ما أشبه الليلة بالبارحة

بعد الحل غير الدستوري الأول لمجلس الأمة سنة 1976، وفرض الرقابة على الصحافة، كنت الصحافي الكويتي المتفرغ الوحيد في الكويت – على ما اعتقد، ولا أظنني مخطئاً-. الحل غير الدستوري وفرض الرقابة كانا يتطلبان موقفاً سياسياً صارماً. بالنسبة لي، كان التوقف عن الكتابة احتجاجاً على الرقابة والحل غير الدستوري هو المتاح. وهكذا كان، توقفت أو أضربت عن الكتابة لمدة عشرين عاماً، وأيضاً على ما أذكر فقد كنت الكاتب الوحيد الذي أضرب احتجاجاً على فرض الرقابة.. لم أكتب خلالها غير مقال واحد شجباً واستنكاراً للمحاولة الآثمة التي تعرض لها سمو المرحوم الشيخ جابر الأحمد.. وقتها كتبت مقالاً في السياسة نشر على الصفحة الأولى كالعادة، حيث كنت نائب رئيس تحريرها عند انقطاعي عن الكتابة. وإذا أسعفتني الذاكرة، فإن عنوانه كان «كلنا سعد وخالد».. والعنوان مقتبس من قصيدة لشاعر الكويت فهد العسكر، كان يمتدح فيها الأب المؤسس المرحوم عبدالله السالم. والمرحومان سعد وخالد كانا بالطبع ابني سموه.
بعد التحرير، أي بعد عشرين عاماً من الانقطاع، عدت إلى الكتابة في القبس بفعل ضغط الزميل مبارك العدواني الذي شاركني وقتها إصدار نشرة «الدستور» بعد التحرير، والتي اعتقد أننا أصدرنا منها ثلاثة أعداد حتى نفد الحبر والورق.
في القبس ابتدأت الكتابة في 29 – 6 – 1991، وكان أول مقال كتبته هو رد فعل على دعوات تصغير الدور السياسي الكويتي وتسليم القرار السيادي الكويتي للدول الصديقة والشقيقة التي ساهمت في تحرير الكويت. وهو بالضبط ما يدعو إليه البعض هذه الأيام.. لهذا، أجد أنه من المناسب تماماً إعادة نشر المقال اليوم، رغم مضي ربع قرن كامل على كتابته…

مدينون أدبيا.. لا سياسيا
يلاحظ المراقب هذه الأيام لاتجاهات ومواقف الكويت الخارجية أن هذه المواقف وتلك الاتجاهات لم تعد كما كانت تعبر عن وجهة النظر الكويتية وتؤكد خصوصيتها.
ويبدو جلياً لمن يتابع كل هذا عن كثب أن السياسة الكويتية هذه الأيام قد فقدت دورها الريادي والمتميز في المنطقة، والذي مارسته طوال السنوات السابقة، وتحولت من الفعل إلى الانفعال، ومن الريادة إلى التبعية.
والواقع أن هذا ليس خطأ فردياً أو حكومياً مقصوداً، بل هو نتيجة طبيعية وحتمية للظروف التي مرت وتمر بها الكويت في الوقت الحالي.
إن الشعور بالامتنان والعرفان بالجميل الذي تكنه الكويت شعباً وحكومة للدول الصديقة والشقيقة يتحكم ويوجه المسيرة الكويتية منذ الجلاء وحتى الآن، إن الشعب الكويتي وحكومته بالذات واقعون أسرى هذا الشعور بالامتنان وعرفان الجميل، وهذا ما يجعل الموقف الكويتي منفعلاً لا فاعلاً، مقوداً لا قائداً.
وهنا نود أن نبين أننا مع وعينا الواضح وقناعتنا بأسباب هذا الشعور ومبرراته، إلا أننا نعتقد بأن الكويت يجب ألا تصبح أسيرة هذا الموقف إلى الأبد، وبأن استقلالية القرار الكويتي يجب أن تكون موضع احترام الأصدقاء قبل الأعداء.
إن الفهم الحقيقي لأوضاع المنطقة قبل وبعد الغزو مع الوعي التام بمساهمات الدول الصديقة والشقيقة وتضحياتها في سبيل استرداد الكويت وحماية أهلها لا يمكن إلا أن يؤدي بنا إلى الاعتراف بأن الأزمة لم تكن أزمة الكويت وحدها، بل هي وحسب التسمية التي عرفت بها هي «أزمة الخليج»، وقبل ذلك أزمة المنطقة والعالم كله. لذا، فإن مساهمات وتضحيات الدول الحليفة هي في المحصلة النهائية تضحيات دفعتها هذه الدول وسوف تدفعها حماية لمصالحها وتعزيزاً لأمنها، سواء كان أمناً اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً.
إن هذه المساهمات وتلك التضحيات كانت سوف تقدم، سواء أكانت الدولة المحتلة هي الكويت، أم أياً من دول العالم ذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية الموازية.
من هنا، نحن نصر على أن تتحرر الكويت سياسياً من هذا الأسر، وأن تتحدد السياسة الكويتية بمعزل تام عنه، في ذات الوقت الذي نصر فيه على أن تتمسك الكويت بالعرفان أخلاقياً وأدبياً، فضحايا حرب تحرير الكويت وهبوا دماءهم وأنفسهم إلى النهاية في سبيل تحرير هذا الشعب.

عبداللطيف الدعيج

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله