العامية في الرواية

العامية في الرواية تاريخ النشر: 18/07/2017 استمع محمد ولد محمد سالم

يشكو بعض القراء من الإغراق في اللهجة العامية في رواية «طشّاري» لإنعام كجه جي، ما حال بينهم وبين فهم بعض الحوارات، وصعّب عليهم بالتالي فك بعض رموز الرواية، ويلاحظون أن ذلك يجني على هذه الرواية التي في عمومها رواية جيدة، وتقدم رؤية إنسانية لمأساة الشعب العراقي، والتفكك الذي حدث للحمته التي كانت صلبة في الفترات التي سبقت الحروب المدمرة التي خاضها منذ نهاية القرن الماضي وإلى اليوم، حيث تشت أفراده في كل اتجاه، وقبل هذه الرواية كتبت الروائية السعودية رجاء الصانع روايتها «بنات الرياض» وملأتها بحوارات مغرقة في المحلية، بل في اللغة «البينية» للبنات الطالبات التي تخلط العامية باللغة الأجنبية بالفصحى، فكان ذلك أحد الجوانب السلبية في هذه الرواية التي أعجب بها أحد قامات الرواية السعودية هو المرحوم غازي القصيبي، وشهدت احتفاء عربياً كبيراً.
كان موضوع العامية في الرواية أحد المواضيع المبكرة التي طرحت على الرواية منذ أيام توفيق الحكيم الذي رأى أنها يمكن أن تستخدم في الحوارات، ثم نجيب محفوظ الذي استخدمها برشاقة في رواياته، وقد كان دائماً هناك من يعارضون وجودها في الرواية حفاظاً على فصاحة الأدب، واعتباراً بأن الكاتب هو حارس للفصحى، ولا ينبغي أن يكتب بالعامية لأنها تفسد اللغة، وتؤدي إلى اختلاط الإبداع بغيره من الكلام العادي، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تاريخ طويل من الحفاظ على «الفصاحة العربية»، جعل النحاة يوقفون الاستشهاد في اللغة عند منتصف القرن الثاني الهجري، ولا يقبلون بخروج عن سنن تلك الفصاحة في من جاء بعد هذا التاريخ، لكنّ اللغة في عصرنا الحاضر قطعت أشواطاً وتبدلت تبدلات أصبحت تفرض على اللغوي أن يتعامل معها، ويصغي إليها.
إذا اعتبرنا أن لغتنا الراهنة لها فصاحتها التي تختلف كثيراً عن فصاحة الأقدمين، فهل يشترط في الروائي أن يلتزم كلياً بهذه الفصاحة؟ قد يكون الشاعر أكثر من يطالب بالالتزام بالفصاحة، فهو حارس اللغة الحقيقي، ولا يقبل منه الخطأ الفادح أو الابتذال اللفظي، لكنّ الروائي له وضع خاص، فالرواية هي عالم إنساني بكامله، لذلك يَتجوّز كتابها في بعض الاستخدامات التعبيرية التي يرون أنها أقدر على نقل الواقع كما هو، ويقتصر هذا الأمر على الحوارات، لكنّ هذا التجوز لا ينبغي أن يكون مفتوحاً على مصراعيه، بحيث يغرق الكاتب في الابتعاد عن الفصحى، ويُمعن في العامية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى أمرين، لا يخدمان الرواية ولا الأدب، أولهما أن قراءها سيكونون محدودين بمن يفهمون تلك اللهجة التي كتبت بها، وثانيهما خروج الرواية عن طبيعتها كنص «أدبي فصيح»، وتحولها نصاً شعبياً خاصاً بمجتمع عربي واحد دون بقية المجتمعات، وتقوقعها في بيئتها المحلية، ما يعني انتفاء مفهوم «الرواية العربية».

dah_tah@yahoo.fr

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله