west since the Islamic conquest and the emergence of the Christian Spanish resistance and later the emergence of the great French role in Andulsians. The section also clarifies the efforts of the Cullins in France to resist the Moslems.
    Chapter three is a review of the crusade campaigns during
    478-479 A.H./1085-1086.
    It also includes two sections. The first section tackles the fall of Toledo (478.A.H./1085) in the hands of the Crusades. The second one gives an account of the battle Al-Zalaqqa (479 A.H./1086). This battle was a response to the fall of Toledo when the Andalusians called for the help of Al-Moravids and thus the Islamic – European relations witnessed a new stage in which the Moravids had a big role.
    Chapter four is a study of the Crusade campaigns during 483-543 A.H./1090-1148. It is also made of two sections. The first section reviews the crusade campaigns of 483-519 A.H./1090-1125. While the second section is about the Crusade Campaigns of 519-543 A.H/1125-1148.
    The conclusion presents the most important findings that the researcher arrived at.
     
  14. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الملاحق

    ملحــق (1)
    رسالة نقفور إلى الخليفة العباسي المطيع لله نقلاً عن: ابن كثير،
    البداية والنهاية، جـ11، ص244-247
    من الملك الطهر المسيحي مالك
    إلى الملك الفضل المطيع أخى العلا
    أما سمعت أذناك ما أنا صانع
    فأن تك عما قد تقلدت نائما
    ثغوركم لم يبق فيها – لوهنكم
    فتحنا الثغور الأرمنية كلها
    ونحن صلبنا الخيل تملك لجمها
    إلى كل ثغر بالجزيرة آهل
    ملطية مع سميساط من بعد كركر
    وبالحرث الحمراء جالت عساكري
    وكم قد ذللنا من أعزة أهلها
    وسد سروج إذ خربنا بجمعنا
    وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا
    وصبح رأس العين منا بطارق
    ودارا وميافارفين وأزرنا
    واقريطش قد جازت إليها مراكبي
    فحزتم أسرى وسيقت نساؤهم
    هناك فتحنا عين زربة عنوة
    إلى حلب حتى استبحنا حريمها
    أخذنا النساء ثم البنات نسوقهم
    وقد فرعنها سيف دولة دينكم
    وملنا على طرسوس ميلة حازم
    فكم ذات عز حرة علوية
    سبينا فسقنا خاضعات حواسراً
    وكم من قتيل قد تركنا مجندلا
    وكم وقعة في الدرب أفنت كماتكم
    وملنا على أرياحكم وحريمها
    فأهوت أعاليها وبدل رسمها
    إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى
    وإنطاك لم تبعد على وإنني
    ومسكت آبائي دمشق فأنني
    ومصر سأفتحها بسيفي عنوة
    وأجذى كافوراً بما يستحقه
    ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا
    فأن تهربوا تنجوا كراماً وتسلموا
    كذاك نصيبين وموصلها إلى
    سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا
    وأقتل أهليها الرجال بأسرها
    ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم
    رضيتم بان الديلمي خليفة
    ويا قاطني الرملات ويلكم أرجعوا
    وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة
    سألقى جيوشاً نحو بغداد سائراً
    وأحرق أعلاها وأهدم سورها
    وأحرز أموالاً بها وأسرة
    وأسرى بجيشي نحو الأهواز مسرعاً
    وأشعلها نهباً وأهدم قصورها
    ومنها إلى شيراز والري فأعلموا
    إلى شاش بلخ بعدها وخواتها
    وسابور أهدمها وأهدم حصونها
    وكرمان لا أنسى سجستان كلها
    أسير بجندي نحو بصرتها التي
    إلى واسط وسط العراق وكوفة
    وأخرج منها نحو مكة مسرعاً
    فأملكها دهراً عزيزاً مسلماً
    وأحوي نجداً كلها وتهامها
    واغزوا يمانا كلها وزبيدها
    فأتركها أيضاً خراباً بلاقعاً
    وأحوي أموال اليمانيين كلها
    أعود إلى القدس التي شرفت بنا
    وأعلوا سريري للسجود معظماً
    هنالك تخلو الأرض من كل مسلم
    نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم
    قضاتكم باعوا القضاء بدينهم
    عدو لكم بالزور يشهد ظاهراً
    سأفتح أرض الله شرقاً ومغربا
    فعيسى علا فوق السموات عرشه
    وصاحبكم بالترب أودى به الثرى
    تناولتم أصحابه بعد موته
    إلى خلف الأملاك من آل هاشم
    ومن يرتجي للمعضلات العظائم
    ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم
    فأني عما همني غير نائم
    وضعفكم – إلا رسوم المعالم
    بفتيان صدق كالليوث الضراغم
    وتبلغ منها قضمها للشكائم
    إلى جند قنسرينكم فالعواصم
    وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم
    وكيسوم بعد الجعفري للمعالم
    فصاروا لنا من بين عبد وخادم
    لنا رتبة تعلو على كل قائم
    بمنديل مولى علا عن وصف آدمي
    ببيض غزوناها بضرب الجماجم
    أذقناهم بالخيل طعم العلاقم
    على ظهر بحر مزبد متلاطم
    ذوات الشعور المسبلات النواعم
    نعم وأبدنا كل طاغ وظالم
    وهدم منها سورها كل هادم
    وصبيانهم مثل المماليك خادم
    وناصركم منا على رغم راغم
    أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم
    منعمة الأطراف ريا المعاصم
    بغير مهور، لا ولا حكم حاكم
    يصب دماً بين اللها واللهازم
    وسقناهم قسراً كسوق البهائم
    مدوخة تحت العجاج أسواهم
    من الأنس وحشاً بعد بيض نواعم
    واتبعه في الربع نوح الحمائم
    سأفتحها يوماً بهتك المحارم
    سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي
    وآخذ أموالاً بها وبهائمي
    بمشط ومقراض وقص محاجم
    أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم
    من الملك الصادي بقتل المسالم
    جزيرة آبائي وملك الأقادم
    وتكريتها مع ماردين العواصم
    وأغنم أموالاً بها وحرائم
    فملككم مستضعف غير دائم
    فصرتم عبيداً للعبيد الديالم
    إلى أرض صنعا راعيين البهائم
    وخلوا بلاد الروم أهل المكارم
    إلى باب طاق حيث دار القماقم
    وأسبى ذراريها على رغم راغم
    وأقتل من فيها بسيف النقائم
    لإحراز ديباج وخز السواسم
    وأسبى ذراريها كفعل الأقادم
    خراسان قصري والجيوش بحارم
    وفرغانة مع مروها والمخازم
    وأوردها يوما كيوم السمائم
    وكابلها النائي وملك الأعاجم
    لها بحر عجاج رائع متلازم
    كما كان يوماً جندنا ذو العزائم
    أجر جيوشاً كالليالي السواهم
    أقيم بها للحق كرسي عالم
    وسراً واتهام مذحج وقحاطم
    وصنعاءها مع صعدة والتهائم
    خلاء من الأهلين أهل نعائم
    وما جمع القرماط يوم محارم
    بعزمكين ثابت الأصل قائم
    وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم
    لكل نقى الدين أغلف زاعم
    وأعلنتمو بالمنكرات العظائم
    كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم
    وبالأفك والبرطيل مع كل قائم
    وأنشر ديناً للصليب بصارمي
    يفوز الذي والاه يوم التخاصم
    فصار رفاتاً بين تلك الرمائم
    بسب وقذف وانتهاك المحارم


    ملحــق (2)
    رد أبي محمد بن حزم الظاهري الأندلسي على رسالة نقفور
    نقلاً عن: ابن كثير، البداية والنهاية، ج11، ص247-252

    من المحتمى لله رب العوالم
    محمد الهادي إلى الله بالتقي
    عليه من الله السلام مردداً
    إلى قائل بالأفك جهلاً وضلة
    دعوت إماماً ليس من أمرائه
    دهته الدواهي في خلافته كما
    ولا عجب من نكبة أو ملمة
    ولو أنه في حال ماضي جدوده
    عسى عطفة الله في أهل دينه
    فحرتم بما لو كان فيكم حقيقة
    إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره
    سلبناكم كرا ففزتم بغرة
    فطرتم سروراً عند ذاك ونشوة
    وما ذاك إلا في تضاعيف عقله
    ولما تنازعنا الأمور تخاذلا
    وقد شعلت فينا الخلائق فتنة
    يكفر أياديهم وجحد حقوقهم
    وثبتم على أطرافنا عند ذاكم
    ألم تنتزع منكم بأعظم قوة
    ومصراً وأرض القيروان بأسرها
    ألم تنتزع منكم على ضعف حالنا
    مشاهد تقديساتكم وبيوتها
    اما بيت لحم والقمامة بعدها
    وسر كيسكم في أرض إسكندرية
    ضممناكم قسرا برغم أنوفكم
    ولابد من عود الجميع بأسره
    أليس يزيد حل وسط دياركم
    ومسلمة قد داسها بعد ذاكم
    وأخدمكم بالذل مسجدنا الذي
    إلى جنب قصر الملك من دار ملككم
    وأدى لهارون الرشيد مليككم
    سلبناكم مصرا شهود بقوة
    ألى بيت يعقوب وأرباب دومة
    فهل سرتم في أرضنا قط جمعة
    فما لكم إلا الأماني وحدها
    رويداً بعد نحو الخلافة ثورها
    وحينئذ تدورن كيف قراركم
    على سالف العادات منا ومنكم
    سبيتم سبايا يحصر العد دونها
    فلو رام خلق عدها رام معجزا
    بأبنا بني حمدان وكافور صلتم
    دعى وحجام سطوتم عليهما
    فهلا على دميانة قبل ذاك أو
    لبالي قادوكم كما أقتادكم
    وساقوا على رسل بنات ملوككم
    ولكن سلوا عنا هرقلاً ومن خلى
    يخبركم عنا التنوخ وقيصر
    وعما فتحنا من منيع بلادكم
    ودع كل نذل مفتر لا تعده
    فهيهات سامرا وتكريت منكم
    منى يتمناها الضعيف ودونها
    تريدون بغداد سوقا جديدة
    محلة أهل الزهد والعلم والتقى
    دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها
    ودون دمشق جمع جيش كأنه
    وضرب يلقى الكفر كل مذلة
    ومن دون أكناف الحجاز جحافل
    بها من بني عدنان كل سميدع
    ولو قد لقيتم من قضاعة كبة
    إذا أصبحوكم ذكروكم بما خلى
    زمان يقودون الصوافن نحوكم
    سيأتيكم منهم قريباً عصائب
    وأموالكم حل لهم ودماؤكم
    وأرضيكم حقا سيقتسمونها
    ولو طرقتكم من خراسان عصبة
    لما كان منكم عند ذلك غير ما
    فقد طالما زاروكم في دياركم
    فأما سجستان وكرمان بالـ
    وفي فارس والسوس جمع عرمرم
    فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم
    وبالبصرة الغراء والكوفة التي
    جموع تسامي الرمل عداً وكثرة
    ومن دون بيت الله في مكة التي
    محل جميع الأرض منها تيقناً
    دفاع من الرحمن عنها بحقها
    بها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم
    وجمع كجمع البحر ماض عرمرم
    ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة
    يقودهم جيش الملائكة العلى
    فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما
    وباليمن الممنوع فتيان غارة
    وفي جانبي أرض اليمامة عصبة
    نستفينكم والقرمطيين دولة
    خليفة حق ينصر الدين حكمه
    إلى ولد العباس تنمى جدوده
    ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم
    محلهم في مسجد القدس أو لدى
    وإن كان من عليا عدي وتيمها
    فأهلاً وسهلاً ثم نعمى ومرحبا
    هم نصروا الإسلام نصراً مؤزراً
    رويداً فوعد الله بالصدق وارد
    سنفتح قسطنطينية وذواتها
    ونفتح أرض الصين والهند عنوة
    مواعيد للرحمن فينا صحيحة
    ونملك أقصى أرضكم وبلادكم
    إلى إن ترى الإسلام قد عم حكمه
    أتقرن يا مخذول دينا مثلثا
    تدين لمخلوق يدين لغيره
    أنا جيلكم مصنوعة قد تشابهت
    وعود صليب ما تزالون سجداً
    تدينون تضلا لا بصلب إلهكم
    إلى ملة الإسلام توحيد ربنا
    وصدق رسالات الذي جاء بالهدى
    وأذعنت الأملاك طوعا لدينه
    كما دان في صنعاء مالك دولة
    وسائر أملاك اليمانيين أسلموا
    أجابوا لدين الله لا من مخافة
    فحلوا عرى التيجان طوعاً ورغبة
    وحاباه بالنصر المكين إلهه
    فقير وحيد لم تعنه عشيرة
    ولا عنده مال عتيد لناصر
    ولا وعد الأنصار ما لا يخصهم
    ولم تنهنهه قط قوة آسر
    كما يفترى إفكا وزوراً وضلة
    على أنكم قد قلتموا هو ربكم
    أبى لله ان يدعى له ابن وصاحب
    ولكنه عبد نبي رسول مكرم
    أيلطم وجه الرب تبا لدينكم
    وكم آية أبدى النبي محمد
    تساوي جميع الناس في نصر حقه
    فعرب وأحبوش وفرس وبربر
    وقبط وأنباط وخزر وديلم
    أبوا كفر أسلاف لهم فتمنعوا
    به دخلوا في ملة الحق كلهم
    به صح تفسير المنام الذي أتى
    وهند وسند أسلموا وتدينوا
    وشق له بدر السموات آية
    وسالت عيون الماء في وسط كفه
    وجاء بما تقضى العقول بصدقه
    عليه سلام الله ما ذر شارق
    براهينه كالشمس لا مثل قولكم
    لنا كل علم من قديم ومحدث
    أتيتم بشعر بارد متخاذل
    فدونكها كالعقد فيه زمرد
    ودين رسول الله من آل هاشم
    وبالرشد والإسلام أفضل قائم
    إلى أن يوافى الحشر كل العوالم
    عن النقفور المفترى في الأعاجم
    بكفيه إلا كالرسوم الطواسم
    دهت قبله الأملاك دهم الدواهم
    تصيب الكريم الجدود الأكارم
    لجرعتم منه سموم الأراقم
    تجدد منه دراسات المعالم
    لكان بفضل الله أحكم حاكم
    وأخرس منكم كل فاه مخاصم
    من الكر أفعال الضعاف العزائم
    كفعل المهين الناقص المتعالم
    عريقاً وصرف الدهر جم الملاحم
    ودانت لأهل الجهل دولة ظالم
    لعبدانهم مع تركهم والدلائم
    بمن رفعوه من حضيض البهائم
    وثوب لصوص عند غفلة نائم
    جميع بلاد الشام ضربة لازم
    وأندلسا قسراً بضرب الجماجم
    صقلية في بحرها المتلاطم
    لنا وبأيدينا على رغم راغم
    بأيدي رجال المسلمين الأعاظم
    وكرسيكم في القدس في ادرثاكم
    وكرسي قسطنطينية في المعادم
    إلينا بعز قاهر متعاظم
    على باب قسطنطينية بالصوارم
    بجيش تهام قد دوى بالضراغم
    بنى فيكم في عصره المتقادم
    ألا هذه حق صرامة صارم
    رفادة مغلوب وجزية غارم
    حبانا بها الرحمن أرحم راحم
    إلى لجة البحر المحيط المحاوم
    أبى لله ذاكم يا بقايا الهزائم
    بضائع نوكى تلك أحلام نائم
    وسفر مغير وجوه الهواشم
    إذا صدمتكم خيل جيش مصادم
    ليالي بهم في عداد الغنائم
    وسبيكم فينا كقطر الغمائم
    وأنى بتعداد لرش الحمائم
    أراذل أنجاس قصار المعاصم
    وما قدر مصاص دماء المحاجم
    على محل أربا رماة الضراغم
    أقيال جرجان بحز الحلاقم
    سبايا كما سيقت ظباء الصرائم
    لكم من ملوك مكرمين قماقم
    وكم قد سبينا من نساء كرائم
    وعما أقمنا فيكم من مآتم
    إماماً ولا الدعوى له بالتقادم
    إلى جبل تلكم أماني هائم
    نظائرها …. وحز الغلاصم
    مسيرة شهر للفنيق القواصم
    ومنزلة يختارها كل عالم
    من المسلمين الغر كل مقاوم
    سحائب طير ينتحي بالقوادم
    كما ضرب السكى بيض الدراهم
    كقطر الغيوم الهائلات السواحم
    ومن حي قحطان كرام العمائم
    لقيتم ضراماً في يبيس الهشائم
    لهم معكم من صادق متلاحم
    فجئتم ضماناً إنكم في الغنائم
    تنسيكم تذكار أخذ العواصم
    بها يشتفي حر الصدور الحوايم
    كما فعلوا دهراً بعدل المقاسم
    وشيراز والري الملاح القوائم
    عهدنا لكم: ذل وعض الأباهم
    مسيرة عام بالخيول الصوادم
    أولى وكابل حلوان بلاد المراهم
    وفي أصفهان كل أروع عارم
    فرائس كالآساد فوق البهائم
    سمت وبآدى واسط بالعظائم
    فما أحد عادوه منه بسالم
    حباها بمجد للبرايا مراحم
    محلة سفل الخف من فص خاتم
    فما هو عنها رد طرف برائم
    بحصباء طير في ذرى الجو حائم
    حمى بنية البطحاء ذات المحارم
    جموع كمسود من الليل فاحم
    دفاعاً ودفعاً عن مصل وصائم
    كما فرق الإعصار عظم البهائم
    إذا ما لقوكم كنتم كالمطاعم
    مغادر امجاد طوال البراجم
    تقووا بميمون التقية حازم
    ولا يتقى في الله لومة لائم
    بفخر عميم مزبد الموج فاعم
    فأهلاً بماضي منهم وبقادم
    منازل بغداد محل المكارم
    ومن أسد هذا الصلاح الحضارم
    بهم من خيار سالفين اقادم
    وهم فتحوا البلدان فتح المراغم
    بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم
    ونجعلكم فوق النسور القعاشم
    بجيش لأرض الترك والخزر حاطم
    وليست كآمال العقول السواقم
    ونلزمكم ذل الحر أو الغارم
    جميع الأراضي بالجيوش الصوارم
    بعيداً عن المعقول بادى المآثم
    فيالك سحقاً ليس يخفى لعالم
    كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم
    له يا عقول الهاملات السوائم
    بأيدي يهود أرذلين لآثم
    فما دين ذي دين لها بمقاوم
    محمد الآتي برفع المظالم
    ببرهان صدق طاهر في المواسم
    وأهل عمان حيث رهط الجهاضم
    ومن بلد البحرين قوم اللهازم
    ولا رغبة يحظى بها كف عادم
    بحق يقين بالبراهين فاحم
    وصير من عاداه تحت المناسم
    ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم
    ولا دفع مرهوب ولا لمسالم
    بلى كان معصوما لأقدر عاصم
    ولا مكنت من جسمه يد ظالم
    على وجه عيسى منكم كل لاطم
    فيالضلال في القيامة عائم
    ستلقى دعاة الكفر حالة نادم
    من الناس مخلوق ولا قول زاعم
    لقد فقتم في قولكم كل ظالم
    وكم على أبداه للشرك حاطم
    بل لكل في إعطائه حال خادم
    وكرديهم قد فاز قدح المراحم
    وروم رموكم دونه بالقواصم
    فآبوا بحظ في السعادة لازم
    ودانوا لأحكام الإله اللوازم
    به دانيال قبله حتم حاتم
    بدين الهدى رفض لدين الأعاجم
    وأشبع من صاع له كل طاعم
    فأروى به جيشاً كثيراً هماهم
    ولا كدعاء غير ذات قوائم
    تعقبه ظلماء أسحم قاتم
    وتخليطكم في جوهر وأقاتم
    وأنتم حمير داميات المحازم
    ضعيف معاني النظم جم البلاعم
    ودر وياقوت بإحكام حاكم




    ملحـــق (3)

    ( ) رد الشيخ الإمام القفال الشاشي على رسالة نقفور
    نقلاً عن: السبكي، طبقات الشافعية، جـ3، ص209

    أتاني مقال لأمرئٍ غيرِ عالمِ
    تخرص ألقاباً له جد كاذبٍ
    وأفرط إرعاداً بما لا يطيقه
    تسمى بطهرٍ وهو أنجس مشركٍ
    وقال مسيحي وليس كذاكم
    وليس مسيحياً جهولا مثلثاً
    وما الملك الطهر المسيحي غادراً
    تثبت هداك الله إن كنت طالباً
    ولا تتكبر بالذي أنت لم تنل
    بطرق مجازى القول عند التخاصم
    وعدد أثاراً له جد واهمِ
    وأدلى ببرهانٍ له غير لازمِ
    مدنسة أثوابه بالمداسم
    أخو قسوةٍ لا يحتذى فعل راحمِ
    يقول لعيسى جل عن وصفِ آدمِ
    ولا فاجراً ركانةً للمظالمِ
    لحقٍ فليس الخبط فعل المقاسمِ
    كلابس ثوب الزور وسط المقاومِ



    ملحق (4)
    شاعر مجهول يدعو إلى إثارة الحرب ضد المسلمين
    نقلاً عن: قاسم، الحروب الصليبية، ص93-94
    - 1 -
    أنتم يا من تحبون الحب الحقيقي
    أفيقوا وكفاكم نوماً
    فقد أعلن الطائر عن النهار
    ويقول لنا في أغنياته
    أن يوم السلام قد جاء
    وسيمنحه الرب رحمته الواسعة
    لأولئك الذين في حبه
    سوف يأخذون الصليب ومن أجل خطاياهم
    سوف يعانون الألم أناء الليل وأطراف النهار
    والآن سننظر صوب أولئك الذين هم حقاً أحباؤه
    - 2 -
    أن من يهجر سيده وقت الحاجة
    يستحق الدينونة
    وسوف يكون هكذا، وتذكروا جيداً
    وسوف يتحمل الألم ويعاني إهانات كثيرة
    في يوم حسابنا الأخير
    حينما ينظر الرب مخضباً بالدم
    وجنباه مثقوبين وراحتاه وقدماه
    حيث أن ذلك الذي سيكون له الفعل الأحسن
    في هذه الحياة، سوف يرتعد هلعاً
    سواء عن رضى أو كرهة
    - 3 -
    ذلك الذي وضع على الصليب من أجلنا
    لن يحبنا حباً مزيفاً
    ولكن في حب كامل
    ومن أجلنا، في رحمة هائلة
    وفي رقة، حمل الصليب المقدس
    بين ذراعيه وأمام صدره، رغم الكرب
    ثم سمر من نواحي ثلاث …
    من اليدين والقدمين التي ثقبت بالألم تماماً
    - 4 -
    لقد سمعت مثلاً سائراً يقول:
    ((التاجر العاقل ينفق المال من حافظته))
    و ((صاحب القلب الطائش هو
    الذي يرى الحسن فيختار القبيح))
    هل تعرفون بم وعد الرب
    أولئك الذين سيأخذون صليبه؟
    إنه لثواب حسن بالتأكيد
    الفردوس، وكان وعداً صادقاً
    ذلك الذي يمكنه أن يربح مكافأته
    أحمق إذا أنتظر حتى الغد
    - 5 -
    فليس الغد لنا
    ويمكن أن نتأكد من ذلك
    فكم رجل يتصور أن قلبه سليم تماماً
    وبعد أربعة أيام لا يستطيع أن يأخذ
    شيئاً من أملاكه أو معرفته
    لأنه يرى الموت يمسك بلجامه
    حتى أنه لا يستطيع أن يحرك يداً ولا قدماً
    ويترك فراشه الوثير
    ويفضل مرقداً من القش
    ولكنه يثوب إلى الإقرار بذنبه بعد فوات الأوان
    ملحــق (5)
    خطابات البابا أوربان الثاني في الدعوة إلى الحرب الصليبية
    نقلاً عن: قاسم، الحروب الصليبية، ص89-92

    أ-خطاب البابا أوربان الثاني إلى كل المؤمنين في الفلاندرز في ذي القعدة 488هـ/ديسمبر /1095م
    ((إننا نعتقد، أيها الأخوة، أنكم علمتم منذ زمن طويل من مصادر عديدة بالأخبار المحزنة عن أن البرابرة، في هياجهم، قد غزوا ونهبوا كنائس الرب في الأقاليم الشرقية والأسوأ من ذلك أنهم استولوا على مدينة الرب المقدسة التي ازدانت بعذابه وقيامته، وأنهم – وهذا قول فيه تجديف – باعوا كنائسها في عبودية مقيتة. وإذا فكرنا بإخلاص في هذه المصيبة، وخزنا بسببها، فإننا زرنا بلاد الغال وحرضنا السادة والرعايا بحمية في هذا الإقليم على تحرير الكنائس الشرقية. وفي مجمع عقد في أوفرني، كما هو معلوم، فرضنا عليهم التزامات بأن ينجزوا مثل هذا المشروع العسكري لمحو كافة خطاياهم. وعينا نائباً عنا قائداً لهذه الحملة وهذا العمل، وهو أبننا العزيز أدميار، أسقف لي بوي. ويترتب على هذا أن كل من يقرر أن يذهب في هذه الرحلة يجب أن يطيع أوامره كما لو كانت صادرة منا، ويجب أن يخضع لسلطانه تماماً في الحل والعقد في أية قرارات به ومتصلة بعمله. وإذا نادى الرب أو الرجال من بينكم لآخذ هذا القسم، فأنهم يجب أن يعلموا أنهم سوف ينطلقون، بعون الرب في عيد صعود مريم العذراء (15 أغسطس) وأن ينضموا إلى رفاقهم في هذا اليوم)).
    ب - خطاب أوربان الثاني إلى أتباعه في بولونيا في 27 ذي الحجة 490هـ/15 سبتمبر /1096م
    ((نقدم شكرنا إلى نيافتكم، لأنكم على الرغم من وجودكم بين الانشقاقيين والهراطقة، وقف بعضكم دائماً بصلابة في الدفاع عن العقيدة الكاثولوكية، على حين أنَّ الآخرين ممن تجلت لهم الحقيقة برحمة الرب تركوا سبيل الخطأ، وهم الآن حكماء في مذاهب العقيدة الكاثولوكية، ومن ثمَّ فإننا نشجعكم با أحباء الرب على أن تواصلوا بشجاعة السير على درب الحقيقة، وأن تحاولوا إنهاء ما بدأتموه على هذا الشكل الطيب، في نهاية أفضل، لأنه ليس ذلك الذي يبدأ، وإنما ذلك الذي يواصل حتى النهاية هو الذي سينال الخلاص. وقد عينا خاصة لمحبتكم أخانا المبجل الأسقف برنارد، الذي تناسب رعايته المقدسة، نيابة عنا، جماعتكم كرعية. وإذا كنتم تحبون الرب، فإنكم يجب أن تظهروا هذا الحب لنائبه، لأن المسيح نفسه قال عن مثل هذا الشخص: أن من يسمعكم يسمعني. وقد سمعنا أن كثيرين منكم قد هاجهم الشوق للذهاب إلى أورشليم، وهو ما يجب أن تفهموا أنه قد سرنا كثيراً. ويجب أن تعلموا أيضاً أنه إذا ذهب أي رجال منكم إلى هناك، لا لرغبتهم في المكاسب الدنيوية، وإنما فقط لخلاص أرواحهم لتحرير الكنيسة، فإننا بمقتضى سلطتنا، وسلطة كل كبار الأساقفة، وكل أساقفة بلاد الغال، بفضل رحمة الرب العظيم وصلوات الكنيسة الكاثوليكية، نعفيهم من التكفير المفروض عليهم لقاء خطاياهيم التي اعترفوا بها اعترافاً كاملاً؛ لأنَّهم خاطروا بأملاكهم وحياتهم في حب الرب وحب جيرانهم. ولكننا لا نسمح للرهبان أو القساوسة بالذهاب ما لم يحصلوا على إذن من أساقفتهم ومقدمي أديرتهم. كذلك يجب على الأساقفة أن يحرصوا على عدم السماح لرعايا أبرشياتهم بالذهاب بدون النصيحة وبدون علم القساوسة المسبق. كما يجب أن تراعوا أن الشباب المتزوجين لا يجب أن يندفعوا في رحلة طويلة كهذه دون موافقة زوجاتهم. وليساعكم الرب العظيم. في خشيته وفي حبه، وليقودكم هو وقد تحررتم من الآثام والأخطاء، وليرشدكم إلى أن تفهموا كيف تحبونه فوق كافة الأشياء، وتبدون له الإخلاص الحقيقي)).
    جـ- خطاب أوربان الثاني إلى جماعة دير فالومبروسا في 17 رمضان 490هـ /7 أكتوبر/1096م
    ((لقد سمعنا أن بعضكم يريدون الانطلاق مع الفرسان الذاهبين إلى القدس بقصد طيب لتحرير المسيحية. وهذا نوع من التضحية الحقة، ولكن خطته جاءت من أشخاص غير مناسبين؛ لأننا كنا نستفز أذهان الفرسان للذهاب إلى هذه الحملة، لأنهم قد يكونون قادرين على كبح وحشية المسلمين بسلاحهم ويعيدون للمسيحيين حريتهم السابقة: ونحن لا نريد لأولئك الذين هجروا العالم ونذروا أنفسهم للحرب الروحية أن يحملوا السلاح أو يذهبوا في هذه الرحلة، بل إننا نمنعهم من عمل ذلك. كما أننا نمنع المتدينين – من القساوسة والرهبان – من أن ينطلقوا في هذه الصحبة دون إذن من أساقفتهم أو مقدمي أديرتهم وفقاً لحكم القوانين الكنسية المقدسة. فإن سلامة التقدير في مهنتكم الدينية يجب أن تمنعكم من المخاطر بإهانة الكرسي الأسقفي أو تعريض أرواحكم للخطر. وقد سمعنا أن زميلكم، مقدم دير سان ريبارتو، يفكر في ترك جماعتكم وترك نظامكم الديري بأسره. وهكذا، فإننا في هذا الخطاب نرسل له أمراً، وبه نعني أننا نمنعه من أن يجرؤ على حكم نفس الدير بعد ذلك دون إذن من رئيسكم العام، الذي تسمونه المقدم الأسمي. وإذا لم يمتثل بالطاعة، هو وكل من يجرؤ على ترك جماعتكم، يجب قطعه بسيف الحرمان الرسولي.
    تحرر في كريمونا في السابع من أكتوبر. ونحن نريد منكم قراءة هذا الخطاب على الرهبان المجتمعين والأخوة العلمانيين، ولتعلم الأديرة الأخرى بمحتواه)).
    د- خطاب أوربان الثاني إلى كونتات بيسالو، وامبورياس، وروسيللون، وسردانيا وفرسانهم ما بين محرم 490 هـ إلى 9 رمضان 493 هـ/ يناير 1096م إلى 29 يوليو/1099م
    ((إننا نتوسل إلى سيادتكم بحرص شديد لصالح المدينة أو لصالح كنيسة تراجونا، ونأمركم أن تبذلوا جهداً حماسياً لاستعادتها بكل وسيلة ممكنة لمحو خطاياكم لأنكم تعلمون كم ستكون دفاعاً عظيماً لشعب الرب وكيف ستكون ضربة مرعبة للمسلمين، إذا ما شاءت رحمة الرب، إذا ما تمت استعادة موقع هذه المدينة الشهيرة. وإذا كان الفرسان في ولاية أخرى قد قرروا جميعاً أن يذهبوا لمساعدة الكنيسة الآسيوية وأن يحرروا إخوانهم من طغيان المسلمين، فكذلك يجب عليكم جميعاً وبتشجيعنا أن تبذلوا قصارى جهدكم لمساعدة كنيسة قريبة منكم هكذا لمقاومة غزوات المسلمين. ولا ينبغي لأحد أن يشك في أنه لو مات في هذه الحملة حباً في الرب وفي إخوانه، فإن خطاياه سوف تغتفر، وسوف ينال بالتأكيد نصيبه في الحياة الخالدة بفضل رحمة الرب الواسعة. ولذا، فإذا كان أحكم قد قرر أن يذهب إلى آسيا، فأنه يجب أن يفي بقسمه هنا وليس هناك، لأنه ليس من الخير في شيء أن تنقذ المسيحيين من المسلمين، فقط لكي تعرضهم في مكان آخر لطغيان المسلمين واضطهادهم. فليوقظ الرب العظيم في قلوبكم حب إخوتكم ويكافئكم على بسالتكم بالنصر على الأعداء.

    ملحق (6)
    رسالة قاضي سرقسطة والجمهور إلى الأمير أبي الظاهر تميم بن يوسف بن تاشفين عام 512هـ/1118م
    نقلاً عن: مؤنس، الثغر الأعلى الأندلسي، ص132-137

    من ملتزمي طاعة سلطانه، ومستنجديه على أعداء الله، ثابت بن عبد الله، وجماعة سرقسطة من الجمل فيها من عباد الله.
    أطال الله بقاء الأمير الأجل، الرفيع القدر والمحل، لحرم الإسلام يمنعه، ومن كرب عظيم على المسلمين، يزيحه عنهم ويدفعه.
    كتابنا أيدك الله بتقواه، ووفقك، ووفقك لاشتراء دار حسناه، بمجاهدة عداه، يوم الثلاثاء السابع عشر من الشهر المبارك شعبان، عن حال قد عظم بلاؤها، وادلهمت ضراؤها، فنحن في كرب عظيم، وجهد أليم، قد جل العزا والخطب، وأظلنا الهلاك والعطب، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه إلى الله، دعوة من دعاه، وأمله لرفع الضرر ورجاه، سبحانه المرجو عند الشدائد، الجميل الكرم والعوايد، ويا لله، ويا للإسلام، لقد أنتهك حماه، وفضت عراه، وبلغ المأمول من بيضته عداه، ويا حسرتاه على حضرة قد أشفت على شفى الهلاك، طالما عمرت بالإيمان وازدهت بإقامة الصلوات وتلاوة القرآن ترجع مراتع للصلبان ومشاهد ذميمة لعبدة الأوثان، ويا ويلاه على مسجد جامعها المكرم، وقد كان مأنوساً بتلاوة القرآن المعظم، تطؤه الكفرة الفساق بذميم أقدامها، ويؤملون أن يدنسوه بقبيح آثامها، ويعمروه بعبادة أصنامها، ويتخذوه معاطن لخنازيرها، ومواطن لخماراتها ومواخيرها، ثم يا حسرتاه على نسوة مكنونات عذارى، يعدن في أوثاق الأسارى، وعلى رجال أضحوا حيارى، بل هم سكارى، وما هم بسكارى، ولكن الكرب الذي دهمهم شديد، والضر الذي مسهم عظيم جهيد، من حذرهم على بنيات قدكن من الستر نجيات الوجوه، أن يروا فيهن السوء والمكروه، وقدكن لا يبدون للنظار، فالآن حان أن يبرزن إلى الكفار، وعلى صبية اطفال قد كانوا نشئوا في حجور الإيمان، يصيرون في عبيد الأوثان، أهل الكفر وأصحاب الشيطان، فما ظنك أيها الأمير بمن يلوذ به بعد الله الجمهور، بأمة هي وقايد هذه العظام الفادحة، والنوائب الكالحة، هو المطالب بدمائها: إذا أسلمها في آخر بدمائها، وتركها أغراضاً لأعدائها، حين أحجم عن لقائها، فإلى الله بك المشتكى، ثم إلى رسوله المصطفى، ثم إلى ولي عهده أمير المسلمين المرتضى، حين ابتعثك بأجناده، وأمدك بالجم الغفير من أعداده، نادباً لك، إلى مقارعة العدو المحاصر لها وجهاده، والذب عن أوليائه المعتصمين بحبل طاعته، والمتحملين السبعة الأشهر الشدائد الهائلة في جنب موالاته ومشايعته، من أمة قد نهكهم ألم الجوع، وبلغ المدى بهم من الضر الوجيع، قد برح بهم الحصار، وقعدت عن نصرتهم الأنصار، فترى الأطفال بل الرجال جوعاً يحرون، يلوذون برحمة الله ويستغيثون، ويتمنون مقدمك بل يتضرعون، حتى كأنك قلت أخسأوا فيها ولا تكلمون. وما كان إلا أن وصلت وصل الله برك بتقواه، على مقربة من هذه الحضرة، ونحن نأمل منك بحول الله أسباب النصرة، بتلك العساكر التي أقر العيون بهاؤها، وسر النفوس زهاؤها، فسرعان ما أنثنيت وما أنتهيت، وأرعويت، وما أدنيت، خايباً عن اللقاء، ناكصاً على عقبيك عن الأعداء، فما أوليتنا غناء، بل زدتنا بلاء وعلى الداء داء، بل أدواء، وتناهت بنا الحال جهداً والنواء، بل أذللت الإسلام والمسلمين، واجترحت فضيحة الدنيا والدين، فيا لله ويا للإسلام، لقد اهتضم حرمه وحماه أشد الاهتمام، إذ أحجمت أنصاره عن إعزازه أقبح الأحجام، ونكصت عن لقاء عدوه وهو في فئة قليلة، ولمة رذيلة، وطائفة قليلة يستنصر بالصلبان والأصنام، وانتم تستنصرون بشعار الإسلام، وكلمة الله هي العليا ويده الطولى، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأن من وهن الإيمان، وأشد الضعف، الفرار من الضعف، فكيف عن أقل من النصف، فما قبح من رضى بالصغار وسيم خطة الخسف، فما هذا الجبن والفزع، وما هذا الهلع والجزع، بل ما هذا العار والضيع، أتحسبون يا معشر المرابطين، وأخواننا في ذات الله المؤمنين، ان سبق على سرقسطة القدر، بما يتوقع منه المكروه والحذر، انكم تبلغون بعدها ريقاً، وتجدون في ساير بلاد الأندلس عصمها الله، مسلكاً من النجاة أو طريقاً، كلا والله ليسو منكم الكفار عنها جلاء وفراراً، وليخرجنكم منها داراً فداراً، فسرقسطة حرسها الله، هي أسد الذي إن فتق، فتقت بعده أسداد، والبلد الذي إن أستبيح لأعداء الله، استبيحت له أقطار وبلاد، فالآن أيها الأمير الأجل، هذه أبواب الجنة قد فتحت، وأعلام الفتح قد طلعت، فالمنية ولا الدنية، والنار ولا العار، فأين النفوس الأبية، وأين الأنفة والحمية، وأين الهمم المرابطية، فلتقدح عن زنادها بانتضاء حدها، وامتضاء جدها واجتهادها، وملاقاة أعداء الله وجهادها، فإن حزب الله هم الغالبون، وقد ضمن تعالى لمن يجاهد في سبيله ان ينصره، ولمن حامى عن دينه ان يؤيده ويظهره، فما هذا أيها الأمير الأجل، ألا ترغب في رضوانه، وأشتراء جناته، بمقارعة حزب شيطانه، والدفاع عن أهل إيمانه، فاستعن بالله على عدوه وحربه، وأعمد ببصيرة في ذات الله إلى أخوان الشيطان وحزبه، فأنهم أعراض للمنايا والحتوف، ونهز للرماح والسيوف، ولا ترض بخطة العار، وسوء الذكر والصيت في جميع الأمصار، ولا تكن كمن قيل فيه:

    يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو
    ولا يرزأ من العدو قتيلا


    ولن يسعك عند الله، ولا عند مؤمن، عذر في التأخر والأرعواء، عن مناجزة الكفار والأعداء، وكتابنا هذا أيها الأمير الأجل، اعتذار تقوم لنا به الحجة في جميع البلاد، وعند سائر العباد، في إسلامكم إيانا، إلى أهل الكفر ولإلحاد، ونحن مؤمنون، بل موقنون من أجابتكم إلى نصرتنا، وإعدادك إلى الدفاع عن حضرتنا، وأنك لا تتأخر عن تلبية ندائنا ودعائنا، إلى استنقاذنا من أيدي أعدائنا، فدفاعك إنما هو في ذات الله، وعن كلمة (الدين وربه) ومحاماتك عن الإسلام وحزبه، فذلك الفخر الأنبل لك في الأخرى والدنيا، ومورث لك عند الله المنزلة العليا، فكم تحيى من أمم، وتحلى من كروب وغمم، وأن تكن منك الأخرى، وهي الأبعد عن متانة دينك وصحة يقينك، فأقبل بعسكرك على مقربة من سرقسطة عصمها الله، ليخرج الجميع عنها، ويبرأ إلى العدو وقمة الله منها، ولا تتأخر كيفما كان طرفة عين، فالأمر أضيق ، والحال أزهق، فعد بنا عن المطل والتسويف، قبل وقوع المكروه والمخوف، وإلا فأنتم المطالبون عند الله بدمائنا وأموالنا، والمسؤولون عن صبيتنا وأطفالنا، لأحجامكم عن أعدائنا، وتثبطكم عن إجابة ندائنا، وهذه حال نعيذك أيها الأمير الأجل عنها، فأنها تحملك من العار ما لم تحمله أحداً، وتورثك وجميع المرابطين الخزي أبداً، فالله الله أتقوه، وأيدوا دينه وانصروه، فقد تعين عليكم جهاد الكفار، والذب عن الحريم والديار، قال الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))( )، وقد برئتم بإسلامنا للأعداء من نصر الإسلام، وعند الله لنا لطف خفي، ومن حرمته ينزل الصنع الخفي، ويغنينا الله عنكم، وهو الحميد الغني. ومن متحملي كتابنا هذا، وهم ثقاتنا، تقف من كنه حالنا على ما لم يتضمنه الخطاب ولا استوعبه الإطناب بمنه، وله أتم الطول في الإصغاء إليه واقتضاء ما لديهم إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله
    وبركاته.
     
  15. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    شكـــر وتقديـــر

    شكـــر وتقديـــر
    الحمد لله أولاً وأخراً، وله الشكر ما بقيت وبقي الليل والنهار، والصلاة والسلام على محمد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين
    أتقدم بخالص الشكر والامتنان والتقدير لأستاذي الفاضل الدكتور جاسم ياسين محمد الدرويش الذي أنجزت رسالتي هذه بإشرافه فمنحني كثيراً من وقته وجهده، وكانت لتوجيهاته القيمة وآرائه السديدة أثر كبير في إخراجها بشكلها النهائي.
    وأتقدم بالشكر والتقدير إلى الأساتذة الأفاضل الدكتور حسين علي المصطفى رئيس قسم التاريخ في كلية التربية-جامعة البصرة، والدكتور إبراهيم جدوع السلمي، والدكتور نزار عزيز حبيب، أساتذة التاريخ الإسلامي في كلية التربية والدكتور فائق حاكم عيسى الغانم رئيس قسم التاريخ السابق، وإلى أعضاء الهيأة التدريسية في قسم التاريخ، لما بذلوه من جهود خيرة طوال مدة دراستي، ولما أبدوه لي من مساعدة، وتفضلهم عليّ في الكثير من الآراء، والملاحظات العلمية القيمة التي كان لها أثر مفيد في دراستي.
    وأتقدم بوافر الشكر إلى الدكتور عصام گاطع داود والمدرس المساعد فرقد عباس قاسم والمدرس المساعد مؤيد أحمد خلف والمدرس المساعد ناظم رشم معتوق.
    ولا يسعني أخيراً سوى أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى موظفي قسم التاريخ في كلية التربية-جامعة البصرة، وموظفي مكتبة كلية التربية والمكتبة المركزية جامعة البصرة، وكلية الآداب-جامعة بغداد لما أبدوه من عون بتزويدي بالكثير من المصادر التاريخية المهمة التي كانت لي عوناً في إخراج الرسالة إلى الوجود.
    والله الموفق


    الباحث
     
  16. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    الخــاتمـــة

    الخــاتمـــة
    خصَّتْ هذه الدراسة الحملات الصليبية على الأندلس حتى نهاية دولة المرابطين. أن جذور الحروب الصليبية، قد بدأت في الغرب الإسلامي قبل الشرق الإسلامي، نتيجة عوامل عدة، أسهمت
    في بلورة الدعوة إلى حرب دينية مقدسة، انحصرت في الأندلس، على حين لم تبرز في الشرق الإسلامي هذه الدعوة حتى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، ويبدو أن سبب ذلك يعود إلى التطورات التي شهدتها البلاد الأندلسية بتوجه عمليات الفتح الإسلامي إلى فرنسا، مما حفز الرأي
    العام الأوربي، والرسمي المتمثل بالملوك والأمراء، على حشد طاقاتهم ضد هذا التوسع، ووجدوا في المقاومة الأسبانية أداة مهمة في مواجهة المسلمين، إذ جمعت المصالح المشتركة بين الطرفين
    لمواجهة مسلمي الأندلس، الذين هددوهم، ومما أعطى ملامح دينية لهذه العمليات العسكرية، هو
    تصدر رجال الدين النصارى لمقاومة القوات الإسلامية، من أجل استنهاض الروح الحماسية لدى النصارى، وهو ما تبين في حملة الوالي (عنبسه بن سحيم الكلبي)، عند زحفه على مدينة سانس الفرنسية، ودور رجال الدين في جيش شارل مارتل، شكل نواة لولادة حركة جديدة، وضفت الدين في خدمة العمليات العسكرية، وجاءت الخطوة المهمة بروز الكلونيين عام 298هـ/910م، في الدعوة إلى دعم الأسبان عسكرياً في الأندلس، إذ رافق ذلك دعوة البابا سلفستر الثاني في دعوة أوربا لمناصرة النصارى في قتال المسلمين.
    إِنَّ ضعف حكم المسلمين في الأندلس عقب وفاة المنصور بن أبي عامر، وانقسام البلاد إلى دويلات صغيرة متنازعة فيما بينها، انعكست آثاره على تحسن موقف الأسبان الخاصة بعد وصول المساعدات العسكرية من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وبرز الدور الفرنسي منذ البداية في دعم الأسبان قياساً بالقوى الأوربية الأخرى، ومرد ذلك إلى تعرض فرنسا للعمليات العسكرية الإسلامية، لقربها من الأندلس مما جعلهم يتخذون موقفاً عسكرياً من الوجود الإسلامي هدفه الدفاع عن بلادهم، لذلك دعموا الأسبان عسكرياً، وأخذت الأديرة الكلونية في فرنسا على عاتقها الدعوة إلى محاربة المسلمين، وكان لهذه الدعوة الأثر البعيد في توجه الفرنسيين إلى الأندلس.
    إِنَّ الإنجازات التي بدأت تتحقق في الأندلس، لفتت انتباه البابوية التي أَشرفت وبخاصة في عهد البابا الاسكندر الثاني وجريجوري السابع على العمليات العسكرية في الأندلس، بمنحها صفة دينية، ومباركتها لها بمنح الغفران للمساهم فيها. بل بلور تراجع المسلمين عسكرياً إلى طرح فكرة الحرب الدينية المقدسة التي تقوم على أساس تعبئة قدرات العالم النصراني لاسترداد جميع المناطق التي سيطر عليها المسلمون والتي كانت في السابق تخضع للنصارى.
    إِنَّ الملفت للنظر أن جهود البابوية انحصرت في الغرب الإسلامي، دون أن تشمل الشرق الإسلامي ويبدو أن مرد ذلك كان يعود إلى وجود قوى إسلامية لها وزنها السياسي والعسكري كالحمدانيين والفاطميين ومن ثم السلاجقة مما أخر هذا التوجه البابوي في الشرق الإسلامي، لأن
    مركز التفوق الإسلامي كان واضحاً.
    ويبدو أن تطور الأحداث السياسية والعسكرية في الشرق الإسلامي عام 463هـ/1070م،
    وفي الغرب الإسلامي عام 479هـ/1086م عندما أحرز المسلمون نصراً ساحقاً على النصارى في معركتي ملاذكرد والزلاقة، ترك تأثيراً في الدعوة إلى الحرب الصليبية التي أعلنت بصورة رسمية. وأصبح هدف السياسة النصرانية من بعد ذلك القضاء على مظاهر الدين الإسلامي في المناطق المستردة منهم، كما حدث في مدينة وشقة عام 489هـ/1095م، وسرقسطة عام 512هـ/1118م، واشبونة عام 542هـ/1147م، وطرطوشة عام 543هـ/1148م، إذ حولت جوامعها إلى كنائس.
    وعلى الرغم من تأثير العامل الديني في استقطاب الصليبيين للقتال في الأندلس، رافق هذا
    التأثير العامل الاقتصادي عندما كافأ (الفونسو الأول المحارب الكونت جاستون دي بيارن) في حملة سرقسطة باقتطاعه حي سرقسطة، وأنعم عليه بلقب (سيد سرقسطة) لجهوده العسكرية في قتال المسلمين، ولهذا السبب أيضاً حفز القوى الصليبية في الاستيلاء على أشبونة والمرية وطرطوشة، خاصة أنَّ هذه المدن امتازت بثرواتها، كونها مدن ساحلية تجارية.
    يبدو أن المرابطين على الرغم من نشاطاتهم العسكرية الجادة، والمدفومة بدافع الجهاد الديني في سبيل تحرير مناطق الأندلس، التي سقطت بأيدي الصليبيين، أخفقوا في استرجاع تلك المناطق المهمة، سواء طليطلة أو مناطق الثغر الأعلى الأخرى، كما ان هذه الحروب المتواصلة بين الجانبين الإسلامي والصليبي استنزفت قدرات المرابطين العسكرية، خاصة بعد انقطاع الدعم العسكري منها من المغرب بسبب ظهور الموحدين هناك كما لم يحصلوا على مساعدات عسكرية، وإمدادات من الشرق الإسلامي، في حين كان الأسبان، قد حصلوا على دعم أوربي متواصل، ومن مختلف بلاد أوربا؛ مما حفزهم لمواصلة الحرب أمام المسلمين حتى عندما هزموا أمامهم، ومكنهم ذلك من مواصلة القتال بشكل مستمر، الأمر الذي أدى إلى إضعاف المرابطين في الأندلس.
     
  17. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    قرار المشرف

    أشهد أن إعداد الرسالة الموسومة الحملات الصليبية على الأندلس حنى نهاية
    دولة المرابطين للطالب (حسين جبار مچيتل) جرى تحت إشرافي في كلية التربية – جامعة البصرة، وهي جزء من متطلبات الحصول على درجة ماجستير آداب في التاريخ الإسلامي.

    المشرف
    أ. د. جاسم ياسين محمد الدرويش

    التوقيع/
    التاريخ: / /2005

    توصية السيد رئيس القسم

    بناءً على التوصيات المتوافرة أرشح هذه الرسالة للمناقشة.

    التوقيع
    أ. م.د. حسين علي المصطفى
    رئيس قسم التاريخ /كلية التربية
    / /2005
     
  18. حسين العلياوي

    حسين العلياوي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 سبتمبر 2008
    المشاركات:
    17
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    قرار لجنة المناقشة

    نشهد نحن أعضاء لجنة المناقشة، اننا اطلعنا على الرسالة الموسومةتحضير علائق بوليمرية هلامية طافية لتغذية أسماك الكارب الشائع Cyprinus carpio L.  وناقشنا الطالبة
    (ليلى مصطفى عبد الكريم القطراني) في محتوياتها أو فيما له علاقة بها ونعتقد بأنها جديرة بالقبول بتقدير (أمتيـــــاز) لنيل درجة ماجستير في علوم الحياة - الإحياء المائية (تغذية أسماك).

    التوقيع:
    الاسم: أ. د. صادق علي حسين
    المرتبة العلمية: أستاذ
    العنوان: كلية الزراعة - جامعة البصرة
    التاريخ: /5/2005

    التوقيع التوقيع
    الاسم: أ.م. د سعيد عبد السادة الشاوي الاسم: أ.م. د أثير محمود حداد
    المرتبة العلمية: أستاذ مساعد المرتبة العلمية: أستاذ مساعد
    العنوان: كلية الزراعة - جامعة بغداد العنوان: كلية العلوم - جامعة البصرة
    التاريخ: /5/2005 التاريخ: /5/2005
    عضــواً عضــواً

    التوقيع التوقيع
    الاسم: أ. د نجــاح عبود حسين الاسم: أ.د كوركيس عبد آل آدم
    المرتبة العلمية: أستــاذ المرتبة العلمية: أستاذ
    العنوان: كلية العلوم - جامعة البصرة العنوان: كلية العلوم - جامعة البصرة
    التاريخ: /5/2005 التاريخ: /5/2005
    عضــواً ومشرفاً
    عضــواً ومشرفاً

    مصــادقــة عميـــد كليـــــة العلـــــــوم

    أصادق على ما جاء في قرار اللجنة أعلاه.
    التوقيع:
    الاسم: ا.د محمد جاسم الاسدي
    عميد كلية العلوم / جامعة البصرة
    التاريخ: / /2005
     
  19. الاغويني يرق

    الاغويني يرق عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏17 مارس 2011
    المشاركات:
    1
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    السلام عليكم اخي الكريم
    حقا عمل اكاديمي رائع
    من فضلك اخي انا بحاجة ماسة الى مقال حسين مؤنس في مجلة كلية الاداب بعنوان بلاي وميلاد اشتريس وفي الاخير تقبل تحياتي
     
  20. جمال حسن

    جمال حسن عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏26 ابريل 2013
    المشاركات:
    1
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    السلام عليكم دوکتر حسین العلیاوی
    بعد تحیاتی
    من فضلک انا بحاجة الی نسخة بی.دی.اف من رسالتک الموسومة "الحملات الصليبية على الأندلس حنى نهاية
    دولة المرابطين" حتی استفید من ارجاعاتها و ملاحظاتها
    عنوانی هذا: [email protected]
    شکرا لمساعدتک